
تشهد حقول زراعة الطماطم في الوقت الراهن حالة من الاستنفار الشديد، مصحوبةً بخوف وقلق في آن واحد، جراء احتمالية تفشي آفة “توتا أبسليوتا”، أو ما تُعرف بحشرة “صانعة أنفاق الطماطم”، والتي تشبه “الجراد الخفي” وتُهدد الأخضر واليابس.
هذه الحشرة اللعينة لا تكتفي بامتصاص خيرات المحصول، بل تدمر هيكل النبات بالكامل، حيث تخترق اليرقات الأوراق والثمار، وتصنع ممرات دائرية بداخلها، مسببة تعطلًا كاملًا في عملية التمثيل الضوئي، وتحويل الحقول الخضراء إلى أطلال وهياكل جافة تشبه الحطب المحروق في غضون أيام قليلة، وهو ما دفع وزارة الزراعة إلى إطلاق حملة لمكافحة “توتا أبسليوتا” في محافظات الصعيد.

آفة جبارة
والوقت الحالي هو موعد العروة النيلية “الخريفية”، حيث تُزرع البذور في المشاتل خلال شهري يونيو ويوليو، ويتم الشتل في شهري أغسطس وسبتمبر، ويظهر الإنتاج في الأسواق بدءًا من شهر أكتوبر وحتى ديسمبر. وتُعد من العروات المهمة لسد الفجوة بين الصيف والشتاء، وتنتشر زراعتها في مصر الوسطى والعليا “محافظات الصعيد”، وهي عروة حساسة جدًا للإصابة بالآفات.
حالة الخوف من الآفة عبّر عنها بشكل أكبر الحاج شهاب الضوي، مزارع من سوهاج يبلغ من العمر 65 عامًا، ويعمل في زراعة الطماطم منذ 50 عامًا، قائلًا: “عمري ما شفت آفة بالجبروت ده، وزمان كنا بنخاف من الدودة، بس رشة واحدة كانت بتقضي عليها، إنما ‘التوتا’ معيشانا في رعب”.
وواصل الضوي، في تصريحه لـ”ليبرالي”، بأن الرش التقليدي لم يعد يؤثر في الآفة، مضيفًا: “كأننا بنرش مية.. والحشرة دي فنانة في الاستغماية، بتستخبى جوة الساق وفي قلب حبة الطماطم، وتفاجئك إن الزرع مات”.

زراعة 367 ألف فدان طماطم..وإنتاج 7.1 مليون طن
ووفقًا لوزارة الزراعة، تبلغ المساحة المنزرعة بالطماطم 367 ألف فدان، ويقترب حجم الإنتاج السنوي من 7.1 مليون طن، بما يكفي للاستهلاك المحلي، ويُصدر الفائض.
وتبلغ صادرات الطماطم 67 ألف طن، ما يؤكد القدرة التنافسية للمنتج المصري في الأسواق الخارجية، ولا تقتصر العوائد على التصدير الطازج فقط، بل تمتد إلى الطماطم المجففة ومركزاتها، التي تجاوزت صادراتها حاجز 100 مليون دولار.
الخسائر لم تقتصر على المزارعين فقط، بل طالت التجار أيضًا، حسبما يوضحه المعلم فرج علام، تاجر خضروات في سوق العبور، قائلًا: “الخوف طالنا إحنا كمان كبياعين وتجار، وأنا دافع عربون لثلاثة مزارعين عشان أستلم المحصول في شهرَي 9 و10”.

“التوتا أبسليوتا” تحولت إلى ما يشبه “السرطان الزراعي”
ويضيف علام، في حديثه لـ”ليبرالي”، أنه متخوف من أن تدخل “التوتا” غيطان المزارعين، فيذبل ويموت الزرع، قائلًا: “فلوسي اللي دفعتها سلف للمزارعين طارت في الهوا”، بخلاف أن انتشار تلك الآفة سينعكس على ارتفاع كبير في أسعار الطماطم خلال الفترة المقبلة.
وتتراوح أسعار الطماطم حاليًا بين 6 و10 جنيهات للكيلو في سوق العبور، وفقًا لعلام، بينما يصل متوسط سعر بيعها للمستهلك في الأسواق التجارية إلى ما بين 15 و20 جنيهًا للكيلو، واصفًا أسعار الطماطم حاليًا بالمستقرة، ومرجعًا السبب إلى توافر كميات كبيرة من الإنتاج.
وفي السياق ذاته، قال الدكتور عادل عبد اللطيف، مدير معهد بحوث وقاية النباتات الأسبق، وأستاذ الحبوب المخزونة، إن الحقيقة التي يجب أن نواجهها هي أن آفة “التوتا أبسليوتا” أو ما تعرف بـ”صانعة أنفاق الطماطم”، لم تعد مجرد حشرة عادية نكافحها برشة مبيد وتنتهي الأزمة، بل تحولت إلى ما يشبه “السرطان الزراعي” الذي يهدد الأمن الغذائي ومحصول الطماطم الاستراتيجي في مصر بالكامل.

“العشوائية في المكافحة”
خطورة هذه الآفة تكمن في سلوكها التدميري، يضيف عبد اللطيف، في تصريحه لـ”ليبرالي”، لافتًا إلى أن الأنثى الواحدة تضع ما يقرب من 250 إلى 300 بيضة، ولها قدرة مرعبة على التكاثر السريع تصل إلى 10 أو 12 جيلًا في السنة، لا سيما مع التغيرات المناخية الراهنة وارتفاع درجات الحرارة التي نعيشها.
ويوضح مدير معهد بحوث وقاية النباتات الأسبق، أن ما نراه في بعض الحقول من تفحم الأوراق وتلف الثمار هو نتيجة “العشوائية في المكافحة”، حيث يرش بعض المزارعين مركبات كيميائية غير مسجلة أو مكررة، ما أدى إلى اكتساب الحشرة مناعة وراثية شرسة، فضلًا عن القضاء على أعدائها الطبيعيين في البيئة.
وفيما يخص طرق الإنقاذ، أفاد عبد اللطيف بأنها تتمثل في الاعتماد على المبيدات الحديثة المتخصصة، التي يمتصها النبات وتصل إلى اليرقة داخل نفقها، مع ضرورة تغيير المادة الفعالة في كل رشة؛ لمنع اكتساب المناعة.

الإبادة يجب أن تكون جماعية لحصار الوباء
وتابع: إطلاق طفيل “الترايكوجراما” ومفترسات البق الدقيقي، التي تتغذى على بيض آفة “التوتا”، بخلاف ضرورة تعظيم الوعي الجماعي للمزارعين، حيث إن تنظيف حقل واحد لا يكفي إذا كان جارك يترك بقايا محصوله المصاب على حواف أرضك، فالإبادة يجب أن تكون جماعية لحصار الوباء.
بدوره، قال الدكتور مسعد زكي الحفني، أستاذ المحاصيل المتفرغ بكلية الزراعة بجامعة أسيوط، إن حشرة “التوتا أبسليوتا” ذكية جدًا، ومشكلتها الكبرى أنها تدخل في التكوين الداخلي لحبة الطماطم، ورش المبيدات لا يؤثر فيها.
“الفلاحين بيقعوا في غلطة كبيرة”، يضيف الحفني، في تصريحه لـ”ليبرالي”، قائلًا: “من كتر خوفهم بيرشوا كل يومين، فالدودة خدت مناعة من المبيد، غير إن الرش الكتير بيموت الحشرات الطيبة اللي ربنا خلقها عشان تاكل بيض الدودة دي”.

الزراعة تتصدى لآفة “توتا أبسليوتا” في محافظات الصعيد
وأفاد أستاذ المحاصيل بأن الحل يكمن في قطع الأوراق المصابة و”رميها” خارج الأرض الزراعية، وتعليق مصائد هرمونية في الأرض لاصطياد الحشرة، ورش مبيدات جهازية نظيفة تدخل في عصارة النبات، “عشان لما السوسة تأكل من الورقة تموت في مكانها”.
وطالب الحفني، عند رش المحصول، بأن يُرش بمبيدات “جهازية”، وهي نوع من المبيدات، عند رشها تمتصها حبة الطماطم في عصارتها، والدودة عند نخرها داخل الثمرة تموت فورًا.
وزارة الزراعة لم تكن بعيدة عن المشهد، إذ أعلنت إطلاق حملة قومية للمكافحة المتكاملة لآفة حافرة الطماطم “توتا أبسليوتا” في محافظات الصعيد، بهدف خدمة ومساندة مزارعي الطماطم في محافظات الوجه القبلي، وحماية هذا المحصول الاستراتيجي المهم، الذي يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الزراعي في الصعيد.
وتستهدف الحملة تطبيق منظومة المكافحة المتكاملة للآفات، للحد من مخاطر هذه الآفة، مع التركيز بشكل أساسي على التوسع في برامج المكافحة الحيوية، واستخدام البدائل الآمنة والمبتكرة لحماية المحصول وصحة المستهلك.
ومن المقرر، أن تعمل الفرق الميدانية المشتركة للحملة على تقديم جميع أوجه الدعم الفني، والتوعوي، والإرشادي للمزارعين في الحقول، وتدريبهم على الممارسات الزراعية الجيدة، وطرق الرصد والإنذار المبكر، وكيفية التعامل السليم مع الإصابات، بما يضمن رفع الإنتاجية، وتقليل التكاليف، وتعظيم العائد الاقتصادي لمزارعي الطماطم بالصعيد.






