دور محدود وصلاحيات مقيدة.. هل تقوم المجالس القومية بأدوارها المنوطة بها؟
المجالس القومية تحت المجهر.. صلاحيات محدودة وتوصيات بلا متابعة
- د. كريمة الحفناوي: المشكلة ليست في الموارد.. وإنما في الصلاحيات وضعف الاستجابة للتوصيات
- د. نيفين عبيد: الطبيعة الاستشارية للمجالس تحد من تأثيرها.. ونحتاج إلى صلاحيات واستقلال أكبر
- ياسر سعد: هناك مغالاة في تقدير الدور السياسي والحقوقي للمجالس.. وتبعيتها للسلطة التنفيذية تضعف دورها
تمثل المجالس القومية آلية وطنية لرصد الأوضاع في عدد من الملفات المرتبطة بحقوق الإنسان والمرأة والطفولة والأجور وغيرها، وتقديم الرؤى والتوصيات بشأن السياسات والتشريعات، إلا أن واقع أدائها يطرح تساؤلات حول مدى قدرتها على التأثير في صناعة القرار ومتابعة تنفيذ توصياتها.
ويرى مختصون وخبراء أن جانبًا من المشكلة يرتبط بمحدودية الصلاحيات وضعف آليات متابعة تنفيذ التوصيات، بينما يشير آخرون إلى أن الطبيعة الاستشارية لهذه المجالس، إلى جانب محدودية استقلاليتها، تقلل من قدرتها على القيام بأدوارها والتفاعل مع قضايا الرأي العام.
وبين مطالب بمنحها صلاحيات أوسع واستقلال أكبر، ودعوات لتفعيل أدوارها في الرقابة والتشريع وإصدار تقارير دورية عن تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية، يبرز السؤال: هل تقوم المجالس القومية بالدور المنوط بها، أم أن محدودية صلاحياتها واستقلاليتها تحد من تأثيرها؟
كريمة الحفناوي: توسيع الصلاحيات ضرورة ملحة
قالت الدكتورة كريمة الحفناوي إن المجالس القومية المتخصصة تحتاج إلى صلاحيات حقيقية، وألا يقتصر دورها على تقديم التوصيات إلى السلطة التنفيذية أو رئيس الجمهورية، خاصة في ظل عدم امتلاكها أدوات كافية لمتابعة تنفيذ هذه التوصيات أو الضغط من أجل تفعيلها.

وأضافت «الحفناوي» في حديثها لـ«ليبرالي» أن وجود توصيات جيدة وقوانين واستراتيجيات دون متابعة تنفيذها يحد من جدواها، مطالبة بمنح المجالس صلاحيات تتيح لها رفع توصياتها إلى مجلس النواب، بما يساعد على ترجمتها إلى تشريعات أو تعديلات قانونية.
وأشارت إلى الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان وما تتضمنه من ملفات تتعلق بالمرأة والعمال والحريات والديمقراطية وحرية التعبير، مؤكدة أن المشكلة في كثير من الأحيان لا تكمن في غياب القوانين أو الاستراتيجيات، وإنما في تفعيلها وتنفيذها.
ماذا قدم المجلس القومي لحقوق الإنسان؟
وتساءلت «الحفناوي» عن دور المجلس القومي لحقوق الإنسان في ملف خفض مدد الحبس الاحتياطي، مشيرة إلى مطالبات الأحزاب والقوى الوطنية بالإفراج عن المحبوسين احتياطيًا بعد انتهاء المدد القانونية، إلى جانب التوصيات والمقترحات التي طرحت خلال الحوار الوطني بشأن تقليص مدد الحبس الاحتياطي، موضحة أن ذلك لم ينعكس بالشكل الكافي على الواقع، بحسب قولها.

المجلس القومي للمرأة والتشريعات
وفيما يتعلق بالمجلس القومي للمرأة، تساءلت «الحفناوي» عن مدى كفاية الاكتفاء برفع التوصيات إلى السلطة التنفيذية، مشيرة إلى عدد من التشريعات التي ترى أنها لا تزال بحاجة إلى تحرك، من بينها قانون الأحوال الشخصية، والقانون الموحد لمناهضة العنف ضد المرأة، وقانون حماية العاملات في المنازل.
كما تساءلت عن تحرك المجلس القومي للمرأة تجاه مجلس النواب لدفع هذه التشريعات، وكذلك عن إنشاء مفوضية مستقلة لمكافحة التمييز، مؤكدة أن وجود آليات مستقلة وفعالة لمواجهة التمييز من شأنه دعم الحقوق التي نص عليها الدستور.

الأمومة والطفولة وذوو الإعاقة
وفي ملف المجلس القومي للطفولة والأمومة، أشارت «الحفناوي» إلى استمرار وقائع تشغيل الأطفال بالمخالفة للقانون، وما يترتب عليها من حوادث، متسائلة عن دور الرقابة والتفتيش وتنفيذ العقوبات بحق المخالفين.
وبشأن المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، أكدت أن النص على نسبة الـ5% للتوظيف لا يتم تنفيذه بالشكل الكافي، وفي بعض الحالات يتم بصورة شكلية، مشيرة إلى شكاوى من مطالبة بعض الأشخاص ذوي الإعاقة بالبقاء في منازلهم مقابل الحصول على رواتبهم.

وأكدت أن وجود قانون يضمن الحقوق لا يعني بالضرورة حصول أصحابها عليها ما لم توجد آليات حقيقية للتنفيذ والمتابعة، مطالبة بمنح المجالس صلاحيات أوسع في الرقابة والمساءلة والمحاسبة، بما في ذلك القدرة على اللجوء إلى القضاء ضد الجهات أو المسؤولين الذين لا يلتزمون بتنفيذ القوانين.
كما شددت على أهمية منح مفوضية مكافحة التمييز صلاحيات تتجاوز تلقي الشكاوى، لتتمكن من متابعة الوقائع وإحالتها إلى النيابة العامة، إلى جانب منح المجلس القومي لحقوق الإنسان صلاحيات تمكنه من أداء دوره بصورة أكثر فاعلية.
نيفين عبيد: الطبيعة الاستشارية تحد من التأثير
قالت الدكتورة نيفين عبيد، المدير التنفيذي لمؤسسة المرأة الجديدة، إن المجالس القومية لا تقوم بالدور المنوط بها بالشكل المأمول، باعتبارها آليات وطنية لمتابعة التزامات الدولة بتحقيق حقوق الإنسان، سواء تعلق الأمر بالمجلس القومي للمرأة أو المجلس القومي للطفولة والأمومة أو المجلس القومي لحقوق الإنسان.
وأوضحت «عبيد» في تصريح خاص لـ«ليبرالي» أن قوانين إنشاء المجالس الثلاثة تختلف عن بعضها، رغم إمكانية وضع إطار قانوني يمنحها صلاحيات متقاربة وأدوارًا واضحة، مشيرة إلى أن التعامل معها باعتبارها مجالس استشارية يفترض، على الأقل، أن يكون لها دور في إعداد السياسات والتشريعات.

وأضافت أن الدولة لا تبدو وكأنها تستمع بصورة كافية إلى رؤى هذه المجالس عند إعداد التشريعات، مستشهدة بأزمة قانون الأحوال الشخصية، ومتسائلة عن مدى تدخل المجلس القومي للمرأة أو المجلس القومي لحقوق الإنسان في التشريعات المرتبطة باختصاصاتهما.
وأكدت ضرورة أن تتدخل المجالس في القوانين والسياسات التي تمس الفئات التي تمثلها، وأن تقدم رؤى واضحة بشأن إشكالياتها.
غياب المجالس عن قضايا الرأي العام
وأشارت «عبيد» إلى غياب المجالس القومية عن عدد من قضايا الرأي العام المرتبطة بحقوق الفئات التي تختص بها، مثل قضايا العنف ضد النساء، واغتصاب الأطفال، والابتزاز الإلكتروني، والزواج المبكر.
وقالت إن حتى الحد الأدنى من الحضور في المجال العام، من خلال التعليق على قضايا الرأي العام والتذكير بالحقوق والمبادئ الأساسية، لا يتحقق بالشكل المطلوب، معتبرة أن غياب المجالس عن هذه الملفات يضعف حضورها وتأثيرها المجتمعي.

ولفتت إلى أن الطبيعة الاستشارية للمجالس تمثل أحد أسباب ضعف تأثيرها في عملية صنع القرار، كما تحد من قدرتها على أداء أدوارها الرقابية بالشكل الكافي.
وأوضحت أن المجلس القومي للمرأة، على سبيل المثال، يفترض أن تكون له أدوار رقابية على أداء الأجهزة المعنية بتقديم الخدمات للنساء، بينما يمتلك المجلس القومي لحقوق الإنسان أدوارًا رقابية من بينها زيارة أماكن الاحتجاز، إلا أن مخرجات هذه الزيارات، بحسب قولها، لا تقدم في كثير من الأحيان رؤية مختلفة عما تعلنه الدولة.
الاستقلال والتبعية لرئاسة الجمهورية
وأضافت أن تبعية المجالس القومية لرئاسة الجمهورية تضعف جانبًا من استقلاليتها المفترضة، مطالبة بمنحها قدرًا أكبر من الاستقلال حتى تتمكن من طرح رؤى قد تختلف عن الموقف الرسمي.
وشددت على ضرورة أن يكون للمجالس دور أكبر في طرح التشريعات والتصورات المتعلقة بالسياسات العامة، وإبداء آراء واضحة في قضايا الرأي العام.
كما طالبت بإصدار تقارير متابعة بصورة منتظمة توضح ما تم تنفيذه من الاستراتيجيات الوطنية وما لم يتم تنفيذه وأسباب التعثر، إلى جانب تعزيز الشراكة مع منظمات المجتمع المدني، بحيث تكون مشاركتها مؤثرة في النقاش وصناعة الرؤى وليست مجرد حضور في الفعاليات.
وأكدت «عبيد» أن المطلوب هو أن تكون المجالس القومية مؤثرة بصورة حقيقية في اتخاذ القرار والعمل السياسي والاجتماعي، معتبرة أن هذا التأثير في وضعه الحالي محدود.
ياسر سعد: مغالاة في تقدير الدور السياسي والحقوقي
قال ياسر سعد، المحامي الحقوقي، إن هناك مغالاة في تقدير الدور السياسي والحقوقي للمجالس القومية، موضحًا أن قوانين إنشائها تحدد اختصاصاتها في تقديم المشورة وإبداء الرأي والتوعية والتثقيف وإعداد مشروعات القوانين، إلى جانب الرصد والتوثيق وإعداد ونشر التقارير الرقابية.

وأضاف «سعد» في تصريح خاص لـ«ليبرالي» أن دور المجالس، حتى فيما يتعلق بالشكاوى التي تقدم إليها، يتوقف عند إحالتها إلى جهات التحقيق المختصة، مشيرًا إلى أن الدور الأكبر المفترض لهذه المجالس هو مواجهة سياسات الدولة في الملفات الداخلة ضمن نطاق اختصاصها.
وأوضح أن المجلس القومي لحقوق الإنسان يفترض أن يتحرك في ملف المحبوسين، بينما يتحرك المجلس القومي للمرأة في ملفات مثل الأحوال الشخصية وقضايا المرأة، إلا أن تشكيل هذه المجالس بأيدي السلطة التنفيذية يجعلها، بحسب قوله، في حالة تبعية للدولة، وهو ما ينعكس على طبيعة أدائها.
وأكد «سعد» أن التعيين في المجالس القومية يجب أن يتم من خلال مجلس النواب باعتباره المؤسسة المنتخبة والممثلة للشعب، لكنه أبدى تحفظه على إجراء تعديلات تشريعية في ظل الظروف السياسية الحالية، معتبرًا أن التعديلات وحدها لن تؤدي بالضرورة إلى تغيير حقيقي في الأداء.
دور محدود وحراك مجتمعي
وفي تقييمه لأداء المجالس القومية، قال «سعد» إن أداءها يظل محدودًا في ظل الظروف السياسية القائمة، لكنه أشار إلى أن بعضها استطاع القيام بأدوار مؤثرة في ملفات محددة، خصوصًا المجلس القومي للمرأة فيما يتعلق بتعديل بعض القوانين.
وأوضح أن الحركة الاجتماعية والضغط الشعبي كان لهما دور في دفع المجلس القومي للمرأة إلى التحرك، مشيرًا إلى أن الحراك النسائي في الشارع أسهم في منح المجلس مساحة أكبر للتحرك، بالتعاون مع منظمات نسوية وحقوقية.
وأشار إلى ملفات تغليظ عقوبة التحرش وتجريم ختان الإناث، إلى جانب الجهود المتعلقة بقانون الأحوال الشخصية، موضحًا أن التحرك في هذه الملفات ارتبط بدرجة كبيرة بحجم الحراك المجتمعي والضغط الشعبي حولها.
وأكد «سعد» أن تفعيل دور المجالس القومية يرتبط بوجود ضغط مجتمعي وحركة شعبية تدفعها إلى التحرك، مشددًا على ضرورة أن ينشط كل مجلس قومي في الملفات الداخلة ضمن اختصاصه، خاصة في ظل ما وصفه بتصاعد القيود والانتهاكات التي تمس قطاعات من المجتمع المصري.
ويبقى مستقبل دور المجالس القومية مرتبطًا بمدى قدرتها على الانتقال من مجرد تقديم التوصيات إلى امتلاك آليات أكثر فاعلية للمتابعة، وتعزيز استقلاليتها، وإصدار تقارير دورية تكشف ما تم تنفيذه وما تعثر، بما يتيح تقييمًا أكثر وضوحًا لمدى قيامها بالأدوار المنوطة بها.






