دراسة ترصد تكلفة المعيشة في مصر 2026.. 31.8 ألف جنيه تكلفة معيشة أسرة من 4 أفراد شهريًا
الغذاء والسكن والتعليم والنقل تلتهم 70% من ميزانية الأسرة.. والحد الأدنى للأجور لا يغطي سوى ربع الاحتياجات


كشفت دراسة بعنوان “كم ينفق المواطن المصري في يومه؟ – 2026” عن فجوة واسعة بين تكلفة المعيشة الفعلية ومستويات الدخول، مشيرة إلى أن الأسرة الحضرية المكونة من 4 أفراد تحتاج إلى نحو 31 ألفًا و784 جنيهًا شهريًا لتغطية سلة المعيشة وفق السيناريو الأوسط، بما يعادل نحو 1,059 جنيهًا يوميًا للأسرة.
وتؤكد الدراسة التي أعدتها الباحثة ببيت الخبرة البرلماني لحزب العدل فاطمة إبراهيم عمر أن الرقم لا يعكس نمطًا معيشيًا مرتفعًا أو رفاهيًا، وإنما يمثل تكلفة سلة تضم الغذاء والسكن والتعليم والنقل والصحة والمرافق والاتصالات والملابس والعناية الشخصية والإنفاق الاجتماعي والترفيه، مع افتراضات متحفظة في عدد من البنود.
وترصد الدراسة التي اعتمدت على بيانات رسمية وتقديرات بحثية، كيف أعادت موجات ارتفاع الأسعار تشكيل سلوك الأسرة المصرية، فلم يعد السؤال في كثير من الأحيان هو «ما الأفضل؟»، وإنما «ما الذي تستطيع الميزانية تحمله؟»، مع انتقال الأسر إلى بدائل أقل تكلفة، وتراجع هامش الادخار والإنفاق على البنود الأكثر مرونة.

دراسة تعتمد على أسرة حضرية من 4 أفراد
اعتمدت الدراسة التحليلة لتكلفة المعيشة الفعلية لأسرة مصرية من الطبقة الوسطى على نموذج لأسرة حضرية من الطبقة الوسطى مكونة من أربعة أفراد، يعولها شخص يعمل في وظيفة حكومية أو بالقطاع الخاص بدخل قريب من متوسط الدخول، وتقيم في مسكن متوسط بإحدى المدن الكبرى أو نطاقها العمراني، بينما يلتحق طفلان بالتعليم الحكومي.
ولا تقدم الدراسة هذا النموذج باعتباره حالة استثنائية أو أسرة فقيرة، وإنما باعتباره نموذجًا لشريحة واسعة من الطبقة الوسطى التي كانت تمتلك تاريخيًا هامشًا محدودًا للادخار وتحسين مستوى المعيشة، قبل أن يتآكل هذا الهامش بصورة واضحة تحت ضغط الأسعار.
واستندت الدراسة إلى مستويين من البيانات: الأول البيانات الرسمية، ومنها أسعار التجزئة الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مايو 2026، ومعدلات التضخم والحد الأدنى للأجور وأسعار الوقود وتعريفات الكهرباء والمياه والغاز والنقل والاتصالات، والثاني تقديرات بحثية للبنود التي لا تتوافر لها بيانات رسمية تفصيلية محدثة، مثل بعض نفقات التعليم والعناية الشخصية والمصروفات الاجتماعية.
وتشير الدراسة إلى أن البيئة الاقتصادية التي تتحرك فيها الأسرة تتسم باستمرار الضغوط التضخمية، مع وصول التضخم السنوي الحضري إلى 14.3% مقابل 12.2% لإجمالي الجمهورية في يونيو 2026، بينما يبلغ الحد الأدنى للأجور في القطاع الحكومي 8 آلاف جنيه مقابل 7 آلاف جنيه للقطاع الخاص، وسجل الدولار الرسمي نحو 49.77 جنيه في 9 يوليو 2026. وهو ما اعتمدت عليه الدراسة في المقارنات الدولية.
الغذاء.. 7.4 ألف جنيه شهريًا قبل إضافة الخبز
يمثل الغذاء أكبر بند في ميزانية الأسرة، لكن الدراسة لا ترصد فقط ارتفاع فاتورته، وإنما التحول في نوعية السلع التي تشتريها الأسرة.
وبحسب الدراسة، تبلغ تكلفة السلة الغذائية للفرد، باستثناء الخبز المدعم، نحو 1855 جنيهًا شهريًا، أي ما يقارب 7420 جنيهًا للأسرة، وتشمل الأرز والمكرونة والفول والبقوليات والسكر والشاي واللبن والجبن والزيت والدجاج والبيض واللحوم المجمدة والأسماك والخضراوات والفاكهة والتوابل وغيرها.
وتكشف الدراسة عن تغير واضح في مصادر الغذاء تحت ضغط الأسعار؛ إذ بلغ سعر اللحم البقري الطازج نحو 447 جنيهًا للكيلوجرام مقابل نحو 296 جنيهًا للحوم المجمدة المستوردة، كما بلغ سعر الجبن الرومي نحو 296 جنيهًا للكيلوجرام مقابل نحو 98 جنيهًا للجبن القريش.
وتشير الدراسة إلى أن هذا التحول لا يعكس تغيرًا في الأذواق بقدر ما يعكس تراجع القوة الشرائية، حيث أصبح السعر معيارًا رئيسيًا في اختيار مصدر البروتين والغذاء.
كما سجلت الطماطم ارتفاعًا سنويًا في متوسط سعرها بنحو 185%، بينما ارتفعت البطاطس بنحو 34%، بما يوضح أن موجة ارتفاع أسعار الغذاء لا تقتصر على اللحوم والسلع مرتفعة التكلفة، وإنما تمتد إلى مكونات أساسية تدخل في إعداد الوجبات اليومية.

الخبز المدعم.. سعر الرغيف زاد 30 ضعفًا ووزنه تراجع 46%
خصصت الدراسة محورًا مستقلًا للخبز المدعم، باعتباره أحد أهم أدوات الحماية من الهشاشة الغذائية، وتكشف البيانات عن انخفاض وزن الرغيف من 130 جرامًا في 2014 إلى 70 جرامًا في 2026، بنسبة تراجع تقارب 46%، في حين ارتفع سعره من 5 قروش إلى 150 قرشًا، أي 30 ضعفًا.
وعند حساب تكلفة الجرام الواحد، ارتفع السعر من 0.038 قرش إلى 2.143 قرش، بزيادة تراكمية تجاوزت 5500% خلال 12 عامًا. وبحسب الدراسة، تحصل الأسرة المكونة من أربعة أفراد على نحو 600 رغيف شهريًا بتكلفة تقارب 900 جنيه، بما يعادل 225 جنيهًا للفرد.
وبإضافة الخبز إلى السلة الغذائية، ترتفع تكلفة الغذاء للفرد من 1855 إلى نحو 2080 جنيهًا شهريًا، وتصبح تكلفة الغذاء للأسرة نحو 8320 جنيهًا شهريًا.
الوقود.. السولار تضاعف أكثر من مرة
لا تعتبر الدراسة الوقود مجرد بند مباشر في ميزانية الأسرة، وإنما أحد المحركات الأساسية لأسعار السلع والخدمات، إذ تنتقل الزيادات في البنزين والسولار والبوتاجاز إلى تكلفة النقل والإنتاج والتوزيع.
وخلال الفترة من مارس 2024 إلى مارس 2026، ارتفع سعر بنزين 80 من 11 إلى 20.75 جنيهًا للتر بزيادة 89%، وبنزين 92 من 12.50 إلى 22.25 جنيه بزيادة 78%، وبنزين 95 من 13.50 إلى 24 جنيهًا بزيادة 78%.
أما السولار، فارتفع من 10 إلى 20.50 جنيه للتر، بزيادة بلغت 105%، بينما قفز سعر غاز السيارات من 3.75 إلى 13 جنيهًا للمتر المكعب، بزيادة 247%، وهي أعلى نسبة زيادة في الجدول، وإن كانت أضيق تأثيرًا من السولار بسبب محدودية نطاق استخدامه. كما ارتفع سعر أسطوانة البوتاجاز المنزلية من 150 إلى 275 جنيهًا بزيادة 83%.
وتقدر الدراسة تكلفة أسطوانة بوتاجاز واحدة شهريًا للأسرة غير المتصلة بالغاز الطبيعي بنحو 275 جنيهًا، بينما تنتقل الزيادة في سعر البوتاجاز التجاري بصورة غير مباشرة إلى أسعار المطاعم والمخابز والمنتجات الغذائية.

السكن.. ثاني أكبر بند في ميزانية الأسرة
يأتي السكن في المرتبة الثانية بعد الغذاء، بتكلفة تقديرية تبلغ 6 آلاف جنيه شهريًا للأسرة، بما يمثل 18.9% من إجمالي الإنفاق. وتشير الدراسة إلى أن السكن من أقل البنود مرونة؛ فبخلاف بعض السلع الغذائية التي يمكن استبدالها أو تقليل كمياتها، لا تستطيع الأسرة بسهولة خفض قيمة الإيجار أو التخلي عن المسكن، كما أن الانتقال إلى منطقة أقل تكلفة قد يؤدي إلى ارتفاع نفقات النقل.
ولهذا ترى الدراسة أن تكلفة السكن الحقيقية لا يجب أن تقاس بالإيجار وحده، وإنما بتكلفة الوصول إلى العمل والتعليم والخدمات أيضًا.
النقل.. 3640 جنيهًا شهريًا للوصول إلى العمل والتعليم
تقدر الدراسة تكلفة النقل للأسرة بنحو 3640 جنيهًا شهريًا، بما يعادل 910 جنيهات للفرد أو نحو 30.3 جنيه يوميًا، وتمثل 11.4% من إجمالي الإنفاق. ولا تعتبر الدراسة النقل إنفاقًا ترفيهيًا أو اختياريًا، وإنما تكلفة أساسية للوصول إلى العمل والتعليم والخدمات.
وترتبط هذه النفقات بصورة مباشرة بارتفاع أسعار الوقود، خاصة السولار الذي يدخل في تشغيل وسائل النقل الجماعي ونقل البضائع، بما يجعل الزيادة في أسعار الوقود تنتقل إلى الأسرة حتى لو لم تكن تمتلك سيارة خاصة.
نفقات صغيرة نسبيًا لكن لا يمكن الاستغناء عنها
تقدر الدراسة فاتورة المرافق، التي تشمل الكهرباء والمياه والغاز، بنحو 1250 جنيهًا شهريًا للأسرة، أي نحو 313 جنيهًا للفرد، وتمثل 3.9% من إجمالي الميزانية.
أما الاتصالات والإنترنت فتبلغ نحو 641 جنيهًا شهريًا للأسرة، موزعة بين 376 جنيهًا للإنترنت الأرضي، و100 جنيه لباقة العائل، و65 جنيهًا للزوجة، و100 جنيه لشحن الأبناء.
وتلفت الدراسة إلى أن الإنترنت تحول من خدمة إضافية إلى مكون أساسي من تكلفة المعيشة، بعدما أصبح ضروريًا للتعليم والعمل والحصول على الخدمات، ما يعني أن إلغاء الخدمة لم يعد خيارًا سهلًا بالنسبة للأسرة.
الصحة.. الأسرة تتحمل 2200 جنيه شهريًا
تقدر الدراسة متوسط الإنفاق الصحي للأسرة بنحو 2200 جنيه شهريًا، بما يعادل 550 جنيهًا للفرد، وتشمل 500 جنيه للكشوف الطبية، و1000 جنيه للأدوية المزمنة والطارئة، و500 جنيه للتحاليل والأشعة، و200 جنيه للتأمين الصحي الخاص أو التكميلي. وتستحوذ الأدوية وحدها على نحو 45% من الإنفاق الصحي في النموذج المستخدم.
وتشير الدراسة إلى أن هذا الرقم لا يمثل أقصى ما قد تتحمله الأسرة في حالة المرض المزمن أو العمليات الجراحية، وإنما متوسط الإنفاق في الظروف العادية، بينما يمكن أن تتضاعف التكلفة بصورة كبيرة عند التعرض لمرض طويل الأمد.
وتستند الدراسة كذلك إلى بيانات منظمة الصحة العالمية التي تشير إلى تحمل المواطنين في مصر ما بين 57% و62% من إجمالي الإنفاق الصحي من جيوبهم مباشرة، معتبرة أن ذلك يعكس حجم العبء الذي تتحمله الأسرة في تمويل الرعاية الصحية.
التعليم.. 5200 جنيه شهريًا و7400 جنيه في شهر بداية الدراسة
يكشف بند التعليم عن واحدة من أبرز صور انتقال تكلفة الخدمات من الدولة إلى الأسرة. وتقدر الدراسة متوسط تكلفة تعليم طفلين في التعليم الحكومي بنحو 5200 جنيه شهريًا، تشمل: 3200 جنيه للدروس الخصوصية.، 800 جنيه للمنصات التعليمية، 300 جنيه للكتب والمذكرات،200 جنيه للأدوات المدرسية، 100 جنيه كنصيب شهري من مستلزمات بداية العام، و600 جنيه للأنشطة والرحلات.
وتستحوذ الدروس الخصوصية وحدها على نحو 62% من إجمالي الإنفاق التعليمي في النموذج.
ولا تقف الضغوط عند المتوسط الشهري، ففي شهر بداية العام الدراسي، ومع شراء الكتب والأدوات، ترتفع التكلفة إلى ما بين 7 آلاف و7400 جنيه، أي ما يعادل نحو 87.5% إلى 92.5% من الحد الأدنى للأجر الحكومي البالغ 8 آلاف جنيه.
وتؤكد الدراسة أن هذا التقدير لا يشمل المصروفات الدراسية الرسمية ولا الزي المدرسي ولا الحقائب، ما يعني أن العبء الفعلي قد يكون أعلى.
الملابس والعناية الشخصية.. 2400 جنيه شهريًا
تقدر الدراسة إنفاق الأسرة على الملابس والأحذية والمنظفات والنظافة الشخصية ومستحضرات التجميل والحلاقة بنحو 2400 جنيه شهريًا، بواقع 600 جنيه للفرد.
ويشمل الرقم نحو 900 جنيه شهريًا للملابس والأحذية بعد توزيع الإنفاق السنوي، و500 جنيه للمنظفات، و500 جنيه للنظافة الشخصية، و500 جنيه لمستحضرات التجميل والحلاقة والعناية الأساسية.
وتشير الدراسة إلى أن هذا البند من أول البنود التي تضغط الأسرة عليها عند تراجع الدخل، من خلال تأجيل شراء الملابس وتقليل الكميات واللجوء إلى بدائل أرخص، لكنه لا يختفي لأن النظافة والملبس احتياجات أساسية.
الترفيه والمناسبات والطوارئ.. 2400 جنيه شهريًا
تقدر الدراسة الإنفاق الاجتماعي والترفيهي والمتفرقات بنحو 2400 جنيه شهريًا للأسرة، وتشمل 300 جنيه للاشتراكات الترفيهية، و1000 جنيه للنزهات العائلية، و300 جنيه للهدايا والمناسبات، و300 جنيه للصدقات والزكاة، و500 جنيه للمصروفات المتفرقة والطوارئ.
وتؤكد الدراسة أن هذا الرقم لا يعكس نمطًا استهلاكيًا مرتفعًا، إذ لا يتضمن رحلات سياحية أو اشتراكات متعددة أو تناولًا منتظمًا للطعام خارج المنزل. ومع الملابس والعناية الشخصية، يصل مجموع البندين إلى 4800 جنيه شهريًا، أي نحو 15% من ميزانية الأسرة، وهو الجزء الأكثر قابلية للضغط عندما تعجز الدخول عن تغطية الالتزامات الأساسية.
32 ألف جنيه شهريًا.. الحصيلة النهائية لتكلفة المعيشة
تجمع الدراسة البنود العشرة لتصل إلى إجمالي 32 ألفًا و51 جنيهًا شهريًا للأسرة، و8013 جنيهًا للفرد شهريًا، بما يعادل 267.1 جنيه يوميًا للفرد. وتشير الدراسة إلى أن البنود الأربعة الأكبر، وهي الغذاء والسكن والتعليم والنقل، تستحوذ وحدها على نحو 69.5% من إجمالي الإنفاق، أي 22 ألفًا و260 جنيهًا شهريًا. ومع إضافة الخبز المدعم، ترتفع حصة الاحتياجات الأساسية الخمسة إلى 72.3% من ميزانية الأسرة.
267 جنيهًا يوميًا للفرد.. لكن الرقم لا يعني رفاهية
تشدد الدراسة على أن متوسط 267 جنيهًا يوميًا للفرد لا يعني أن المواطن ينفق هذا المبلغ نقدًا كل يوم، وإنما هو متوسط حسابي لتوزيع التكاليف الشهرية والسنوية، ومنها الإيجار والكتب والأدوات المدرسية والملابس والنفقات الموسمية.
والأهم أن الأسرة التي تحتاج إلى أكثر من 32 ألف جنيه شهريًا وفق هذه السلة لا تعيش نمطًا استهلاكيًا مرتفعًا، وإنما تحاول تغطية الغذاء والسكن والتعليم والعمل والعلاج، مع حد محدود من العناية الشخصية والمشاركة الاجتماعية.

الحد الأدنى للأجور لا يغطي سوى ربع احتياجات الأسرة
تكشف الدراسة أن الحد الأدنى للأجر الحكومي البالغ 8 آلاف جنيه شهريًا لا يغطي سوى نحو 25% من تكلفة المعيشة المقدرة للأسرة. وتبلغ الفجوة بين دخل عائل واحد عند الحد الأدنى وتكلفة السلة نحو 24 ألفًا و51 جنيهًا شهريًا.
أما الحد الأدنى للأجر في القطاع الخاص، البالغ 7 آلاف جنيه، فلا يغطي سوى نحو 21.8% من احتياجات الأسرة، مع عجز شهري يصل إلى نحو 25 ألفًا و51 جنيهًا. والأكثر دلالة أن تكلفة المعيشة المقدرة للفرد وحده تبلغ 8013 جنيهًا شهريًا، أي تتجاوز تقريبًا كامل الحد الأدنى للأجر الحكومي.
كما أن تكلفة الغذاء وحده، بعد إضافة الخبز المدعم، تصل إلى نحو 8320 جنيهًا شهريًا للأسرة، بما يعادل 104% من الحد الأدنى للأجر الحكومي. بمعنى آخر، وفق نموذج الدراسة، فإن أجر عامل واحد عند الحد الأدنى لا يكفي لتغطية الغذاء المقدر لأسرة من أربعة أفراد قبل دفع الإيجار أو التعليم أو النقل أو العلاج أو المرافق.
دخل واحد لم يعد كافيًا
ترى الدراسة أن الفجوة لا تعني بالضرورة أن كل الأسر تنفق بالفعل 32 ألف جنيه شهريًا، لأن كثيرًا منها لا يمتلك هذا الدخل من الأساس، وإنما تتكيف مع العجز عبر تقليل الكميات، والتحول إلى منتجات أقل جودة، وتأجيل بعض الاحتياجات الصحية، وتقليص النزهات والمناسبات، والاعتماد على الأقارب أو مصادر دخل إضافية.
وتشير الدراسة إلى أن الأسرة التي تعتمد على عائل واحد تحتاج إلى دخل يعادل نحو 4 أمثال الحد الأدنى للأجر الحكومي لتغطية السلة كاملة.
ومن ثم أصبحت مشاركة أكثر من فرد في العمل أو الجمع بين وظيفة أساسية وعمل إضافي أو الاعتماد على تحويلات ومساعدات عائلية، آليات للحفاظ على التوازن المالي، لكنها لا تعني بالضرورة تحسن مستوى المعيشة.
وتحذر الدراسة من أن غياب الفائض المالي يضعف القدرة على الادخار ويجعل الأسرة أكثر عرضة للصدمات، مثل المرض أو فقدان الوظيفة أو ارتفاع الإيجار، بما قد يدفعها إلى خفض الإنفاق الغذائي أو تراكم الديون أو بيع بعض الأصول.
الأزمة ليست في الأسعار فقط
تخلص الدراسة إلى أن المشكلة لا تتمثل فقط في انخفاض الأجور اسميًا، وإنما في انفصال سياسات الأجور عن تكلفة المعيشة الفعلية. فالحد الأدنى للأجر قرار تنظيمي، بينما تتشكل احتياجات الأسرة من أسعار الغذاء والسكن والطاقة والنقل والتعليم والصحة، وإذا لم تواكب الأجور هذه التحولات تتسع الفجوة حتى مع زيادة الأجور بصورة دورية.
وتشير النتائج إلى أن الأسرة المتوسطة لم تعد قادرة في كثير من الحالات على إدارة حياتها بدخل عائل واحد، وأن النموذج التقليدي للطبقة الوسطى، الذي كان يسمح بتمويل السكن والتعليم والصحة مع هامش محدود للادخار، أصبح أكثر هشاشة.
10 توصيات لمواجهة فجوة الدخل وتكلفة المعيشة
قدمت الدراسة حزمة من التوصيات، أبرزها:
استحداث مؤشر ربع سنوي لتكلفة السلة المعيشية المرجعية يصدر عن المجلس القومي للأجور بالتنسيق مع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وربط مراجعة الحد الأدنى للأجور بارتفاع تكلفة السلة.
حظر الجمع بين رفع سعر الرغيف وخفض وزنه خلال فترة زمنية واحدة، وإلزام الجهات المختصة بإعلان سعر الجرام الفعلي للخبز عند تعديل السعر.
وضع حدود ملزمة للدهون المتحولة صناعيًا في الأغذية المعالجة، مع إظهار نسبتها بوضوح على العبوات، لمنع تحول البدائل الأرخص إلى مصدر لمخاطر صحية مستقبلية.
وضع خريطة زمنية معلنة ومحدثة لدخول المحافظات إلى منظومة التأمين الصحي الشامل، وربط التنفيذ بمؤشرات أداء قابلة للمساءلة.
خفض كثافة الفصول تدريجيًا، والتوسع في الحصص المجانية داخل المدارس الحكومية، وربط جانب من حوافز المعلمين بمؤشرات التحصيل داخل الحصة الدراسية النظامية.
وضع خطة زمنية ملزمة من ثلاث مراحل على مدار ثلاث سنوات لتقارب الحدين الأدنى للأجور، مع حوافز انتقالية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة المشروطة بالالتزام بحقوق العاملين.
إلزام مشروعات الإسكان الجديدة بتقييم تكلفة انتقال الأسرة إلى العمل والتعليم والخدمات، واعتبار وجود نقل عام منتظم شرطًا أساسيًا قبل إصدار تراخيص الإشغال.
تقليص دورية مسح الدخل والإنفاق والاستهلاك من نحو خمس سنوات إلى كل عامين، ونشر البيانات التفصيلية بحسب المحافظات وأنماط الحيازة السكنية خلال ستة أشهر من جمعها.
وضع سقف للزيادة السنوية في عقود الإيجار الجديدة لا يتجاوز معدل التضخم السنوي مضافًا إليه هامش لا يزيد على 5 نقاط مئوية، مع آلية للنظر في حالات التجاوز.
ربط قيمة استحقاق برنامج «تكافل وكرامة» بمؤشر السلة المعيشية، بحيث تتم مراجعتها تلقائيًا عند ارتفاع تكلفة الغذاء والسكن، بما يحافظ على القوة الشرائية للفئات الأكثر احتياجًا.






