تحديث الرئيسيةشريط الأخبارملفات

«بيع الهواء».. كيف تحولت بعض الشاشات إلى سوق للمحتوى المدفوع؟

خبراء إعلام: وقف البرامج المخالفة لا يكفي.. والمشكلة في منظومة تسمح بعودة المحتوى تحت أسماء وقنوات جديدة

مع مرور الوقت والتسابق الإعلامي للتواجد أمام المشاهدين، تحولت الشاشات في الآونة الأخيرة إلى منصات مفتوحة لمن يدفع أكثر، عبر ظاهرة «بيع الهواء»، لتُمنح المساحات الإعلامية لمن يدفع، دون اعتبار للمهنية أو الترخيص، فضلًا عن عدم النظر إلى جودة ما يُقدم، ومدى قبوله لدى المشاهد.

وفي المقابل، تصدر من حين لآخر قرارات بوقف البرامج المخالفة، إلا أنها لا تعالج جذور الأزمة، وسرعان ما يعود مقدمو البرامج مجددًا تحت أسماء مستعارة أو من خلال الانتقال إلى شاشات أخرى، ما يضع علامات استفهام حول جدوى العقوبات الحالية ومدى قدرتها على ردع «إعلاميي بئر السلم».

إيقاف بث 3 برامج

ويواجه المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، الممارسات المخالفة للمعايير الإعلامية، وكانت أحدثها موافقة المجلس على توصيات لجنة الشكاوى، برئاسة الإعلامي عصام الأمير، وكيل المجلس، بإيقاف بث 3 برامج على قناتي «الحدث اليوم» و«الشمس»، بعد رصد مخالفات في محتوى حلقاتها للأكواد والمعايير الإعلامية، وخلط المادة الإعلامية بالإعلانية.

وشملت القرارات وقف برنامجي «من الجاني» و«الكورة مع الناشئين» المذاعين عبر قناة «الحدث اليوم»، وبرنامج «من القلب» على قناة «الشمس»، إلى جانب استدعاء الممثل القانوني لمجموعة قنوات «بانوراما» لجلسة استماع، لمخالفة بعض القرارات والضوابط التنظيمية الصادرة عن المجلس، إعمالًا للمادة 91 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018.

وأكد المجلس استمرار أعمال الرصد والمتابعة، من خلال إداراته المختصة، لما يُبث عبر وسائل الإعلام وما يُنشر على الصفحات والحسابات الإلكترونية بمواقع التواصل الاجتماعي، لرصد أي مخالفات قانونية أو مهنية، واتخاذ الإجراءات القانونية المقررة حيالها، في إطار جهوده لضبط الأداء الإعلامي وضمان الالتزام بالضوابط المنظمة للعمل الإعلامي.

البرامج إنتاج خاص بالقناة.. وليست قائمة على شراء ساعات البث

وعقبت سميرة الدغيدي، رئيس مجلس إدارة شبكة قنوات «الشمس»، قائلةً إن البرامج التي قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وقف بثها هي إنتاج خاص بالقناة، وليست قائمة على شراء أو بيع ساعات البث، مطالبةً المجلس بمراجعة المعلومات الواردة في بيانه والتأكد من دقتها وتصحيحها.

وأشارت إلى أن هذه هي المرة الثانية التي ترد فيها، عبر الصفحة الرسمية للمجلس، معلومات غير دقيقة بشأن طبيعة هذه البرامج.

وفي السياق ذاته، قالت الدكتورة نيرمين خضر، أستاذ الإعلام الدولي بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، والعميد المركزي لكليات الإعلام بالجامعة العربية المفتوحة، إن قرارات وقف البرامج المخالفة تمثل إجراءً مهمًا، لكنها لا تكفي وحدها لمواجهة ظاهرة بيع الهواء، لأن المشكلة لا تتعلق ببرنامج أو مقدم بعينه، وإنما بمنظومة كاملة تسمح بعودة المحتوى المخالف تحت أسماء جديدة أو من خلال قنوات أخرى.

وأضافت في تصريح لـ«ليبرالي» أن مواجهة الظاهرة تتطلب التعامل مع أسبابها وآلياتها، وليس الاكتفاء بإيقاف المنتج النهائي بعد وصوله إلى الجمهور، فضلًا عن ضرورة حضور مسؤولية القناة بقوة في أي منظومة للمساءلة، لافتةً إلى أن القناة ليست مجرد مكان يُبث منه البرنامج، وإنما هي صاحبة ترخيص ومسؤولة عن المحتوى الذي تسمح بخروجه إلى الجمهور.

اقتصار العقوبات على مقدم البرنامج.. لا يعالج الخلل

وأفادت أستاذ الإعلام الدولي بأن اقتصار العقوبات على مقدم البرنامج أو البرنامج نفسه، مع استمرار القناة في العمل وتقديم محتوى مشابه، لا يؤدي إلى معالجة الخلل من جذوره، مؤكدةً ضرورة تطبيق الجزاءات التي يسمح بها القانون على الجهة التي تثبت مسؤوليتها عن المخالفة، وبما يتناسب مع طبيعتها وتكرارها.

وتمنح لائحة الجزاءات والتدابير الصادرة عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بموجب القرار رقم 16 لسنة 2019، المجلس صلاحيات اتخاذ إجراءات ضد الوسائل الإعلامية المخالفة، تشمل التنبيه والإنذار، والإلزام بإزالة أسباب المخالفة أو تصحيح المحتوى، ووقف بث البرامج أو المواد الإعلامية المخالفة مؤقتًا أو منع إعادة بثها، فضلًا عن توقيع جزاءات مالية وفقًا لطبيعة المخالفة وجسامتها وتكرارها، وذلك في إطار الضوابط والمعايير المهنية والإعلامية التي حددها القانون واللائحة.

ولا تقتصر المساءلة على مقدم البرنامج أو المحتوى المخالف وحده، بل تمتد إلى الوسيلة الإعلامية صاحبة الترخيص حال ثبوت مسؤوليتها عن المخالفة، مع إمكانية اتخاذ إجراءات أشد في حالات التكرار أو المخالفات الجسيمة، وصولًا إلى وقف النشاط أو إلغاء الترخيص وفقًا للقانون.

يضر بصورة المهنة.. ويؤثر في ثقة الجمهور بالإعلام

وانتقدت أستاذ الإعلام الدولي ما وصفته بظاهرة «إعلاميي بئر السلم»، معتبرةً أن شراء مساحة على الشاشة لا يمكن أن يكون بديلًا عن التأهيل المهني والقدرة على تقديم محتوى مسؤول.

ونوهت بأن بعض الممارسات تضع الجمهور أمام أشخاص يقدمون معلومات أو آراء دون الالتزام بقواعد التحقق أو الفصل بين المحتوى الإعلامي والإعلاني، وهو ما يضر بصورة المهنة ويؤثر في ثقة الجمهور بوسائل الإعلام.

وأشارت «خضر» إلى أن «بيع الهواء» يحتاج إلى تنظيم واضح وشفاف، موضحةً أن وجود مقابل مالي للحصول على مساحة بث لا يعني تلقائيًا وقوع مخالفة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المحتوى المدفوع إلى مادة إعلامية غير معلنة، أو يتم تقديم الإعلان في صورة برنامج أو تقرير أو نصيحة للمشاهد دون الإفصاح عن طبيعته.

وشددت أستاذ الإعلام الدولي على ضرورة أن تكون هناك حدود واضحة بين المحتوى التحريري والمحتوى التجاري، حتى لا يفقد المشاهد القدرة على التمييز بين الرسالة الإعلامية والإعلان.

أسعار «بيع الهواء» تختلف بحسب القناة وتوقيت العرض

وحول الأسعار المتداولة لشراء ساعات البث، قالت «خضر» إن ما يرد من أرقام في السوق لا يمكن التعامل معه باعتباره «تعريفة رسمية ثابتة»، لأن أسعار البث تختلف بحسب القناة وتوقيت العرض ومدة البرنامج وطبيعة الاتفاق بين الطرفين.

وتشير التقديرات المتداولة لأسعار شراء ساعات البث إلى تفاوت واضح بين القنوات، وفقًا لمواعيد العرض وحجم المشاهدة وطبيعة البرنامج ومدة الفقرة، وتتراوح أسعار الساعة الكاملة بين 7 آلاف جنيه صباحًا و10 آلاف جنيه للفترات المسائية على إحدى القنوات.

بدورها، قالت الدكتورة سهير عثمان، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، إن ظاهرة بيع الهواء لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد مخالفات تقع داخل بعض البرامج، وإنما باعتبارها انعكاسًا لتغيرات طرأت على صناعة الإعلام وطريقة إنتاج المحتوى.

الخطورة الحقيقية لا تتوقف عند وقف البرنامج

وأضافت «عثمان» أن الخطورة الحقيقية لا تتوقف عند البرنامج الذي يصدر بحقه قرار بالوقف، وإنما تكمن في أن تتحول الشاشة تدريجيًا إلى مساحة متاحة وفق القدرة على الدفع، وهو ما يضعف فكرة المنافسة المهنية داخل المجال الإعلامي؛ لأن البرنامج الذي يستند إلى إعداد وبحث وفريق متخصص يصبح في مواجهة محتوى تكون أولويته الأساسية هي توفير تكلفة البث، وليس تقديم قيمة إعلامية حقيقية.

وأشارت أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة إلى أن وقف البرامج المخالفة يعالج نتيجة ظهرت أمام الجمهور، لكنه لا يعالج بالضرورة البيئة التي أنتجت هذه البرامج، ولذلك فإن مواجهة الظاهرة تحتاج إلى إعادة النظر في فلسفة إنتاج البرامج نفسها، ومعرفة من يملك القرار التحريري، ومن يتحمل تكلفة الإنتاج، ومن يحدد الموضوعات والضيوف وطريقة تقديمها، حتى لا تختلط الأدوار بين صاحب المنصة ومنتج المحتوى وممول البرنامج.

وفي هذا الصدد، وجه المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام خطابات رسمية إلى جميع القنوات الفضائية الخاضعة لأحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، لموافاته بالخريطة البرامجية الكاملة والمدققة، والمقرر بدء بثها اعتبارًا من أول أكتوبر المقبل، وذلك في إطار متابعة وتنظيم الأداء الإعلامي على شاشات القنوات، والوقوف على طبيعة البرامج ومواعيد بثها، والتحقق من توافق المحتوى مع نوعية النشاط التي صدر على أساسها ترخيص البث، ومدى الالتزام بالمعايير والأكواد المهنية المنظمة للعمل الإعلامي.

«اقتصاد موازٍ» داخل العمل الإعلامي

وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع مواصلة المجلس مراجعة ملفات برامج «الإنتاج المشترك» التي تقدمها القنوات الفضائية الخاصة، ورصد مدى الالتزام بالقواعد والضوابط المنظمة للمحتوى، خاصة ما يتعلق بخلط المواد الإعلانية بالمحتوى الإعلامي.

وأكدت أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة أن استمرار هذه الممارسات لفترات طويلة يمكن أن يخلق ما يشبه «اقتصادًا موازيًا» داخل العمل الإعلامي، يحصل فيه البعض على فرصة للظهور ليس بالضرورة بسبب الخبرة أو القيمة المهنية، وإنما بسبب القدرة على تمويل المساحة، وهو ما يفتح الباب أمام ظهور أشخاص يملكون المال أكثر مما يملكون أدوات العمل الإعلامي، ويجعل الشاشة في بعض الحالات أقرب إلى سوق لبيع المساحات منها إلى منصة لإنتاج المعرفة والمعلومات.

ونوهت «عثمان» بأن معالجة الظاهرة تحتاج إلى إعادة ترتيب العلاقة بين المال والإعلام، بحيث يكون التمويل وسيلة لإنتاج المحتوى وليس بديلًا عن المهنية، مع ضرورة وضع معايير واضحة لمن يحق له تقديم برنامج، وما طبيعة المحتوى الذي يمكن بثه، وكيف تتم مراجعة المادة قبل وصولها إلى الجمهور؛ لأن حماية مهنية الشاشة لا تتحقق فقط بقرارات المنع والوقف، وإنما بمنع تحول القدرة المالية إلى بوابة أساسية لدخول المجال الإعلامي.

زر الذهاب إلى الأعلى