عربي ودولي

من سوسة إلى العالم.. كيف يعيد التطوع العربي رسم جسور التواصل والدبلوماسية المدنية؟

لم يعد العمل التطوعي في صورته الحديثة يقتصر على تقديم المساعدات أو تنظيم المبادرات المجتمعية، بل بدأ يأخذ أدوارًا أوسع تتصل ببناء العلاقات بين المجتمعات، وتبادل الخبرات، وتعزيز المشاركة المدنية، وهو ما برز بوضوح خلال مؤتمر سوسة للدبلوماسية المدنية والعمل التطوعي، الذي استضافته مدينة سوسة التونسية يومي 26 و27 سبتمبر 2026.

المؤتمر، الذي حمل شعار «نفكر دبلوماسيًا… ونعمل تطوعيًا»، جمع ممثلين وخبراء وشخصيات رسمية وأكاديمية ومجتمعية من عدة دول، بينها السعودية وسلطنة عُمان وقطر وتركيا، وطرح مجموعة من القضايا التي تتقاطع فيها الدبلوماسية المدنية مع العمل التطوعي والتنمية وبناء القدرات.

وكان الاتحاد العربي للعمل التطوعي حاضرًا في فعاليات المؤتمر من خلال رئيسه الدكتور يوسف بن علي الكاظم، الذي قدم رؤية حول تطور مفهوم العمل التطوعي ودوره في فتح مساحات جديدة للتعاون بين المجتمعات.

التطوع من المبادرة الفردية إلى الدبلوماسية المدنية

أحد أبرز الأفكار التي طُرحت خلال المؤتمر تمثل في النظر إلى التطوع باعتباره وسيلة للتواصل وليس مجرد نشاط إنساني منفصل. فالمتطوع، وفق الرؤية التي عُرضت خلال الفعاليات، لا يقدم خدمة للمجتمع فقط، وإنما يعكس كذلك ثقافته وقيمه، ويمكنه أن يكون حلقة وصل بين المؤسسات والمجتمعات المختلفة.

وفي هذا السياق، تحدث الدكتور يوسف بن علي الكاظم عن العلاقة بين الدبلوماسية المدنية والعمل التطوعي، معتبرًا أن الجمع بين الحوار وبناء الجسور من جهة، والمبادرات التطوعية من جهة أخرى، يمكن أن يفتح مجالات أوسع للتعاون الإنساني والمجتمعي.

وتستند هذه الرؤية إلى تجربة الاتحاد العربي للعمل التطوعي منذ تأسيسه عام 2003، والتي ركزت على نشر ثقافة التطوع، وتبادل التجارب، وتطوير الشراكات بين المؤسسات والمتطوعين في الدول العربية، مع توسيع نطاق التعاون ليشمل مؤسسات إقليمية ودولية.

بروتوكول تعاون يترجم شعار المؤتمر إلى شراكة

لم تتوقف فعاليات المؤتمر عند النقاشات النظرية، إذ شهد توقيع بروتوكول تعاون بين الاتحاد العربي للعمل التطوعي والأكاديمية الدولية للدبلوماسية المدنية.

ويستهدف التعاون فتح مجالات للعمل المشترك في الدبلوماسية المدنية والعمل التطوعي، إلى جانب تبادل الخبرات والتجارب ودعم البرامج التدريبية والتطويرية، بما يساعد على إعداد كوادر قادرة على المشاركة في العمل المجتمعي.

وتعكس الاتفاقية توجهًا نحو تحويل المشاركة في المؤتمرات والملتقيات إلى شراكات عملية يمكن أن تنتج برامج ومبادرات مستمرة، خاصة أن موضوع المؤتمر نفسه يقوم على الربط بين العمل التطوعي وبناء جسور التواصل.

التعليم والرقمنة والمناخ على أجندة المؤتمر

امتد النقاش خلال اليوم الأول إلى مجموعة واسعة من الملفات، من بينها القيادة والقيم والتعليم والرقمنة والتغيرات المناخية والتدريب، مع التركيز على الدور الذي يمكن أن يؤديه التطوع في التعامل مع هذه القضايا.

وتناولت إحدى الجلسات تأثير القيم والشخصية والقيادة في تشكيل السلوك المدني، وعلاقة ذلك بمشاركة الأفراد في المبادرات المجتمعية.

كما ناقشت جلسات أخرى التفاوض والوساطة والتحكيم باعتبارها أدوات يمكن توظيفها في بناء الشراكات، إلى جانب دور الدبلوماسية المدنية في التعامل مع التحديات المناخية، وسبل الانتقال من التوعية إلى المبادرات التطوعية المشتركة.

وحظي التعليم والرقمنة كذلك بمساحة في النقاش، خصوصًا فيما يتعلق بدعم الطلاب الذين يواجهون صعوبات دراسية، والاستفادة من المنصات الرقمية في تطوير التعليم والعمل التطوعي.

وتطرقت فعاليات أخرى إلى التدريب والقيادة التطوعية، وتحويل الخبرات المهنية والتخصصية إلى أدوات لخدمة المجتمع، من خلال الاستشارات التشاركية والمبادرات المرتبطة بالتنمية المستدامة.

23 عامًا من التجربة العربية

خصص اليوم الثاني من المؤتمر لاستعراض تجربة الاتحاد العربي للعمل التطوعي، حيث قدم الدكتور يوسف بن علي الكاظم عرضًا حول مسيرة الاتحاد منذ انطلاقه من دولة قطر عام 2003 بمشاركة 16 دولة عربية.

وتناول العرض مراحل تطور الاتحاد، والبرامج التي أطلقها، إلى جانب الشراكات التي أقامها على المستويين العربي والدولي.

ومن بين المحطات التي جرى استعراضها اعتماد اليوم العربي للتطوع في 15 سبتمبر من كل عام عام 2005، ليكون مناسبة للاحتفاء بالعمل التطوعي وتكريم المتطوعين والقيادات والمبادرات المؤثرة.

كما تطرق العرض إلى التعاون مع عدد من المؤسسات والمنظمات، بينها برنامج متطوعي الأمم المتحدة، ومنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة «الإيسيسكو»، والمنظمة الكشفية العربية، إلى جانب مؤسسات عربية ودولية أخرى.

بناء القدرات وتوسيع قاعدة المتطوعين

لم تقتصر تجربة الاتحاد على تنظيم المبادرات، بل امتدت إلى التدريب وبناء القدرات من خلال برامج مثل الرخصة الدولية للعمل التطوعي، والرخصة الدولية لإدارة الأزمات والحد من الكوارث، ودورات إعداد قيادات العمل التطوعي، إلى جانب إنشاء مراكز تدريب متخصصة.

كما سعى الاتحاد إلى توسيع نطاق المشاركة ليشمل فئات عمرية ومجتمعية مختلفة، من خلال برامج تستهدف الأطفال والشباب والجامعات، فضلًا عن إطلاق مشروع «المتطوع المتقاعد» للاستفادة من الخبرات المهنية التي يمتلكها المتقاعدون وتوظيفها في خدمة المجتمع.

وتضمنت التجربة كذلك عددًا من المبادرات، بينها القوافل الطبية التطوعية، والتطوع الريفي، ودليل التطوع، وجواز العمل التطوعي، والمرصد العربي للعمل التطوعي، ونشيد التطوع.

ويعكس تنوع هذه البرامج توجهًا إلى التعامل مع التطوع باعتباره مجالًا مفتوحًا أمام شرائح مختلفة من المجتمع، وليس نشاطًا مرتبطًا بفئة عمرية محددة أو نوع واحد من المبادرات.

من التدريب إلى قياس الأثر

ومن بين القضايا التي ناقشها المؤتمر مستقبل الدبلوماسية المدنية والعمل التطوعي، خصوصًا خلال مجلس سوسة للدبلوماسية المدنية والعمل التطوعي، الذي حمل عنوان «من التدريب إلى التأثير… أي دبلوماسي مدني نريد؟».

كما شهدت الفعاليات ورشة تشاركية ناقشت ستة محاور رئيسية، شملت الإنسان والقيم، والتدريب والتطوير والكفاءات، والتطوع والأثر، والشباب والتعليم والرقمنة، والشراكات وبناء الجسور، إلى جانب الاستدامة وقياس الأثر.

وتناولت المناقشات كيفية الانتقال من المبادئ العامة إلى الممارسة العملية، والاستفادة من الخبرات المهنية في تنفيذ مبادرات تخدم المجتمع وتدعم مسارات التنمية.

التكريم كجزء من ثقافة التطوع

حضر ملف تقدير المتطوعين ضمن تجربة الاتحاد أيضًا، من خلال المشاركة في وضع معايير لعدد من الجوائز التطوعية العربية، وتكريم الشخصيات والقيادات التي كان لها تأثير في مجتمعاتها.

كما جرى إطلاق جائزة الدكتور كاظم نوري للعمل التطوعي تقديرًا لإسهاماته في مسيرة العمل التطوعي العربي.

ويأتي الاهتمام بالتكريم في إطار محاولة ترسيخ ثقافة تقدير المشاركة المجتمعية، وتحويل قصص النجاح الفردية إلى نماذج يمكن أن تشجع آخرين على الانخراط في العمل التطوعي.

سوسة تفتح نقاشًا أوسع حول مستقبل التطوع العربي

تكشف فعاليات مؤتمر سوسة عن تحول تدريجي في الطريقة التي يُنظر بها إلى العمل التطوعي، من نشاط يعتمد على المبادرات المنفردة إلى مجال يرتبط بالتدريب وبناء القدرات والشراكات والتنمية المستدامة.

وفي هذا الإطار، تمثل مشاركة الاتحاد العربي للعمل التطوعي امتدادًا لتجربة بدأت قبل أكثر من عقدين، وتطورت من تجمع عربي شاركت فيه 16 دولة إلى شبكة من البرامج والمبادرات والشراكات.

أما توقيع بروتوكول التعاون مع الأكاديمية الدولية للدبلوماسية المدنية، فيضيف بعدًا مؤسسيًا إلى هذه التجربة، من خلال محاولة الربط بين الدبلوماسية المدنية والعمل التطوعي عبر برامج تدريبية ومشروعات مشتركة.

وبينما تتسع التحديات التي تواجه المجتمعات العربية، من التعليم والرقمنة إلى المناخ والتنمية، يبدو أن النقاش حول مستقبل التطوع يتجه بصورة متزايدة نحو سؤال الأثر: كيف يمكن تحويل المبادرة إلى مشروع مستدام، والخبرة إلى معرفة قابلة للتطبيق، والعمل الفردي إلى شراكة قادرة على الاستمرار؟

ومن مدينة سوسة، حمل المؤتمر هذا السؤال إلى مساحة أوسع، واضعًا الدبلوماسية المدنية والعمل التطوعي في إطار واحد، ومطرحًا فكرة أن بناء الجسور بين المجتمعات يمكن أن يبدأ من مبادرة تطوعية، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى مؤسسات وشراكات وقدرات تضمن استمراره وتحويله إلى أثر ملموس.

زر الذهاب إلى الأعلى