روسيا تبدأ التعبئة العسكرية الجزئية.. وأوكرانيا تحذر الدول التي تتخذ موسكو من مواطنيها جنودًا للتجنيد
ارتفعت حصيلة القتلى جراء هجمات الطائرات المسيرة الروسية النفاثة في أوكرانيا، إثر اصطدام طائرة مسيرة بمبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في وسط كييف، بجانب هجمات متعددة في أنحاء البلاد، وذلك في خضم موجة من الضربات الجوية العنيفة والمتواصلة.
وتواجه أوكرانيا صعوبة في التصدي للطائرات المسيرة الروسية النفاثة التي تحلق على ارتفاعات شاهقة، حيث تبلغ نسبة اعتراضها أقل بقليل من 60%.
وأوضح الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن 90 من أصل 120 طائرة مسيرة أُطلقت نحو أوكرانيا كانت نفاثة، وليست من النوع الذي يعمل بالمراوح.
كما زيلينسكي، يوم الاثنين، في كلمته المصورة المسائية، من أن موسكو بدأت في إجراءات تعبئة إضافية للقوات عقب الانتخابات البرلمانية الروسية.
وقال زيلينسكي إن مديرية الاستخبارات الرئيسية (HUR) قدمت تقريرًا حول التدابير التي تخطط روسيا لاتخاذها في المستقبل، وأنه في الواقع بدأت موسكو بالفعل عملية تعبئة إضافية؛ إذ تعمل على زيادة أعداد المجندين باستخدام وسائل متنوعة.
جاءت تحذيرات الرئيس زيلينسكي بالتزامن مع تقارير لوسائل الإعلام الرسمية الروسية، التي تفيد بأن الرئيس فلاديمير بوتين أصدر قرارًا بزيادة حجم القوات المسلحة الروسية في 28 سبتمبر، وبموجب هذا المرسوم، سيصل إجمالي عدد الأفراد العسكريين في روسيا إلى 2,441,630 فردًا، منهم 1,550,500 في الخدمة الفعلية، مما يمثل زيادة قدرها 15,500 فرد، وتعد هذه الزيادة الرابعة في حجم الجيش الروسي منذ بداية عام 2025.
سعي روسيا لزيادة التجنيد الأجنبي
تسعى روسيا إلى زيادة مشاركة الأجانب في صفوف قواتها المسلحة، حيث تستعد كوريا الشمالية لنشر 10 آلاف جندي إضافي للقتال ضد أوكرانيا، يضاف ذلك إلى أكثر من 8 آلاف عسكري متمركزين حاليًا في روسيا.
وأرسلت كوريا الشمالية ما يقدر بـ14 ألفًا إلى 15 ألف جندي لدعم الحرب الروسية في أوكرانيا منذ عام 2024، وفقًا لتقديرات أوكرانية وكورية جنوبية، حيث نُشر معظمهم في منطقة كورسك للمساعدة في صد توغل أوكراني.
وذكر الرئيس زيلينسكي أن روسيا تقدم، في مقابل هذه القوات، مساعدة تكنولوجية لكوريا الشمالية، وأن بيونج يانج باتت تنتج الآن طائرات «شاهد» الهجومية المسيرة. وحذر الرئيس زيلينسكي من أن روسيا توفر فعليًا لكوريا الشمالية أمرًا يصعب الحصول عليه في أي مكان آخر، وهو الخبرة المباشرة في الحروب الحديثة واسعة النطاق.
وتقدر مديرية الاستخبارات الرئيسية الأوكرانية (HUR) أن كوريا الشمالية توفر ما بين 25% و40% من قذائف المدفعية الروسية، في حين يعود تاريخ أول استخدام روسي موثق لصواريخ باليستية كورية شمالية إلى 29 ديسمبر 2023، حين سقط صاروخ في حقل بمنطقة زابوروجييه الأوكرانية.
ما بين زيادة الإنفاق الدفاعي وعجز الميزانية
وفقًا لوكالة «رويترز» في 28 سبتمبر، تخطط روسيا لإنفاق 17.1 تريليون روبل (حوالي 202.58 مليار دولار) على الدفاع في عام 2027، وهو مبلغ يزيد بنحو 27% عن التقديرات الأولية البالغة 13.5 تريليون روبل.
وبحسب وثائق حكومية اطلعت عليها «رويترز»، يعد هذا الرقم الأعلى منذ اندلاع الصراع في أوكرانيا عام 2022؛ إذ سيصل إجمالي الإنفاق الدفاعي على مدى السنوات الثلاث المقبلة إلى 50 تريليون روبل (591 مليار دولار).
كما تظهر الوثيقة أن الحكومة رفعت توقعاتها لعجز الميزانية لعام 2026 ليصل إلى 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي، مرتفعة من النسبة السابقة البالغة 1.6%.
وفي المقابل، خفضت تقديرات إيرادات النفط والغاز لعام 2026 من 8.9 تريليون إلى 7.6 تريليون روبل، ومن المتوقع أن يرتفع الدين العام إلى 21.7% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027، متجاوزًا بذلك حاجز الـ20% الذي يعتبره المسؤولون مستوى آمنًا، ومن المقرر تقديم مسودة الميزانية إلى البرلمان قبل الأول من أكتوبر.
الرد الروسي على ادعاءات كييف
وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التقارير التي تتحدث عن عملية تعبئة جديدة بأنها «هراء محض»، رغم أنه وقع في 28 سبتمبر مرسومًا بزيادة قوام الجيش بمقدار 15,500 جندي، وهو رابع قرار من نوعه يصدر هذا العام.
وجاء في المرسوم أن «العدد المعتمد لأفراد القوات المسلحة الروسية سيحدد بـ2,441,630 فردًا، بمن فيهم 1,550,500 عسكري»، دون ذكر سبب لهذه الزيادة.
يُذكر أن الرئيس بوتين أصدر آخر أمر بتعبئة قوات الاحتياط في عام 2022، ومن المرجح أن تواجه أي خطوة مماثلة أخرى معارضة شعبية واسعة في روسيا.
تكبدت روسيا خسائر فادحة في الأرواح والأسلحة والمعدات العسكرية منذ شنها غزوًا واسع النطاق لأوكرانيا في فبراير 2022؛ وهي خطوة كان الكرملين يعتقد، بحسب التقارير، أنها ستنتهي بانتصار سريع في غضون أسابيع قليلة.
وقدرت وزارة الدفاع الأوكرانية في شهر يوليو خسائر روسيا بنحو 43 ألف جندي، بينما أشارت دائرة الاستخبارات الخارجية الأوكرانية (SZRU) في الشهر نفسه إلى أن روسيا كانت تجند ما بين 1070 و1090 جنديًا يوميًا في المتوسط، وهو معدل لم يعوض الخسائر البشرية في ساحة المعركة.
غضب سيول من كييف
كان الرئيس زيلينسكي قد صرح في أغسطس بأن ما يصل إلى 50 ألف جندي كوري شمالي قد يُرسلون للقتال إلى جانب روسيا، ودعت كييف كوريا الجنوبية إلى تقديم الدعم لأنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية.
وكانت كوريا الجنوبية قد أعلنت في يوليو عن حزمة مساعدات لأوكرانيا بقيمة 100 مليون دولار، رغم أنها استثنت الأسلحة الفتاكة.
جاءت تصريحات الرئيس زيلينسكي يوم الاثنين في أعقاب خلاف بين سيول وكييف بشأن إعلان الرئيس زيلينسكي الأسبوع الماضي أن أوكرانيا نقلت جنديين كوريين شماليين تم أسرهما في المعارك إلى كوريا الجنوبية.
وقد أعربت سيول عن أسفها لهذا الإعلان، مشيرة إلى وجود اتفاق يقضي بإبقاء عملية النقل سرية، كما احتجت كوريا الجنوبية على ما وصفته ببيان كاذب صادر عن مكتب الرئاسة الأوكرانية ينفي وجود مثل هذا الاتفاق بشأن السرية.
وكان الرئيس قد أثار سابقًا غضب القيادة الكورية الجنوبية بعد كشفه تفاصيل حول جنود كوريين شماليين وقعوا في الأسر، وذلك خلال كلمته في المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
اختبار المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو
تبث موسكو رسالة مفادها أن روسيا تحشد حشودًا غفيرة، وأن الجيش الروسي المعزز يستعد للزحف على كييف مجددًا، أو حتى على وارسو، وأن التحذيرات التي أصدرتها أجهزة الاستخبارات الغربية تباعًا بشأن مواجهة مستقبلية على وشك أن تتحقق، أسرع مما كان متوقعًا.
كما حذر تقييم جهاز الاستخبارات الدفاعية الدنماركي من خطر منخفض ولكنه متزايد بأن تشن روسيا هجومًا عسكريًا محدودًا على دولة أو أكثر من دول الناتو المتاخمة لروسيا، إلا أنه لا يرى أي مؤشرات على أن روسيا تحضر لغزو شامل آخر، ويقدر أن حشد القوات اللازمة لذلك سيستغرق ستة أشهر على الأقل.
بينما يرى جهاز المخابرات العسكرية الهولندي أن الحرب التقليدية ضد الحلف مستبعدة تمامًا، طالما أن روسيا تقاتل في أوكرانيا، وفي كلا التقييمين، يُنظر إلى التصعيد الهجين على أنه السيناريو الأرجح في الأشهر المقبلة، وهذا هو دور التعبئة كعملية نفسية وإعلامية.
بمعنى آخر، إنها مجرد استعراض للقوة وتهديدات كلامية، واستعراض للقوة أمام جمهور يجب إقناعه، إن لم يكن بالاستسلام فعلى الأقل بالخضوع لمطالب موسكو المتشددة، أو الضغط على كييف للقيام بذلك، وإلا ستشن روسيا هجومًا جديدًا، وسيزداد وضع أوكرانيا التفاوضي والجوي سوءًا، ومن المتوقع أن يكون الشتاء المقبل صعبًا للغاية على أوكرانيا.
وفي غضون ذلك، وفي وقت سابق من هذا الصيف، قيمت الاستخبارات الأمريكية بوتين على أنه أكثر استعدادًا لتفويض هجوم محدود يهدف إلى اختبار المادة الخامسة، دون تجاوز عتبة الرد الجماعي.
ما تسعى روسيا إليه هو ثني الأوروبيين عن مساعدة أوكرانيا في الدفاع عن نفسها، وتقويض الوحدة والتماسك الأوروبيين اللازمين لمواجهة عدوانها الهجين، وبناءً على هذا المنطق، فإن أي دولة تعتقد أن روسيا قد تشن عليها هجومًا تقليديًا قريبًا، ستكون حكيمة بتخزين الأسلحة، خصوصًا أنظمة مضادة للطائرات المسيرة وأنظمة دفاع جوي أخرى على وجه الخصوص، بدلًا من إرسال الإمدادات إلى أوكرانيا.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن موجة تعبئة جديدة لن تحدث، أو أن بث الخوف هو وظيفتها الوحيدة. بل هي إحدى وظائفها، وهذا التهديد يتزايد باستمرار.






