8 ملايين دولار في خزنة جامعة القاهرة.. هل تشتري الدولارات مقاعد المصريين؟
بين اتهامات الاتجار بالتعليم ودفاع الأرقام.. عائدات الوافدين تُشعل الخلاف حول أولوية المقعد الجامعي

بين اتهام بالاتجار بالتعليم ودفاع بالأرقام والوقائع، يحتدم السجال وتختلف الأراء، ويرى نقيب المهندسين السابق، المهندس طارق النبراوي، في توسيع حصة الوافدين بجامعة القاهرة مساسًا بحق المصريين في التعليم المجاني، على خلفية إعلان الجامعة تحصيل 8 ملايين دولار من الوافدين، وتصوير القيمة المُحصلة كانجاز.
ووفقًا لرؤية النبراوي، يجب أن تكون فلسفة الجامعة الحكومية مكرسة كليًا لخدمة أبناء المجتمع الكادح بعيدًا عن منطق التحصيل والاستثمار، بينما ترى الجامعة أن تحصيل الملايين من الوافدين خطوة استراتيجية لتدويل التعليم ودعم البنية التحتية، وزيادة الإيرادات.

حرمان آلاف الطلاب المصريين من حقهم في الدراسة
وقال المهندس طارق النبراوي، نقيب المهندسين السابق، إن رئيس جامعة القاهرة صرح بنجاح الجامعة في تحصيل 8 ملايين دولار إيرادات من الطلاب الوافدين، خاصة في كليتي الطب والهندسة، معتبرًا أن الصدمة تكمن في حرمان آلاف الطلاب المصريين من التمتع بحقهم في الدراسة بجامعة القاهرة وباقي الجامعات الحكومية المصرية، مقابل استقدام هؤلاء الوافدين نظير الدولارات التي تحصلها الجامعة.
وأضاف النبراوي، أن رئيس جامعة القاهرة تناسى، أن الجامعة بأرضها ومنشآتها وهيئات التدريس بها ممولة من الشعب المصري بمختلف طوائفه، ومن الدولة المصرية على مدى عقود طويلة، بهدف توفير التعليم لأبناء مصر بالمجان، مؤكدًا أنه لا يمكن ولا يحق حرمان الشعب من هذا الحق مقابل ما وصفه بـ”حفنة من الدولارات.
وشدد نقيب المهندسين السابق على أن مهمة جامعة القاهرة وباقي الجامعات الحكومية ليست جمع وتحصيل الإيرادات، وإنما تقديم العلم والتعليم لأبناء الشعب المصري.

الدستور كفل مجانية التعليم في الجامعات الحكومية ومعاهدها
وأكدت المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة، أن الدستور كفل مجانية التعليم في جامعات الدولة الحكومية ومعاهدها، وأن المشرع ناط بالجامعات المصرية الاختصاص بكل ما يتعلق بالتعليم الجامعي، والبحث العلمي في البلاد، فتقوم به كلياتها ومعاهدها في سبيل خدمة المجتمع والارتقاء به حضاريًا، ابتغاء المساهمة في رُقي الفكر وتقدم العلم وتنمية القيم الإنسانية.
وتمنى النبراوي أن يكون تصريح رئيس الجامعة عن إنجازات الجامعة وافتتاح أكبر معمل لبحوث الذكاء الاصطناعي، أو معمل متطور للفضاء، أو مركز تعليمي لتصنيع السيارات الكهربائية، أو مركز بحوث لعلاج وأدوية السرطان، باعتبارها مجالات يسبق فيها العالم مصر حاليًا، وينفق عليها أموالًا طائلة، ويحقق من ورائها عوائد كبيرة، بدلًا من التركيز على الإيرادات المحققة من الطلاب الوافدين.
وحذر نقيب المهندسين السابق، من خطورة الاتجاه السائد والهادف إلى تقليل أعداد طلاب التعليم الحكومي بوسائل متعددة، سواء من خلال تقليل الأعداد، أو تخصيص حصة كبيرة للطلاب الوافدين، أو التوسع في النظم التعليمية المستحدثة، إلى جانب فرض رسوم ومصروفات مرتفعة للغاية، معتبرًا أن هذه السياسات أدت إلى توجه المجتمع نحو التعليم الخاص، وأصبح الاتجار والاستثمار في التعليم وجهة للمستثمرين، وهو ما اعتبره أمرًا بالغ الخطورة، على غرار الاستثمار والاتجار في قطاع الصحة.

التعليم الحكومي.. غير مسموح المساس به
وأكد النبراوي أن التعليم الحكومي الحالي هو المسار الرئيسي للتعليم المصري، وأنه أفرز على مدار السنوات شخصيات بارزة، من بينها الدكتور مجدي يعقوب والدكتور أحمد زويل والمهندس هاني عازر وغيرهم، مشددًا على أن التعليم الحكومي يمثل حقًا مكتسبًا للشعب المصري، وغير مقبول أو مسموح المساس به، لافتًا إلى أنه لا يمكن الحديث عن خريجين متميزين أو نوابغ في مختلف التخصصات دون الإشارة إلى دور التعليم الحكومي في إعدادهم.
وشدد نقيب المهندسين السابق على أن التعليم الحكومي يمثل الوسيلة الوحيدة، أمام أبناء الشعب الكادح والطبقة المتوسطة لمساعدتهم على تحقيق الترقي الاجتماعي ورفع مستواهم المعيشي، ويُمثل ضمانة اجتماعية للتقدم في مصر، محذرًا من محاولات تغيير شكل المجتمع المصري، وداعيًا إلى الحفاظ على ما اعتبره”الأمن القومي الاجتماعي.
بدوره، علق الدكتور محمد منصور هيبة، المستشار الإعلامي لجامعة القاهرة، على تصريحات المهندس طارق النبراوي، نقيب المهندسين، بشأن مبلغ الـ8 ملايين دولار الذي أعلنه الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس الجامعة، موضحًا أن الرقم لا يمثل إجمالي إيرادات ملف الطلاب الوافدين، وإنما قيمة الزيادة التي حققتها الجامعة خلال العامين الماضيين، نتيجة تحصيل متأخرات مالية مستحقة، وتحسين إدارة الملف، والعمل على جذب المزيد من الطلاب الدوليين.

الجامعة تحتاج لموارد مالية لتحديث معاملها ومكتباتها
وأضاف هيبة أن حديث رئيس جامعة القاهرة عن زيادة إيرادات الطلاب الوافدين، جاء ضمن استعراض ما حققته الجامعة خلال عامين من توليه رئاستها، وشمل محاور متعددة، من بينها التعليم والبحث العلمي والمستشفيات والبنية التحتية والتحول الرقمي والرعاية الاجتماعية والتوسع الدولي، إلى جانب تعظيم الموارد المالية، لافتًا إلى أن زيادة الإيرادات لا تعني تحويل الجامعة إلى مؤسسة هدفها جمع الأموال، وإنما توفير موارد تساعدها على تنفيذ خطط التطوير.
وأشار المستشار الإعلامي إلى أن جامعة القاهرة تحتاج إلى موارد مالية لتحديث معاملها ومكتباتها، وتطوير بنيتها الرقمية، واستكمال منشآتها، وتحديث مستشفياتها، وتمويل البحث العلمي، إلى جانب دعم الطلاب غير القادرين في المصروفات الدراسية والعلاج، ومواكبة متطلبات الانضمام إلى مشروع Tier 1 للجامعات الرائدة الذي تتبناه الدولة، مؤكدًا أن المال يمثل وسيلة لتمويل رسالة الجامعة وليس غاية في حد ذاته.
وشدد هيبة على ضرورة التمييز بين زيادة إيرادات الطلاب الوافدين وبين التأثير على فرص الطلاب المصريين، متسائلًا عن الأدلة التي تثبت أن الزيادة المالية التي أعلنتها الجامعة تحققت نتيجة حرمان طلاب مصريين من مقاعدهم الدراسية، مؤكدًا أن جذب الطلاب الدوليين والحفاظ على حقوق المصريين يمكن أن يسيرا بالتوازي في ظل الالتزام بقواعد القبول المقررة.

يُحدد المجلس الأعلى للجامعات عدد الطلاب المقبولين من غير المصريين
وتنص المادة 74 من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات، الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 809 لسنة 1975، والمعدلة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 82 لسنة 2015، على أن يحدد المجلس الأعلى للجامعات، بعد أخذ رأي مجالس الكليات المختلفة، عدد الطلاب من أبناء جمهورية مصر العربية الذين يُقبلون في كل كلية أو معهد في العام التالي، من بين الحاصلين على شهادة الثانوية العامة أو الشهادة المعادلة، مع مراعاة الشروط المؤهلة للقبول بكل كلية.
كما تنص المادة على أن يُحدد المجلس الأعلى للجامعات عدد الطلاب الذين يُقبلون من غير أبناء جمهورية مصر العربية، ويصدر بقبولهم قرار من وزير التعليم العالي، كما يكون تحويلهم ونقل قيدهم بقرار منه.
وعرض المستشار الإعلامي، أعداد الطلاب الوافدين في جامعة القاهرة مقارنة بالطلاب المصريين، منوهًا بأن كلية الهندسة تضم 1231 طالبًا وافدًا من إجمالي 9043 طالبًا، بنسبة 13.6%، مقابل 86.4% من الطلاب المصريين، بينما تبلغ نسبة الوافدين في كلية طب قصر العيني نحو 26%، مقابل 74% من الطلاب المصريين.

207,853 طالبًا في الجامعة..منهم 33,872 طالب وافد
وتضم جامعة القاهرة داخل أروقتها 207,853 طالبًا، في حين ارتفع إجمالي أعداد الطلاب الوافدين بمختلف مراحل الدراسة بالجامعة من 24,474 طالبًا في 2023/2024 إلى 33,872 طالبًا في 2025/2026، بزيادة بلغت 38.4%، فيما ارتفع عدد طلاب الدراسات العليا الوافدين من 3,150 إلى 5,671 طالبًا بزيادة 80%، بينما ارتفع عدد طلاب البكالوريوس والليسانس من 21,324 إلى 28,201 طالبًا بزيادة 32.2%.
وأفاد المستشار الإعلامي بأن وجود الطلاب الوافدين بهذه النسب لا يعني بالضرورة إحلالهم محل الطلاب المصريين أو الانتقاص من فرصهم في التعليم الجامعي الحكومي، موضحًا أن استقطاب الطلاب الدوليين يمثل أحد أبعاد تدويل الجامعات، ويسهم في تعزيز التنوع الثقافي والأكاديمي ودعم حضور جامعة القاهرة في التصنيفات والمؤشرات الدولية.
وأكد هيبة أن جامعة القاهرة ستظل جامعة حكومية مصرية تضطلع بدورها في تعليم أبناء الوطن، بالتوازي مع انفتاحها على الطلاب العرب والأفارقة والدوليين، لافتًا إلى إعلان الجامعة توسيع مظلة التكافل الاجتماعي وتحمل كامل المصروفات الدراسية للطلاب المستحقين غير القادرين، إلى جانب تحمل رسوم إقامة المستحقين بالمدن الجامعية وفق الضوابط المقررة.
وشدد المستشار الإعلامي على أن مناقشة إيرادات الجامعة وسياساتها حق مكفول، لكن تقييمها يجب أن يستند إلى الأرقام والوقائع والسياق الكامل للتصريحات، مع التركيز على كيفية توظيف الموارد في تطوير التعليم والبحث العلمي والخدمات والحفاظ على حق الطلاب المصريين في التعليم الجامعي الحكومي.






