الرئيسيةحوارات

اللواء طيار سمير عزيز في حوار خاص لـ«ليبرالي»: أطلقتُ النار على طائرة معادية من مسدسي وكنا نتنازع على الطلعات الخطرة

الإسرائيليون لا يشتبكون إلا إذا كان عددهم أكبر.. وحرب الاستنزاف كانت «بروفة» لحرب 73

  • سمير عزيز يروي رواية «إنذار عجلون» التي سبقت ضربة 5 يونيو

  • دخلت أربع حروب في عشر سنوات

  • فقدنا طيارين كثيرين.. لكن من نجا منها خرج أصلب عودًا.. وما حدث في 67 علّمنا أن نحتاط لكل همسة من إسرائيل

  • الفانتوم كانت تملك «نظام ملاحة» متقدمًا عام 1969.. والتكنولوجيا كانت الفارق بيننا وبينهم

  • بطل أكتوبر يروي لحظات قصف مطار فايد: لم تكن هناك دُشَم والطائرات مصطفة على الأرض

     

في الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، حين استعاد المصريون أرضهم وكرامتهم، تتجدد سيرة رجال صنعوا النصر في السماء قبل البر والبحر. ومن بين هؤلاء الأبطال اللواء طيار سمير عزيز، أحد فرسان سلاح الجو المصري، الذي تخرج في الكلية الجوية عام 1963 وهو في العشرين من عمره، وخاض في عشر سنوات فقط أربع حروب: اليمن، ويونيو 1967، والاستنزاف، وأكتوبر 1973.

عاش اللواء عزيز مرارة النكسة وهو نقيب طيار في قاعدة فايد الجوية، ثم كان من الجيل الذي أعاد بناء القوات الجوية بالتدريب الشاق، فأسقط ثلاث طائرات ميراج إسرائيلية في حرب الاستنزاف، وشارك في تأمين الضربة الجوية الأولى يوم السادس من أكتوبر على رأس تشكيل مقاتل في سماء القناة. وفي الثامن من أكتوبر أُصيب إصابة بالغة أثناء إحدى الطلعات، وقفز من طائرته المصابة فسقط في بحيرة المنزلة، وأمضى بعدها شهورًا يتعالج ويتعلم المشي من جديد، قبل أن يعود إلى قمرة القيادة ويواصل خدمته حتى عام 1982.

في هذا الحوار الخاص، يفتح بطل أكتوبر دفتر ذكرياته بصراحته المعهودة وروحه المرحة، فيروي كواليس صباح 5 يونيو، ومعارك الاستنزاف، وما جرى في ساعات الانتظار التي سبقت لحظة العبور، ويكشف عن معلومات يرويها لأول مرة، ويوجه رسالة إلى أبناء الجيل الجديد. وإلى نص الحوار:

كل طفل يحلم في صغره بأن يصبح ضابط جيش أو شرطة.. فماذا كان حلمك؟

كنت أحلم بأن أصبح ضابط بحرية، لكنني غيّرت رأيي وأنا صغير. كان والدي مهندسًا مدنيًا في القوات الجوية، وكان يصطحبني أحيانًا إلى مطار ألماظة وأحيانًا إلى رئاسة الجمهورية، فكنت أقف أتفرج على الطائرات. وكانت فكرة أن «حديدًا يطير في الهواء» مشوّقة جدًا بالنسبة لي، ومن يومها تحوّل حلمي من البحرية إلى الطيران.

كيف بدأت علاقتك بالطيران؟

كنت أدخل مطار ألماظة وأشاهد طائرات النقل الضخمة التي تحمل أعدادًا كبيرة من الركاب، ولم تكن هناك طائرات مقاتلة. وبالنسبة لطفل صغير كان المشهد مبهرًا.

5 يونيو 1967: صباح لا يُنسى

ماذا تتذكر من صباح 5 يونيو 1967؟

كنت نقيب طيار حديث التخرج، وأخدم في قاعدة فايد الجوية، وكان فيها ثلاثة أسراب: سرب ميج 21 الذي كنت فيه، وسرب سوخوي، وسرب ميج 19. وكنت أنا وقائد السرب في «الحالة الأولى»، أي الطوارئ، من السادسة حتى الثامنة صباحًا، نجلس داخل الطائرة. وفي الثامنة تسلّم زملاء آخرون المناوبة، وذهبنا إلى الاستراحة لتناول الإفطار.

وبينما نحن هناك سمعنا أصوات القنابل والانفجارات، فجريتُ مع قائد السرب إلى الطائرتين الجاهزتين عند بداية الممر. لم تكن هناك دُشَم (ملاجئ محصّنة للطائرات) على الإطلاق، وكانت الطائرات مصطفة على أرض المطار، لا يفصل بين الواحدة والأخرى سوى مترين. فإذا أُصيبت طائرة اشتعلت معها الطائرات المجاورة.

وما أعرفه يقينًا أن قائد القوات الجوية آنذاك، الفريق صدقي محمود، كان يطلب كل عام بناء الدُّشَم بعد أن رآها في إنجلترا، وكان الرد دائمًا أن الميزانية لا تسمح، وانتهى الأمر بأن دفعت القوات الجوية الثمن غاليًا.

هل هناك تفاصيل تكشفها عن تلك اللحظات لأول مرة؟

هناك معلومة ربما لا يعرفها كثيرون، وهي المرة الأولى التي أرويها فيها. كان لنا رادار في الأردن فوق جبل عجلون، وهو جبل عالٍ جدًا، ورصد الطائرات الإسرائيلية وهي تقلع من مطاراتها كلها متجهة جنوبًا. وبحسب ما سمعت، أرسل ضابطان، أحدهما مصري والآخر أردني، إشارة إلى القيادة في مصر تُنبّه إلى أن أمرًا ما سيحدث.

وللأسف هناك روايتان عمّا جرى لهذه الإشارة: الأولى أنها وصلت لكن الشفرة كانت قد تغيّرت فلم يتمكنوا من فك رموزها، والثانية أن من استلمها وضعها بجوار مدير العمليات وكان نائمًا لحين أن يستيقظ. أي الروايتين هي الحقيقة؟ لا أحد يعرف.

وهناك رواية أخرى تقول إن سوريا أُبلغت بضرورة قصف المطارات الإسرائيلية، حتى تعود الطائرات الإسرائيلية بعد ضرب مصر فلا تجد مطارًا تهبط عليه، فينتهي سلاحها الجوي تقريبًا دون أن نطلق نحن طلقة واحدة. وكان حافظ الأسد وقتها وزيرًا للدفاع، والروايتان المتداولتان أيضًا مختلفتان: الأولى أنه ردّ بأن لديهم تدريبًا لا يمكن إيقافه، والثانية أنهم قالوا إنهم سيردّون بعد عشر دقائق، ولم يردّوا حتى اليوم.

كيف أثّرت تجربة 1967 على إعداد القوات الجوية بعد ذلك؟

علّمتنا أن نحتاط لكل همسة من إسرائيل، وأن نغيّر طريقة تدريبنا. كنا ننفذ مثلًا عشر طلعات تدريبية في الشهر، فأصبحنا بعد النكسة ننفذ ثلاثين. وتغيّر نوع التدريب نفسه، فظهر القتال واحد ضد واحد، واثنان ضد اثنين، وتشكيل رباعي ضد تشكيل رباعي، بعد أن كانت تدريباتنا في معظمها حركات استعراضية بسيطة. أصبح التدريب قاسيًا جدًا، وهذا ما أفادنا في حرب الاستنزاف ثم في حرب 73.

 حرب الاستنزاف: بروفة أكتوبر

لجيل جديد لم يعاصر تلك الفترة: كيف تلخّص لنا حرب الاستنزاف وأثرها؟

كانت حرب الاستنزاف «بروفة» لحرب 73، استنزفنا الإسرائيليين واستنزفونا، ولا أحد ينكر ذلك، فقد فقدنا فيها طيارين كثيرين، لكن من نجا منها خرج أصلب عودًا. اكتشفنا أن لدى الإسرائيليين خططًا لا نعرفها، فهم تدربوا في أمريكا، وأمريكا خاضت حروبًا في كوريا وفيتنام فاكتسبت خبرة قتالية، بينما كنا نسير على النمط الروسي الذي لم يكن قد اختُبر في قتال جوي حديث بالقدر نفسه.

وكانوا أساتذة في نصب الكمائن: تحلّق طائرتان على ارتفاع عالٍ لنهاجمها بأربع طائرات، بينما تكمن ثماني طائرات أخرى على ارتفاع منخفض جدًا لا يلتقطه رادارنا، خاصة في منطقة جبل الجلالة، فكانوا يجعلونها مصيدة لنا.

واكتشفت أمرًا آخر عن الطيارين الإسرائيليين: لم يكن الأمر جبنًا، لكنهم كانوا يحسبون حساباتهم بدقة؛ فإذا تساوى العدد أو كنا أكثر منهم، تجنبوا الاشتباك، ولا يدخلونه إلا وهم أكثر عددًا. دخلتُ اشتباكًا متكافئ العدد فانسحبوا من المعركة. ولا أريد أن أبخسهم حقهم، فهم طيارون جيدون.

هل تتذكر قصة معينة من تلك المعارك؟

كنا نؤمّن مظلة جوية غرب القناة بين الإسماعيلية وبورسعيد، وكنت قائد التشكيل المكوّن من أربع طائرات، ومعي وصفي ومجدي رفعت ورضا إسكندر. والمظلة أشبه بدورية الشرطة، نروح ونجيء في المنطقة نفسها على ارتفاع عالٍ. أبلغني الموجّه بأن طائرات فانتوم تقوم بدورية مماثلة شرق القناة، ثم قال فجأة إنها تتجه نحونا بسرعة 1.5 ماخ، أي نحو 1800 كيلومتر في الساعة، وكانت سرعتي 800.

طلب مني الموجّه التوجه غربًا (اتجاه 270)، فقلت له: لا، اتجاه 090، أي شرقًا، ودخلت في مواجهتهم. كان من المفترض أن يكتفي الموجّه بإبلاغي بالموقف وأنا أتصرف، لكن يبدو أنه كانت لديه أوامر، فقد كان الخبراء الروس يوصون بتجنب الاشتباك مع الإسرائيليين في الاستنزاف. أنا لم أحتج إلى ثانية للتفكير.

اندهش الإسرائيليون، فهم معتادون أننا نبتعد حين يهجمون، ثم وجدوني أدخل في وجههم. والفانتوم طائرة كبيرة ضخمة، كانوا يطلونها بلون رمادي يجعلها مخيفة، وتحمل من ستة إلى ثمانية صواريخ جو – جو، بينما نحمل نحن صاروخين فقط. انقضضتُ من أعلى ومررتُ من تحتها، ثم انعطفتُ يسارًا لألحق بذيلها، لكن زميلي وصفي ومعه مجدي كانا الأقرب، فلحق وصفي بذيل الفانتوم. ولكي يُطلق الصاروخ كان لا بد أن تكون المسافة نحو كيلومترين، فطلبت منه أن يطلق وأنا أؤمّنه، وانتظر حتى صارت المسافة مناسبة وأطلق صاروخه، فانفجرت الطائرة وسقطت في المنزلة.

في المساء جاءنا رئيس أركان القوات الجوية حينها حسني مبارك ومعه الخبير الروسي، وسألوا: أسقطتم طائرة؟ قلت: نعم. فقال الخبير: أحضروا لي عجلة منها. قلت له إن مهمتي مقاتل لا أجمع عجلات الطائرات التي أُسقطها، وإن الاشتباك كان في المنطقة الفلانية، فاذهبوا وابحثوا عنها، صدّقوا أو لا تصدّقوا. وكنت منفعلًا قليلًا لأنهم لا يصدقوننا. وبعد يومين أو ثلاثة استُدعيت إلى الرئاسة، فقد عثروا على حطام الطائرة. وحصل وصفي على مكافأة قدرها 500 جنيه، ولم أنل منها مليمًا، قلتها له ممازحًا بعد أن خطف مني الطائرة.

ما الدروس التي خرجتم بها من حرب الاستنزاف، وكيف أثّرت في الجيش المصري؟

الحقيقة أن القوات البرية كانت أفضل منا في تلك المرحلة. كانت الصاعقة المصرية تعبر القناة كل يوم تقريبًا، فتأسر جنودًا إسرائيليين أو تقتلهم وتفجّر المواقع، فكانوا أفضل منا على الأرض، لأن عدد طائراتنا كان قليلًا. كان لدى إسرائيل ضعف عدد طائراتنا، ولدينا طيار واحد لكل طائرة بينما لديهم ثلاثة طيارين لكل طائرة، فلو دُمّر سلاحهم الجوي كله لعوّضوه بطائرات وطيارين جاهزين.

أما التكنولوجيا فكان الفارق كبيرًا؛ أنا طيار ميج 21 وهم لديهم الفانتوم والميراج. كان لديهم جهاز بحجم الهاتف المحمول تقريبًا، يعمل تلقائيًا إذا قفز الطيار من طائرته المصابة ويرسل موقعه، فتأتي مروحية لإنقاذه. أسقطتُ طائرة قرب دمياط، وجاءت مروحية من سيناء وأخذت الطيار قبل أن نصل إليه. وكانت الفانتوم مزوّدة بنظام ملاحة متقدم يشبه ما نعرفه اليوم بنظام تحديد المواقع (GPS)، وكان وقتها لم يسمع به أحد في العالم.

ولولا توفيق الله لنا، وأننا صمدنا أمام إسرائيل، فأمريكا تضمن تفوق إسرائيل على أي دولة عربية، بدليل أنها تمدّها اليوم بطائرات إف-35.

ما أبرز المعارك التي تتذكرها من تلك الفترة؟

دخلتُ معارك عدة، وأسقطتُ ثلاث طائرات ميراج في حرب الاستنزاف. ولأن عدد طائراتنا كان قليلًا كنا نمارس ما يسمى «الصيد الحر»، وقد تعلمناه من طياري فيتنام الذين كانوا يستخدمون الميج 21 أيضًا. كنت في مطار المنصورة، نقلع على ارتفاع منخفض جدًا، ملاصقين للأرض، ويعطينا الموجّه اتجاهًا يوصلنا إلى القناة عند المنطقة التي يقصف فيها الإسرائيليون قواتنا البرية، ومعهم طائرات حماية. ندخل حتى نصل إليهم ونرفع الطائرة لأعلى، فإن وجدنا هدفًا ضربناه، وإلا عدنا مسرعين، لأن أعدادهم كبيرة ونحن بطائرة واحدة.

وفقني الله في إحدى المرات، فوصلت إلى القناة ووجدت طائرة أمامي، فأطلقت صاروخًا فاشتعلت، وعدت على ارتفاع منخفض جدًا. جُنّ جنونهم وطاردونا، لكنهم عادوا في منتصف الطريق خوفًا من الدفاع الجوي. كانت تلك من أمتع الطائرات وأسهلها التي أسقطتها في حياتي، وأعتبره ألذ اشتباك في حياتي.

استوقفني وصفك لها بأنها «ألذّ» اشتباك.. لماذا هذا التعبير؟

حين ترى طائرة العدو تشتعل أمامك، لا تشعر بفرحة بقدر ما تشعر بنشوة أنك هزمت عدوًا يحتل أرضك. وبعد ذلك إما أن يقفز طيارها أو يلقى حتفه، وهذا قدر الحرب.

أنا تخرجتُ سنة 1963 وكان عمري 20 عامًا، وفي حرب 73 كان عمري 30، أي إنني خلال عشر سنوات دخلت أربع حروب: اليمن، و67، والاستنزاف، و73. وأظن أنه ما من أحد في الدنيا دخل أربع حروب في أول عشر سنوات من خدمته. وكنت أشعر بمتعة في أداء مهمتي، وبأنني أدمّر ما أمامي من عدو.

 6 أكتوبر 1973: الساعات الحاسمة

حدثنا عن الساعات التي سبقت يوم 6 أكتوبر؟

يوم 5 أكتوبر كنت متزوجًا منذ شهرين، وكانت زوجتي معي في بيت الطيارين بالمنصورة، وأنا طوال النهار في العمل وأعود ليلًا. شعرت بجو مختلف جدًا: كان في المنصورة سربان، وكل طائراتهما محمّلة بخزانات الوقود الإضافية وبالصواريخ، والمدافع مليئة بالذخيرة. ولم يحدث ذلك من قبل؛ فقد كنا في كل مرة نُستدعى على عجل ونقضي يومين أو ثلاثة ثم يُقال لنا فكّوا الاستعداد وانزلوا في إجازة، وكانت تلك خطة خداع لم نكن نعرفها. لكن حين رأيت المشهد هذه المرة أحسست أن هناك أمرًا حقيقيًا، فاستدعيت سائقًا وطلبت منه أن يوصل زوجتي إلى القاهرة يوم 5.

وفي صباح 6 أكتوبر جمعنا قائد اللواء نحو الساعة العاشرة وقال: «بإذن الله، الساعة الثانية ظهرًا ستبدأ العملية»، وحدّد لكل تشكيل مهمته، وهكذا اكتمل ترتيب العملية. وكنت أتمنى أن تأتي الثانية بسرعة، وكلما مرّت دقائق شعرت أنها لن تأتي.

ماذا فعلت في الساعات بين الحادية عشرة والثانية؟

جاءنا قائد اللواء وقال إن قائد القوات الجوية حسني مبارك اتصل وأبلغ بأنه لا توجد طائرة مصرية واحدة في الجو، وقد يشك الإسرائيليون، فأمرنا بأن تقلع طائرتان فوق المطار وتؤديا استعراضات. فأقلعت أنا وزميل آخر وأدينا حركات استعراضية نحو الحادية عشرة، ثم هبطنا وعدنا إلى الدُّشَم. وبعدها جلست مع تشكيلي الرباعي تحت جناح الطائرة، حتى لا يقال إن العملية أُلغيت. وعقدنا الإيجاز المعتاد قبل الطيران: أنت ستكون على يميني، وهذه ترتيبات الإقلاع.

وماذا عن لحظة الإقلاع والطيران فوق القناة؟

أقلعنا بأربع طائرات على ارتفاع منخفض حتى القناة، ثم صعدنا إلى ارتفاع خمسة كيلومترات، لأرى سيناء كلها تقريبًا وأكتشف أي هجوم قادم، ويراني الموجّه في المطار ويرى معي العدو. وكنا ندور في دورية بين بورسعيد والإسماعيلية، ومهمتي حماية الطائرات التي ستقصف، فأنا مسؤول عنها.

من هذا الارتفاع رأيت الضربات والانفجارات من بعيد، ورأيت صواريخ هوك الإسرائيلية المضادة للطائرات، فهي حين تنطلق تُحدث وهجًا ناريًا. وانتظرت حتى عبرت طائراتنا كلها من تحتي عائدة، وكانت قد أقلعت من المنصورة وطنطا وأبو حماد وغيرها. ثم بقيت ثلاث دقائق إضافية، وهي مدة طويلة جدًا في الطيران، لعل الله يرزقني باشتباك وأسقط طائرة أخرى، لكن لم تقلع أي طائرة إسرائيلية. عدنا وكان لا يزال معنا وقود، فأجرينا بعض التدريب ثم هبطنا.

ما أبرز ما لفت نظرك في الضربة الجوية الأولى؟

كانت الضربة الأولى موفقة جدًا. ومن أهم أهدافها تبّة أم مرجم في وسط سيناء، وفيها أجهزة تشويش وتنصت وإذاعة شديدة التقدم تكنولوجيًا، ويقال إن تأثيرها كان يمتد إلى الشرق الأوسط كله. ولو لم تُضرب لربما فشل العبور، فكان التشويش سيقطع الاتصال اللاسلكي بيني وبين الموجّه وبين بقية الطيارين، وكذلك الدبابات التي تتصل ببعضها لاسلكيًا، بل قد تصلنا أوامر مضللة من قبيل: «ارجع إلى المطار الآن يا سمير». يضاف إلى ذلك قصف مطارات سيناء كلها.

هل أبلغت زوجتك بأن لديك مهمة؟ وهل أوصتك بشيء؟

لا، عرفت من الإذاعة. وفي الليل كان هناك خط هاتف واحد مع القاهرة عند قائد القاعدة، وكل الطيارين يريدون الاطمئنان على أهلهم، فكلمتها وطمأنتها بأنني بخير. ولم تُوصني بشيء، ولا مكان للحرص على النفس بمعناه المعتاد في المعركة، فأنت داخل اشتباك.

هل فكرت في كتابة وصية؟

لا. خرجت للمعركة وفي يقيني أنني سأعود بإذن الله. لم أخرج لأموت، بل لأقاتل وأهزم العدو وأرجع.

هل شعرتَ بالخوف قبل المعارك؟

الخوف شعور إنساني، وكلنا نخاف بطبيعة الحال. لكن الطيار الشجاع هو الذي يتغلب على الخوف. بل إن بعض الطيارين كانوا يتنازعون على الطلعات الخطرة؛ تجد أحدهم يقول: «يا فندم، أنا لم أطلع أمس، أريد هذه الطلعة»، ولو كانت في منطقة صواريخ مضادة للطائرات.

وأقول لك شيئًا: وأنا طفل في الروضة، في السادسة أو السابعة، كنت في روضة شبرا المستقلة التي كانت قصرًا في الأصل. وكان تحت السلالم غرفة مليئة بالكراكيب المحطمة، كانت المعلمات يهددن بها المشاغبين بقولهن: «سأضعك في غرفة الفئران». فكنا نخاف ونهرب. أما أنا فتسللتُ ذات يوم ودخلت الغرفة وسط الكراكيب لأقتل الفئران. أعتقد أنها كانت شجاعة منذ الصغر.

بين الموت والحياة

كم مرة شعرت فيها أنك على بعد خطوة من الموت؟

مرات كثيرة، ست أو سبع أو ثماني مرات، كان بيني وبين الموت فيها شبر أو أقل.

مثلًا في 1967، بعد أن قصفوا المطار، خرجنا ولم يبق لدينا طائرات. وكانت هناك طائرة «سوبر ميستير» تمر فوقنا على ارتفاع منخفض، وبيني وبينها نحو ستة أمتار فقط، فأخرجت مسدسي من شدة الغيظ وأطلقت عليها النار. كان معي ثلاثة زملاء: فاروق الحرفوش وممدوح حشمت وفاروق حمادة، وصاحوا بي: «انتبه يا فندم، إنها تنقض عليك لتقتلك». نظرت خلفي فوجدتها فعلًا تنقض، فجريت في اتجاهها لأن إصابتي وأنا أجري في مواجهتها أصعب. فتح الطيار النار مبكرًا، ورأيت الدخان الأسود المتصاعد من الطلقات، ومرّت الطلقات بجانبي على بُعد شبر في الأرض، ودخلت بيتًا قريبًا واحتميت فيه. ولو أصابتني لانقسمتُ نصفين.

ما أصعب قرار اتخذته في إحدى الطلعات؟

لا أقول أصعب، بل أحسن قرار؛ وهو أنني دخلتُ في وجه الفانتوم. وهناك قرار آخر في إحدى الطلعات فوق سيناء، حين كانت أربع طائرات ميراج تهاجمني وأنا وحدي، فوفقني الله، وسحبتهم حتى عبرتُ القناة. هناك كانت قاعدة إنشاص قد أرسلت أربع طائرات لمساعدتي، فأرسلوا هم أربعًا أخرى، وأرسلت المنصورة أربعًا، فصارت معركة كبيرة.

صعدت فوقهم بنحو كيلومترين، فقد كانوا على ارتفاع أربعة كيلومترات تقريبًا وأنا على ستة. وأردت إسقاط طائرة، فنزلت من أعلى وأنا متجه نحو إحدى الميراج وكأنني سأصطدم بها. فاندهش قائدها وقال لنفسه: ما هذا المجنون الذي يدخل فيّ؟ ثم خرج من الدائرة. فترقبتُ حتى اتخذ اتجاه سيناء، وبدأت أتبعه من تحته وأطلقت صاروخًا، فاشتعلت الطائرة. أطلقت صاروخًا ثانيًا لم يصبها، رغم أنه يتجه عادة إلى النار. وقفز الطيار في سيناء.

هل تتذكر مواجهة مباشرة مع حسني مبارك أثناء الحرب؟

نعم، ذات مرة كان أحد طيارينا يحلّق على ارتفاع منخفض، واصطدم رقم 2 في تشكيله بأحد الدُّشَم فاستشهد، فحضر إلينا قائد القوات الجوية حسني مبارك في المنصورة. كان حوارًا شديدًا، وكان له الحق فيه. وأوقع علينا جزاءً، رغم أن الخطأ لم يكن خطأنا؛ فالمفترض أن الطيار الثاني كان يرتفع قليلًا وأنا أحلّق منخفضًا، لكن ذلك لم يحدث.

ما أبرز المواجهات مع الطيران الإسرائيلي؟

مواجهات كثيرة جدًا، لكنهم كما قلت لا يشتبكون إلا حين يكون عددهم أكبر منا. وكانت للميراج ميزة: تستطيع وهي على ارتفاع منخفض جدًا أن ترفع أنفها وتطلق صاروخًا نحو طائراتنا التي تحلق على ارتفاع خمسة أو ستة كيلومترات في ثوانٍ معدودة، وهذه ميزة لا توجد في أي طائرة أخرى لديهم.

ومن المواقف التي أتذكرها كذلك مهمة ضرب موقع صواريخ هوك إسرائيلي في منطقة رمانة شرق بورسعيد بنحو 40 كيلومترًا. كان معنا سرب ميج 17 يحمل القنابل، ونحن أربع طائرات ميج 21 للحماية، نطير على ارتفاع صفر تقريبًا. كان الموقع مموّهًا تمويهًا شديدًا. وأثناء دخولي رأيت لهبًا ناريًا يصعد نحوي، وهو صاروخ؛ وكنت أرى لهب الصاروخ المتجه نحوي بوضوح، فأجريت دورانًا حادًا جدًا إلى اليمين، فمرّ الصاروخ بجانبي ولم يصبني. وكشف الصاروخ مكان الموقع، فاستهدفته طائرات الميج 17.

وأثناء العودة سبقنا مجدي كمال، وأقلعت طائرات إسرائيلية للانتقام، وكنت أنا خلفهم. كانوا يطلقون صواريخ نحو مجدي ولا تصيبه. وكان الخبراء الروس قد أوصونا بألا نطلق الصاروخ بسرعة أقل من 600، وكانت سرعتي 500 أو 550، لكنني أطلقت الصاروخ لعله يرهبهم، فأصاب إحدى الطائرات، فانسحبوا جميعًا. وبعد تلك المهمة حصلت على مكافأة قدرها 500 جنيه، أعطيت منها 200 للزميل الراحل سليمان ضيف.

إصابة 8 أكتوبر: من السماء إلى المستشفى

كم يومًا قضيت في المستشفى بعد الإصابة؟ وما الذي حدث؟

قضيت 21 يومًا في المستشفى. أُصبت بكسر في الظهر وشلل نصفي في الجزء السفلي من جسدي، وبقيت هكذا ثلاثة أيام. حدث ذلك يوم 8 أكتوبر نحو الرابعة عصرًا. لم تكن الطلعة طلعتي أصلًا؛ فقد نفذت في ذلك اليوم أربع طلعات، والمفترض ثلاث. لكن زميلًا كان متعبًا، وقال لي إنه لم يتبق سوى ساعة على آخر ضوء ولن يحدث شيء، فقلت له: تفضل يا فندم، إن شاء الله أطلع ستمائة طلعة في اليوم لو أمكن. وطرت مع تشكيل رباعي آخر ليس تشكيلي.

أصبتُ وقفزت من الطائرة، وكان الحزام مضبوطًا على مقاس من سبقني، وكان ضخم الجسم، فارتطمت رأسي وانكسر العمود الفقري وانضغطت إحدى الفقرات. سقطت في بحيرة المنزلة وكدت أغرق، وكاد الصيادون أن يقتلوني ظنًّا منهم أنني طيار إسرائيلي. نُقلت إلى مستشفى المنصورة وأعطوني مورفين، وكنت أصحو وأنام. وجاءت زوجتي وأبوها وكان صيدليًا، وعمها وكان طبيبًا، ووالدتي. وقال عمها إنني مصاب بشلل نصفي، وأنا متزوج منذ شهرين فقط.

قطع الأطباء ملابسي بالكامل ليتمكنوا من وضع الجبس، وفي ليلة أخرى حاولت ممرضة سحب الملاءة التي كنت مغطى بها وأنا على النقالة، قائلة إنها «عهدة»، حتى تدخل ضابط وأحضر لي ملاءة أخرى. ثم نُقلت في الثالثة فجرًا إلى مستشفى القوات الجوية في العباسية، حيث استقبلني الدكتور أحمد رامي، أستاذ العظام، رحمه الله، وكان رجلًا طيبًا للغاية. فك الجبس ووضعني على سرير خشبي، ومكثت على ظهري 21 يومًا.

وكيف استقبلت زوجتك وأسرتك ذلك؟

كان لديهم إحساس بالفخر بأن زوجها حارب، ثم التفّ حولي الأهل والأقارب. وخرجت من المستشفى إلى البيت وجاء كثيرون لزيارتي. ثم صنعت حزامًا حديديًا في مستشفى العجوزة، وبدأت أتعلم المشي من جديد، واستغرق ذلك ستة أشهر. ثم عدت إلى الطيران.

كيف كان شعورك حين عدت لأول مرة إلى الطيران؟

كان كل السرب تقريبًا سيحملني على الأعناق. ولم أكن خائفًا، فأنا لا أعرف الخوف، وهذا من فضل الله.

 حقيقة «الطيار المجنون»

من هو «الطيار المجنون» الذي يتحدث عنه الإسرائيليون؟ وهل ما يُقال عن اشتباك بـ21 طائرة صحيح؟

القصة أن إسرائيل أنتجت فيلمًا دعائيًا لأحد طياريها، يقول فيه إنه اشتبك مع 21 طائرة ميج، وهذا كذب مئة في المئة، لأننا لم نشتبك قط بـ21 طائرة. وادّعى أن طيارًا مصريًا في طائرة ميج 21 قام بحركة تُسمى «سبليت إس» (نصف دورة ثم انقضاض)، ونزل إلى ارتفاع منخفض جدًا حتى ظن أنه سيرتطم بالأرض، ثم صعد من جديد، فأسقطه وقتله، ثم وصفه بأنه طيار مجنون.

الحقيقة أن هذا الطيار هو حسن رافع، وهو حي يُرزق حتى اليوم. وهذه الحركة نقوم بها جميعًا في الميج 21 بشكل دائم، فالميراج لا تهبط بهذه الطريقة. وليس هناك طيار مجنون، بل طيارون شجعان.

هل هناك موقف من الحرب لم تحكه من قبل؟

كان المفترض أن تضرب سوريا مطارات إسرائيل بالاتفاق معنا، فبيننا وبين إسرائيل سيناء المحتلة، فلو ذهبنا لقصف مطاراتها لما كفى الوقود للعودة، أما سوريا فلا يفصلها عن إسرائيل شيء تقريبًا. وكانت الخطة أن تضرب سوريا مطارات إسرائيل، لكن ذلك لم يتم؛ بل ضربوا موقعًا آخر، وكنا قد أرسلنا لهم سرب ميج 17 للمساعدة وكان مكلفًا بضرب مطار، فغُيّرت المهمة قبل الحرب إلى ضرب موقع مدفعية. ولو نفذت سوريا الخطة في 73 لتدمّرت الطائرات الإسرائيلية العائدة كما حدث في 67. وقد ذكر ذلك الفريق أبو غزالة في مذكراته وفي أحد الفيديوهات، وهذا من العوامل التي أثرت على مجرى الحرب.

كيف استقبلت إعلان وقف القتال؟

سعدتُ، ولم أتضايق. لأن أمريكا دخلت معنا الحرب، وكنا سنتدمّر لو استمررنا. وعلمتُ أنهم شغّلوا 23 طائرة نقل عملاقة من طراز سي-5، وأن كيسنجر قال في البداية إنه سيُشغّل طائرتين، ثم قال له نيكسون: بل شغّل الثلاث والعشرين كلها. وكانت هذه الطائرات تنقل دبابات جديدة من مخازن أمريكا إلى ساحة القتال. فلو استمررنا لدُمّرنا. كان القرار صائبًا في توقيت صائب.

خدمتَ ضابطًا في القوات المسلحة من 1963 حتى متى؟

حتى سنة 1982، أي نحو عشرين عامًا.

كيف تصف هذه الفترة من حياتك؟

من أسعد لحظات حياتي. يكفي أنني كنت أقود طائرة وكأنني وهي شيء واحد، كنت أقول لها: تعالي نجرّب هذه الحركة، فكأنها تقول لي: لو فعلتها فستطير البراشيم (المسامير)، فأقول لها: دعينا نجرّب، وجرّبنا فطارت البراشيم فعلًا، فقالت لي: ألم أقل لك؟ لا تفعلها ثانية، حاضر، ثم نجرّب حركة أخرى وأساعدها، وفي النهاية بقيت أحس أنا والطائرة شيئًا واحدًا، ليتني أعود الآن لأطير.

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى