«التموين في مواجهة السوبر ماركت».. مفاجآت العبور وسوق الخميس تهزم مبادرة السلع المخفضة

تحت ضغط الغلاء وارتفاع الأسعار المتواصل، أصبحت رحلة التسوق لاقتناء مطالب البيت الأساسية لإعداد وجبة غداء رئيسية – دون التطرق إلى البروتين من لحوم أو دواجن أو حتى أسماك- تمثل حمًلا ثقيلًا على كاهل كل أسرة، لاسيما ربة الأسرة وربان السفينة لقيادة دفة المنزل وفقًا للميزانية الشهرية وتصاعد المصاريف، بينما الدخل ثابت.
وأمام هذا الوضع، طرحت وزارة التموين 30 سلعة في 25 سبتمبر الجاري، بتخفيضات تتراوح ما بين 20 و25%، إلا أن السؤال الشاغل للجميع الآن، هل ستُخفض المبادرة الأسعار في منافذ التموين إذا ما قورنت بالأسعار في الأسواق، أم أن أزمة غلاء السلع ونفادها السريع من المنافذ ستُحول التخفيضات إلى مجرد أرقام على الورق؟.

لم تخفف العبء كما كان متوقعًا
وعلى أرض الواقع لرصد مدى تأثير المبادرة وانعكاسها على جيب المواطن، نرصد الأراء ما بين ربة منزل وموظف حكومي، وفي البداية، تقول “أم علي”، ربة منزل وتبلغ من العمر 49 عامًا، وزوجة وأم لـ 3 أبناء، إن مبادرة التموين لخفض الأسعار، لم تخفف العبء كما كان متوقعًا، قائلة: “فوجئت بأن أسعار العديد من السلع الأساسية المتاحة داخل المبادرة أغلى من سعرها الحقيقي في الأسواق الخارجية والمحلات العادية”.
وأضافت “أم علي” في تصريحها لـ”ليبرالي”، أن الأزمة لم تتوقف عند ارتفاع سعر السلعة بعد ما أعُلن عن التخفيضات، إلا أن الأزمة امتدت لتشمل عدم توافر السلع ذاتها، ونفاد معظم المنتجات الأساسية من منافذ البيع التابعة لوزارة التموين.
ومن حيث انتهت أم علي واصل، محمود كرم، رب أسرة ويبلغ من العمر 55 عامًا، ويعمل موظف بشركة القاهرة لمياه الشرب، إن سعر كيلو الأرز أو السكر بـ 25 جنيه، والدقيق بـ 20.. بس الأسعار زي أسعار أي سوبر ماركت جنب بيتي، وأوقات أغلى، والمحلات دلوقتي بتعمل عروض وتخفيضات أوقات بتكون أرخص من منافذ التموين نفسها وبجودة أفضل!”.

المشكلة مش في السعر بس.. لكن العبوة نفسها صغرت
ويضيف كرم في حديثه لـ”ليبرالي”: “المشكلة مش في السعر بس، لكن العبوة نفسها صغرت، يعني لما تشتري إزازة زيت خليط 700 مللي بـ 50 جنيه، هتكتشف إن المحلات بره بتبيع العبوة الكاملة اللتر بنفس القيمة تقريباً، غير الماركات والجودة”.
وتضم قائمة السلع الـ30 المطروحة ضمن مبادرة وزارة التموين، بما فيها الأصناف الجديدة التي يبدأ طرحها اعتبارًا من الجمعة 25 سبتمبر 2026، عدد من السلع، منها، سكر معبأ 1 كجم بسعر 25 جنيهًا، وأرز معبأ 1 كجم بسعر 25 جنيهًا، ودقيق معبأ 1 كجم بسعر 20 جنيهًا، وزيت خليط 700 مل بسعر 50 جنيهًا، ومكرونة 350 جم بسعر 9 جنيهات، وصلصة 300 جم بسعر 14 جنيهًا، وشاي ناعم 40 جم بسعر 5 جنيهات، وجبنة بيضاء مثلثات 80 جم بسعر 5 جنيهات، وجبنة بيضاء مثلثات 125 جم بسعر 7 جنيهات، وجبنة بيضاء مثلثات 250 جم بسعر 14 جنيهًا، وحلاوة طحينية سادة 40 جم بسعر 4 جنيهات، ومربى أنواع 300 جم بسعر 20 جنيهًا.
كما تضمنت طرح، لبن كامل الدسم 1 لتر بسعر 44 جنيهًا، ولبن بودرة جاف 100 جم بسعر 25 جنيهًا، ومسلي صناعي ظرف 350 جم بسعر 40 جنيهًا، ومسلي صناعي برطمان 700 جم بسعر 70 جنيهًا.

“اللبن” في السرجة..أرخص من التموين
وفي جولة بأماكن متفرقة لرصد ومقارنة أسعار مبادرة التموين بغيرها، كانت البداية مع”سرجة السلام” بفرع السيدة زينب، حيث تبيع زجاجة زيت لتر بسعر 70 جنيهًا، إلى جانب عرض كيلو الطحينة مع نصف كيلو عسل هدية، و3 علب جبنة “جبنتي” وزن ربع كيلو بسعر 45 جنيهًا، و3 علب جبنة مثلثات بسعر 35 جنيهًا.
كما شملت الأسعار، وفقًا لما رصدته “ليبرالي”، عن طرح اللبن “بخيره” وزن كيلو بسعر 40 جنيهًا، ونصف كيلو بسعر 23 جنيهًا، واللبن فرست نصف كيلو بسعر 15 جنيهًا، واللبن السائب بسعر 35 جنيهًا للكيلو.
وتكشف مقارنة هذه العروض بأسعار مبادرة خفض السلع التموينية، عن مفارقة لافتة، إذ جاءت أسعار بعض الأصناف في “سرجة السلام” أقل من الأسعار المعلنة بالمبادرة، حيث يُطرح اللبن “بخيره” وزن كيلو بـ40 جنيهًا، مقابل 44 جنيهًا للبن كامل الدسم سعة لتر ضمن المبادرة.

الأرز في المبادرة أغلى من سعره بـ “العبور”
وفي جولة ميدانية أخرى، لرصد التفاوت بين الأسعار مبادرة التموين والمحلات، رصدت “ليبرالي” داخل إحدى السلاسل التجارية الشهيرة بمنطقة الشباب بمدينة العبور، طرح كيس الأرز المعبأ وزن 1 كجم بسعر 24 جنيه، أي أرخص بجنيه عن سعر مبادرة التموين بـ25 جنيهاً.
بينما سجل الدقيق وزن 1 كيلو 18.5 جنيهًا مقابل 20 جنيهًا بالمبادرة، وبلغ سعر عبوة المكرونة 350 جرام 8 جنيهات مقارنة بـ 9 جنيهات بالتموين، أما المفاجأة فكانت في عبوة المسلى الصناعي 700 جرام التي عُرضت بـ 65 جنيهاً، في حين سعرها في التموين بـ 70 جنيهًا.
وفي جولة ثالثة داخل أروقة أحد الأسواق الشعبية، كانت محطتنا في سوق الخميس بحي المطرية، حيث تبدو معركة الأسعار أكثر شراسة على أرفف محلات العطارة وتجار البقوليات، وأظهر الرصد الميداني أن العطار يُقدم الفول البلدي نصف كيلو بسعر 15 جنيهًا فقط مقارنة بـ 16.5 جنيهاً في قائمة المبادرة، وسجل العدس الأصفر 500 جرام 20 جنيهًا مقابل 22.5 جنيهاً بالتموين، فيما طُرِح العدس بجبة بـ 18 جنيهاً للعبوة النصف كيلو بدلاً من 20 جنيهاً بالمبادرة.

وعلى الصعيد الرسمي، قال أحمد كمال، مساعد وزير التموين، إن مبادرة خفض أسعار السلع، بدأت في سبتمبر الجاري بطرح 12 سلعة أساسية، قبل زيادة عدد السلع المطروحة إلى 18 سلعة جديدة، ليصل إجمالي السلع المدرجة بالمبادرة إلى 30 سلعة، بنسب تخفيض تتراوح بين 20 و25%، مشيرًا إلى أن المبادرة تستهدف زيادة إتاحة السلع الأساسية بما يسهم في خفض الأسعار وتلبية احتياجات المواطنين.
وأضاف كمال، أن المرحلة الأولى من المبادرة بدأت بـ284 منفذًا على مستوى الجمهورية، شملت المجمعات الاستهلاكية التابعة لوزارة التموين ومنافذ مشروع “جمعيتي” ومنافذ البدالين التموينيين، موضحًا أن وزير التموين وجه بدعوة القطاع الخاص للمشاركة، وهو ما أسفر عن إعلان عدد من السلاسل التجارية مشاركتها والتزامها بالأسعار المعلنة، مؤكدًا على أن المبادرة مستمرة لمدة 6 أشهر من سبتمبر 2026 وحتى مارس 2027.
بدوره، قال الدكتور محمد عبد الحميد، عضو مجلس النواب، إن مبادرات خفض أسعار السلع الأساسية تمثل خطوة مهمة لتخفيف الأعباء عن المواطنين، إلا أن نجاحها الحقيقي يجب ألا يقاس بمجرد الإعلان عن نسب التخفيض أو زيادة عدد السلع والمنافذ المشاركة، وإنما بمدى انعكاس هذه التخفيضات بصورة فعلية على السعر الذي يدفعه المستهلك النهائي، واستمرار انخفاض الأسعار بصورة مستقرة داخل الأسواق.

معرفة السعر الحقيقي للسلعة قبل التخفيض وبعده
وأضاف عبد الحميد، أن المواطن يجب أن يكون قادرًا على معرفة السعر الحقيقي للسلعة قبل التخفيض وبعده، ومقارنة السعر المعلن ضمن المبادرة بالسعر الفعلي الذي تُباع به السلعة في الأسواق، حتى يتأكد من أن التخفيض المعلن وصل إليه بالفعل، وليس مجرد فارق سعري يختفي خلال حلقات التداول بين المنتج والمورد والتاجر.
وشدد عضو مجلس النواب، على أن المرحلة الحالية تحتاج إلى الانتقال من المبادرات المؤقتة أو الموسمية إلى منظومة أكثر استدامة لضبط الأسواق، تعتمد على الشفافية والرقابة الرقمية والمنافسة العادلة وتوسيع منافذ البيع المباشر.

ضبط الأسواق لا يتحقق بالرقابة التقليدية وحدها
وأكد عبد الحميد، على أن ضبط الأسواق لا يتحقق بالرقابة التقليدية وحدها، وإنما يحتاج إلى إتاحة المعلومات للمستهلك وتعزيز المنافسة وزيادة المعروض، مع ضمان وصول التخفيض كاملًا إلى المواطن.
وفي سياق مواز، أكد المهندس حازم الجندي، عضو مجلس الشيوخ وعضو الهيئة العليا لحزب الوفد، على أن مبادرة وزارة التموين والتجارة الداخلية لخفض أسعار السلع تمثل خطوة مهمة لتخفيف أعباء المعيشة عن المواطنين، مشيرًا إلى أن توسيع قائمة السلع من 12 صنفًا في المرحلة الأولى إلى 30 سلعة، واستمرار المبادرة حتى مارس 2027، بما يشمل شهر رمضان، يعزز من أهميتها.
وأضاف الجندي، أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع نطاق الاستفادة من المبادرة لتصل إلى القرى والمراكز والمناطق الأكثر احتياجًا، مع استهداف وجود منفذ مشارك على الأقل في كل مركز وحي.






