تحديث الرئيسيةملفات

بين العقاب والتربية.. الضرب في المدارس هل يصنع طفلًا منضبطًا أم خائفًا؟

خبراء نفسيون وتربويون: العقاب البدني في المدارس انضباط ظاهري مؤقت وآثار نفسية ممتدة 

أعاد مقطع فيديو متداول على منصات التواصل الاجتماعي ملف العنف ضد الأطفال إلى الواجهة، بعدما ظهرت خلاله سيدة وهي تعتدي بالضرب على طفل يرتدي الزي المدرسي، في مشهد أثار موجة واسعة من الغضب والاستياء، ومع الانتشار السريع للفيديو، تصاعدت روايات أولياء الأمور بشأن تعرض أبنائهم للعنف داخل المدارس، لتتسع دائرة الجدل حول حدود العقاب ووسائل تحقيق الانضباط داخل المؤسسات التعليمية.

ورغم أن الواقعة المتداولة تبين لاحقًا أنها قديمة وحدثت خارج المدرسة، فإنها أعادت تسليط الضوء على قضية العنف الموجه ضد الأطفال، وما يمكن أن يتركه الضرب أو الإهانة من آثار نفسية وتربوية تتجاوز لحظة العقاب، لتؤثر في علاقة الطالب بالمعلم والمدرسة، وربما في نظرته إلى العملية التعليمية برمتها.

وفي هذا السياق، يحذر خبراء نفسيون وتربويون من التعامل مع العنف باعتباره وسيلة لفرض الهدوء والانضباط، مؤكدين أن التربية الإيجابية تظل أكثر فاعلية في بناء بيئة تعليمية آمنة للطلاب،وبينما يعتبر البعض العقاب البدني وسيلة سريعة لفرض الانضباط والسيطرة داخل الفصل، تثير هذه الممارسات تساؤلات بشأن آثارها النفسية على الطفل، ومدى قدرتها الحقيقية على تعديل سلوكه، أم أنها قد تدفعه بدلًا من ذلك إلى الخوف والعدوانية والنفور من المدرسة والعملية التعليمية.

الآثار النفسية للعنف المدرسي

الدكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي والمخ والأعصاب
الدكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي والمخ والأعصاب

قال الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي والمخ والأعصاب، إن تعرض الطفل للضرب داخل المدرسة قد يؤدي إلى آثار نفسية متعددة، من بينها الاكتئاب والانطوائية، وقد يدفع بعض الطلاب إلى ممارسة التنمر على زملائهم، موضحًا أن الطالب الذي يتعرض للضرب من معلمه قد ينقل هذا السلوك إلى غيره، فيعتدي  على زملائه.

وأضاف «فرويز» في تصريح خاص لـ«ليبرالي» أن الأمر قد يبدأ بكراهية المادة العلمية، ثم يمتد إلى كراهية المعلم والمدرسة، وصولًا إلى النفور من العملية التعليمية نفسها، ثم كراهية لكل من يمثل له السلطة، وربما يتطور لدى بعض الحالات إلى مشاعر سلبية تجاه المجتمع والبلد، ثم إلى صدام مستمر مع كل من يمثل سلطة في حياته، سواء الأب أو المدير في العمل أو غيرهما، حتى يصبح في حالة مواجهة دائمة مع من يراه صاحب سلطة عليه.

وأوضح أن حجم الآثار النفسية الناتجة عن تعرض الطفل للعنف يختلف بحسب عمر الطفل وشدة الاعتداء، والظروف الأسرية للطفل، ومدى الدعم الذي يحصل عليه من أسرته، إلى جانب العوامل والجينات الوراثية التي يحملها.

واقعة عابرة.. أم تأثير نفسي طويل المدى؟

وأشار إلى أن الواقعة قد تتحول من موقف عابر إلى تجربة تترك أثرًا نفسيًا طويل المدى في حال كانت شدة الاعتداء كبيرة، أو صاحبها سخرية من المحيطين بالطفل، خاصة إذا شارك زملاؤه في التنمر عليه عقب تعرضه للعنف، فضلًا عن وجود عوامل وراثية أو ظروف نفسية تساعد على تفاقم الأثر.

وأكد أن التأثير النفسي لا يقتصر على الطفل الذي تعرض للضرب، وإنما قد يمتد إلى زملائه الذين يشاهدون الواقعة، موضحًا أن رد فعل الأطفال يختلف، فقد يتعامل بعضهم مع المشهد باعتباره موضعًا للسخرية من زميله، بينما قد يسقط طفل آخر الواقعة على نفسه ويبدأ في الشعور بالخوف من أن يتعرض للموقف ذاته.

وأضاف أن الخوف الناتج عن مشاهدة العنف قد تظهر آثاره في صورة اضطرابات في النوم أو الأكل، والتبول اللا إرادي أثناء النوم، مشيرًا إلى أن بعض هذه الأعراض قد تظهر كذلك لدى الطفل الذي يشاهد تعرض زميله للضرب، وليس فقط لدى الطفل الضحية.

أسباب اللجوء إلى العنف المدرسي

الدكتور محمد فتح الله أستاذ القياس والتقويم والإحصاء النفسي والتربوي
الدكتور محمد فتح الله أستاذ القياس والتقويم والإحصاء النفسي والتربوي

من جانبه، قال الدكتور محمد فتح الله، أستاذ القياس والتقويم والإحصاء النفسي والتربوي بقسم البحوث بالمركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي، إن أسباب لجوء بعض المعلمين إلى العنف والعقاب البدني متعددة، ويأتي في مقدمتها الاحتراق النفسي وضغوط العمل، في ظل الأعباء الإدارية الكبيرة  والضخمة، وارتفاع أعداد الطلاب، وضعف الموارد، بما يضع المعلم تحت ضغط عصبي ويقلل من قدرته على التحمل وضبط النفس.

وأضاف «فتح الله» في تصريح خاص لـ«ليبرالي» أن السبب الثاني يتمثل في غياب التدريب الذي يمكن المعلم من إدارة سلوك الطلاب، خاصة الطلاب ذوي السلوكيات الصعبة، وتعليمه أساليب التهدئة النفسية والتعامل مع المواقف الصعبة، بحيث تكون ردود فعله قائمة على امتصاص حالة الغضب وليس تصعيدها.

سيطرة فورية مؤقتة

أما السبب الثالث فأشار إلى أن هناك أيضًا موروثًا ثقافيًا يقول إن العصا لمن عصى، وأن العقاب البدني هو الوسيلة الأسرع، مشيرًا إلى أن استخدام العقاب البدني يمنح المعلم سيطرة فورية، لكنه لا يعالج المشكلة على المدى البعيد، ويؤدي إلى هدوء غير صحي أو هدوء مرضي.

وأشار إلى أن نقص خبرة المعلم وتدريبه في جذب انتباه الطلاب وإدارة الفصل يدفعه أحيانًا إلى فرض النظام بالطريقة التقليدية، معتبرًا أن التصور السائد عن المعلم الجيد هو المعلم الذي يسود الصمت داخل فصله «ترن الإبرة في الفصل نسمعها»، بينما التعليم الحقيقي قد يكون داخل فصل يسوده قدر من الحركة، طالما أنها حركة منظمة قائمة على التفاعل والعمل.

وأضاف أن الفصل الذي يعمل فيه الطلاب معًا ويشاركون ويتفاعلون يشبه ورشة العمل، وهو ما يمثل التعليم الحقيقي، بينما الاعتماد على التلقي والحفظ فقط قد يؤدي إلى تكديس المعلومات دون تحقيق تعلم فعلي.

انضباط ظاهري وهمي

وأكد أن الضرب قد يحقق ما وصفه بـالانضباط الظاهري الوهمي، لكنه لا يؤدي إلى انضباط حقيقي، لافتًا إلى أن من أبرز سلبيات العقاب البدني أنه قد يولد سلوكًا عدوانيًا أو تنمرًا لدى الطفل، الذي قد يحاول تقليد معلمه فيما بعد، أو يمارس العنف ضد زملائه أو ممتلكات المدرسة.

وأشار إلى أن الضرب قد يجعل المدرسة بالنسبة إلى الطفل مكانًا للخوف والألم، وهو ما قد يسهم في نفوره منها والتسرب منها، فضلًا عن زيادة معدلات القلق والاكتئاب وانخفاض التحصيل الدراسي والأكاديمي، موضحًا أن الإهانة أمام زملائه قد تؤدي كذلك إلى اهتزاز صورته أمامهم وإحداث أثر نفسي عميق يصعب إصلاحه «يشبه الزجاج المشروخ»، محذرًا من أن التعامل مع العقاب البدني باعتباره حلًا سريعًا قد يخفي المشكلة الحقيقية، مؤكدًا أن الهدوء الناتج عن الخوف لا يمثل حالة صحية أو تربوية سليمة.

العقاب التربوي الآمن

وفيما يتعلق بالفرق بين العقاب التربوي والعنف، أوضح أن العقاب التربوي الآمن، يركز على تعديل سلوك الطفل وليس إهانته، مثل أن يطلب منه إصلاح ما أفسده، وتحميله مسؤولية الخطأ الذي ارتكبه، مع الحفاظ على كرامته وإنسانيته والتعامل معه بالهدوء والعاطفة، وليس شيطنته.

في المقابل، يؤدي العنف إلى أذى جسدي ونفسي، ولا يقتصر على الضرب، وكما يشمل الإهانة والسخرية أمام زملائه واستخدام ألفاظ تحط من شأن الطفل، مثل «يا غبي، يا أذكي أخواتك» وكأنها ثأر شخصي من الطالب وهذا يمثل أمرًا غير إيجابي تربويًا.

العقاب البدني سلاح ذو حدين

وتابع أن التعامل مع العقاب البدني في المدرسة سلاح ذو حدين، فإذا السماح للمعلم بالضرب قد يؤدي لدى بعض المعلمين إلى إهانة الطلاب والتجاوز في حقهم، بينما منعه بشكل مطلق قد يجعل بعض المعلمين يشعرون بأنهم جردوا من أدواتهم ولم يعد لديهم ما يمكنهم من ضبط الفصل أو التعامل مع الطالب المشاغب.

وأضاف أن القضية تحتاج إلى حكمة في التعامل، مشيرًا إلى أن العصا كانت تعد تاريخيًا إحدى أدوات التأديب، ومؤكدًا في الوقت نفسه أن استخدام الضرب لا ينبغي أن يتحول إلى عنف أو إساءة.

وأشار إلى أن وجود معلمين يتجاوزون في استخدام العنف البدني أو اللفظي لا يُعني إلغاء أدوات المعلم أو تجريده منها، وإنما يستدعي التعامل مع التجاوز نفسه ووضع ضوابط واضحة، لافتًا إلى أن المعلم في الأصل يؤدي دورًا تربويًا قريبًا من دور الأب، وأن العلاقة بين المعلم والطالب يجب أن تقوم على التوجيه والتأديب مع الحفاظ على الاحترام والكرامة.

وطالب الخبير التربوي، الأكاديمية المهنية للمعلمين ووزارة التربية والتعليم بإعداد برامج تدريبية حقيقية تؤهل المعلمين للتعامل مع سلوك الطلاب الجامحين، خاصة الطلاب ذوي السلوكيات الصعبة، بما يساعد على إدارة الموقف تربويًا وامتصاص الغضب بدلًا من تصعيده، مؤكدًا أن إصدار التعليمات والتوصيات وحده لا يكفي.

هل نريد طفلًا منضبطًا.. أم طفلًا خائفًا؟

إبراهيم هيكل استشاري الصحة النفسية
إبراهيم هيكل استشاري الصحة النفسية

من جانبه، قال إبراهيم هيكل، استشاري الصحة النفسية، إن الضرب قد ينجح في إسكات الطفل للحظات، وقد يجعل يده تتوقف عن الحركة، وصوته ينخفض، وسلوكه يتغير أمام الشخص الذي عاقبه، لكن هناك أسئلة أهم من كل ذلك: ماذا حدث داخل الطفل؟، هل فهم لماذا كان سلوكه خاطئًا؟، هل تعلم كيف يتصرف بصورة أفضل؟ أم تعلم فقط أن الشخص الأقوى يستطيع أن يؤلم الشخص الأضعف؟.

وتابع في تصريحه لـ«ليبرالي» أن هذه ليست مجرد أسئلة تربوية، وإنما أسئلة تتعلق بالصحة النفسية للطفل ومستقبله في علاقته بنفسه وبالآخرين، مشيرًا إلى أن تقارير منظمة الصحة العالمية تنص على أن الأدلة العلمية المتراكمة تربط العقاب البدني للأطفال بآثار سلبية على الصحة النفسية والسلوك والتطور الاجتماعي والعاطفي، إضافة إلى ارتباطه بمشكلات تعليمية وزيادة السلوك العدواني.

عندما يتحول مكان التعلم إلى مصدر للخوف

وشدد «هيكل» على أن المدرسة ليست مكانًا للكتب والامتحانات فقط، إنها بيئة اجتماعية يتعلم فيها الطفل كيف يتفاعل، وكيف يخطئ، وكيف يصحح خطأه، وكيف يطلب المساعدة، وعندما يتعرض الطفل للضرب داخل المدرسة، خصوصًا إذا تكرر الأمر أو صاحبه تهديد أو إهانة أمام زملائه، فقد تتحول المدرسة في ذهنه من مكان للتعلم إلى مكان يجب أن يحذر منه.

وأوضح أنه قد تظهر آثار ذلك في صور مختلفة، منها: الخوف من الذهاب إلى المدرسة، القلق، البكاء، التوتر، اضطرابات النوم، الانسحاب، أو الشكوى المتكررة من أعراض جسدية، وهنا يجب أن نتوقف عن وصف الطفل بأنه «مدلل» أو «بيتهرب من المدرسة»، وأن نبحث أولًا عن السؤال الأهم ماذا يحدث له داخلها؟.

تراجع المستوى الدراسي

وأكد أن العنف المدرسي يؤثر على الأداء الدراسي، خاصة عندما يصبح الطفل منشغلًا بالخوف من الخطأ أكثر من انشغاله بالتعلم، فالطفل الذي يشعر أنه قد يتعرض للإهانة أو الضرب إذا أخطأ، قد يتجنب المشاركة، ويتردد في الإجابة، ويخشى التجربة، وقد يفقد تدريجيًا شعوره بالأمان والثقة في قدرته على النجاح.

ولفت إلى أن منظمة الصحة العالمية أثبتت إلى وجود ارتباط بين العقاب البدني وتراجع بعض النتائج التعليمية، إضافة إلى صعوبات في التطور المعرفي والاجتماعي والعاطفي، لذلك، عندما يتراجع طفل دراسيًا بصورة مفاجئة، لا ينبغي أن تكون أول إجابة: أنت مهمل، بل ربما يكون السؤال الأفضل، ماذا تغير؟.

العدوانية في المنزل

ولفت إلى أن البعض يظن أن الطفل الذي تعرض للضرب سيصبح أكثر هدوءًا، لكن الواقع النفسي أكثر تعقيدًا، فالطفل قد يشعر بالغضب أو العجز أو الإهانة، لكنه لا يمتلك القدرة على التعبير عن هذه المشاعر بالطريقة التي يمتلكها الشخص البالغ، فيعود إلى المكان الأكثر أمانًا بالنسبة له، وهو المنزل، ويظهر غضبه في صورة عصبية شديدة وصراخ وضرب الإخوة و العناد وسرعة الاستثارة ونوبات غضب ورفض التعليمات، وهنا يجب ألا نتعامل مع السلوك باعتباره المشكلة الوحيدة، وأحيانًا يكون السلوك رسالة عن ألم لا يعرف الطفل كيف يشرحه، مشيرا إلى الأدلة التي تستعرضها منظمة الصحة العالمية إلى ارتباط العقاب البدني بزيادة العدوانية والمشكلات السلوكية، وليس بتحسين السلوك على المدى الطويل.

الفرق بين الانضباط والعقاب

وأوضح استشاري الصحة النفسية أن من أخطر الأخطاء التربوية أن نعتقد أن الانضباط يعني العقاب، موضحًا أن الانضباط هدفه التعليم، أما العقاب فقد يتحول أحيانًا إلى مجرد إيلام.

وتابع أن الانضباط الصحي يعني أن يتعلم الطفل: ما القاعدة؟، لماذا توجد هذه القاعدة؟، ماذا يحدث إذا خالفتها؟، وكيف أصلح الخطأ؟، أما الضرب فلا يعطي الطفل بالضرورة هذه الإجابات، لافتًا إلى أن منظمة الصحة العالمية تعرف مفهوم الانضباط الإيجابي يقوم على مساعدة الطفل على تطوير الحكم على الأمور، وضبط النفس، وفهم الحدود، والسلوك الاجتماعي الإيجابي، بدل الاعتماد على القوة الجسدية.

التعامل مع الطفل المشاغب؟

وشدد «هيكل» على أن الطفل المشاغب لا يحتاج إلى إلغاء الحدود، وإنما يحتاج إلى حدود واضحة وآمنة وثابتة، موضحًا عدد من الأساليب التربوية التي يمكن استخدامها، مثل القواعد الواضحة حيث يجب أن يعرف الطفل مسبقًا ما هو السلوك المقبول وما هو غير المقبول، والعواقب المنطقية وتعني إذا أساء استخدام امتياز معين، يمكن أن يفقد هذا الامتياز لفترة محددة ومناسبة لعمره، وسحب الامتيازات حيث يمكن تقليل وقت الألعاب الإلكترونية أو بعض الأنشطة الترفيهية نتيجة لسلوك محدد، دون إهانة أو تهديد أو عنف.

وأضاف التعزيز الإيجابي حيث لا ينبغي أن ننتظر الخطأ فقط، فعندما يلتزم الطفل، يجب أن نراه ونخبره بذلك «أنا لاحظت إنك التزمت النهارده.. وأنا فخور بتصرفك»، حيث قد تكون هذه الجملة أحيانًا أكثر تأثيرًا من عشرات جمل التوبيخ، بالإضافة  الحوار بعد الهدوء وألا نحاول تربية الطفل في ذروة غضبه أو غضبنا نهدأ أولًا، ثم نتحدث.

وشدد أيضًا على ضرورة إصلاح الخطأ  بمعنى إذا أخطأ الطفل، يمكن أن نطلب منه أن يشارك في إصلاح ما أفسده بما يتناسب مع عمره فالهدف ليس أن يدفع ثمن الخطأ، وإنما أن يتعلم مسؤولية الخطأ.

ماذا نفعل مع الطفل غير الملتزم دراسيًا؟

وأشار إلى  أنه قبل أن نصف الطفل بالكسل، علينا أن نبحث عن السبب، هل لديه صعوبة في مادة معينة؟ هل يعاني من مشكلة في التركيز؟ هل يتعرض للتنمر؟ هل لديه مشكلة مع أحد المعلمين؟ هل يشعر أنه أقل من زملائه؟ هل توجد ضغوط داخل الأسرة؟ هل أصبح الهاتف والألعاب أكثر جذبًا من الدراسة؟ أم أن طريقة الدراسة نفسها لا تناسبه؟ فليس كل طفل لا يذاكر طفلًا كسولًا، وأحيانًا يكون وراء ضعف الالتزام الدراسي سبب يحتاج إلى اكتشاف، وليس إلى عقاب.

ولفت إلى أن هناك علامات لا ينبغي تجاهلها، خاصة إذا ظهرت فجأة أو استمرت لفترة، مثل: الخوف الشديد من المدرسة، التغير المفاجئ في السلوك، العدوانية غير المعتادة، اضطرابات النوم، الانسحاب، تراجع التحصيل، البكاء المتكرر، أو رفض الذهاب إلى المدرسة، موضحًا أن هذه العلامات لا تعني بالضرورة أن الطفل تعرض للضرب لكنها تستحق الاستماع والتحقق بدل الاكتفاء بالعقاب، وإذا كانت الأعراض شديدة أو مستمرة، فمن المهم الاستعانة بالمتخصص النفسي أو التربوي المناسب.

مسؤولية المدرسة بالتوازي مع مسؤولية الأسرة

وحذر من عدم الطلب من الطفل أن يتعلم احترام الآخرين بينما يتعرض هو نفسه للإهانة، مؤكدًا أن المعلم يحتاج إلى أدوات لإدارة الفصل، والمدرسة تحتاج إلى منظومة واضحة للتعامل مع السلوك الصعب، والأسرة تحتاج إلى التواصل المستمر مع المدرسة، والهدف ليس إلغاء سلطة المعلم، فالمعلم يحتاج إلى أن يكون حازمًا، لكن الحزم لا يعني العنف، يمكن أن تكون هناك قواعد صارمة دون أن تكون هناك يد مرفوعة.

واختتم «هيكل» حديثه قائلًا :«الطفل لا يحتاج إلى مدرسة يخاف فيها من الخطأ، وإنما إلى مدرسة يتعلم فيها كيف يصحح الخطأ، ولا يحتاج إلى معلم يخشاه، وإنما إلى معلم يحترمه ويثق به، ولا يحتاج إلى أب أو أم يستخدمان القوة لإثبات السلطة، وإنما إلى والدين يعرفان أن السلطة الحقيقية ليست في أن تجعل الطفل يخاف منك، بل في أن تجعله قادرًا على ضبط نفسه حتى عندما لا تكون موجودًا، الضرب قد يوقف السلوك للحظة، لكنه لا يبني بالضرورة وعيًا، أما التربية الحقيقية فهدفها أبعد من ذلك بكثير، أن تجعل الطفل يفهم، ويتحمل المسؤولية، ويصلح خطأه، ويعرف حدوده، ويحترم الآخرين دون أن يتعلم أن العنف هو الطريق إلى ذلك، وفي النهاية، ربما يكون أهم سؤال يجب أن يسأله كل أب ومعلم قبل أن يعاقب طفلًا بعد هذا العقاب.. ماذا أريد أن يتعلم الطفل؟ إذا كانت الإجابة: أن يخاف مني، فقد نجحنا في السيطرة على السلوك، أما إذا كانت الإجابة: أن يفهم خطأه ويستطيع أن يتصرف بصورة أفضل، فنحن هنا لا نعاقب الطفل فقط.. نحن نربي إنسانًا».

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى