تحديث الرئيسيةملفات

«رسائل حقيقية ومكالمات مزيفة».. كيف تطورت حيل النصب الإلكتروني لسرقة أموال الضحايا؟

حين يرتدي النصاب «زي موظف خدمة العملاء».. شهادات تكشف أحدث حيل سرقة الأموال إلكترونيًا

لم تعد عمليات النصب الإلكتروني تعتمد على رسائل مجهولة أو روابط مشبوهة يسهل اكتشافها، بل تطورت أساليب المحتالين بصورة جعلت بعض محاولات الاحتيال تبدو وكأنها إجراءات رسمية صادرة عن بنوك أو شركات اتصالات أو مقدمي خدمات الدفع الإلكتروني، ما زاد من صعوبة اكتشافها قبل وقوع الضحية في الفخ.

وبين آلاف الشكاوى التي يتلقاها المواطنون، تتنوع حيل المحتالين بين مكالمات هاتفية تنتحل صفة موظفي خدمة العملاء، وادعاءات بوجود كيان وهمي تحت مسمى «المركز القومي للاتصالات»، فضلًا عن رسائل حقيقية تصل إلى هاتف الضحية بالتزامن مع المكالمة، بما يمنح المحتال قدرًا أكبر من المصداقية ويعزز ثقة الضحية في روايته.

ولا تتوقف الحيل عند هذا الحد، حيث يستغل المحتالون أحيانًا عمليات مالية حقيقية لإقناع المستخدم باتخاذ خطوات إضافية قد تتيح لهم الوصول إلى حساباته أو تحويل أمواله، بينما لا يكتشف بعض الضحايا تعرضهم للاحتيال إلا بعد إتمام عمليات التحويل وخروج الأموال من حساباتهم.

في هذا التقرير، يرصد «ليبرالي» شهادات من واقع محاولات نصب مختلفة، وتكشف أبرز الأساليب التي يعتمد عليها المحتالون، وكيف يوظفون أسماء البنوك وشركات الاتصالات والخدمات الرقمية لاستغلال ثقة المستخدم ودفعه إلى اتخاذ قرارات قد تكلفه أمواله.

محاولات نصب تبدو رسمية

روت إحدى الفتيات لـ«ليبرالي» تفاصيل تعرضها لمحاولة نصب، بعد تلقيها اتصالًا هاتفيًا من شخص قال لها إن اسمه ياسر خالد، وإنه يعمل لدى المجلس القومي للاتصالات، وأبلغها بأن خط الهاتف الخاص بها معرض للإيقاف، مطالبًا إياها باتخاذ إجراءات عاجلة لتجديده.

وقالت الفتاة إن المتصل أخبرها بأن عليها استخدام محفظة «فودافون كاش» بصورة يومية، بمبلغ يبدأ من 60 جنيهًا إلى 60 ألف جنيه، وإلا سيتم إيقاف الخط، وهو ما أثار استغرابها، خاصة أنها لم تكن تواجه أي مشكلة في استخدام الخط،

وأوضحت أن المتصل حاول إقناعها بأن الأمر يتعلق بإجراءات رسمية، وطلب منها تنفيذ كود على هاتفها لتجديد الخط، الأمر الذي دفعها إلى الاستفسار عن الجهة التي يعمل لصالحها وكيفية التأكد من صحة كلامه، فقال لها إنه يمكنها التوجه إلى المقر في شارع التسعين بالتجمع الخامس أو القرية الذكية.

وأشارت إلى أن المتصل، وبعد إصرارها على التأكد من هويته، أخبرها بأنه سيرسل إليها رسالة نصية من الشركة، زاعمًا أن الرسالة ستتضمن كودًا خاصًا بالإجراءات المطلوبة، مؤكدًا أنه لا يطلب منها الإفصاح عن أي بيانات شخصية.

وقالت إن الرسالة وصلت بالفعل من رسائل فودافون على هاتفها، وهو ما جعل الأمر يبدو في البداية أكثر مصداقية، خاصة أن الرسائل الواردة من الشركة تظهر بالطريقة نفسها التي اعتادت رؤيتها عند استخدام بعض خدمات أو تطبيقات الشركة، ثم  طلب منها بعد ذلك إدخال أرقام وأكواد على هاتفها، وظل معها على الهاتف لأكثر من عشر دقائق، مع إصرار وضغط متواصلين لتنفيذ الخطوات التي يمليها عليها، وكانت الخطوات نجمة 21 نجمة رقم موبايل شباك، وظل يسألها عن تنفيذ العملية من عدمه لكنها صدمته وقالت له أنها ستتواصل مع خدمة عملاء فودافون أولًا للتحقق من الأمر لتكتشف عدم وجود أي إجراء يتعلق بإيقاف خطها أو ضرورة استخدام محفظة «فودافون كاش» بهذه الطريقة.

وأكدت أنها أبلغت خدمة العملاء بالواقعة وبالرقم الذي اتصل بها، كما أبلغتهم بالكود الذي وصل إليها، وطالبتهم بتفسير كيفية وصول رسالة من اسم الشركة بالتزامن مع المكالمة التي تلقتها من الشخص الذي حاول إقناعها بتنفيذ تلك الإجراءات، ولم تتلقى أي رد من الشركة، لافتة إلى أنها تقدم أي بيانات بنكية أو معلومات شخصية.

هل تمت عملية النصب بنجاح؟

وروى شخص آخر تفاصيل تعرضه لمحاولة نصب، وصفها بأنها ذكية جدًا قائلًا لـ«ليبرالي» إنه تلقى اتصالًا هاتفيًا من شخص سأله عما إذا كان يمكنه تحويل مبلغ قدره 7500 جنيه إلى رقمه، قبل أن يستفسر عن مصدر المبلغ وطريقة التحويل، سواء عبر تطبيق إنستا باي أو محفظة فودافون كاش، حيث أخبره المتصل بأنه سيحّل المبلغ من خلال ماكينة فوري، بحجة أنه استنفد الحد المسموح له بالتحويل من رقمه، ثم طلب منه تأكيد عملية التحويل أثناء المكالمة.

وأضاف أن الأمر بدا في البداية طبيعيًا، ووصلت رسالة بالفعل تفيد بإيداع مبلغ 7500 جنيه من خلال ماكينة فوري، وهو ما جعل الواقعة تبدو أكثر مصداقية، وظل يطلب منه التأكيد أثناء وجوده على الهاتف، كما أصر على الحصول على رقم شخص آخر موجود بجواره، بحجة الحاجة إليه لإتمام إجراءات التحويل، وهو ما أثار شكوكه، خاصة مع إلحاح المتصل المتكرر.

وقال إنه أنهى المكالمة، إلا أن المتصل عاود الاتصال به بعد ثوانٍ قليلة، الأمر الذي دفعه إلى التواصل مع الشخصين اللذين ذكر المتصل أن الأموال تخصهما، للتأكد من صحة عملية التحويل.

وأوضح أنه اتصل بأحدهما وسأله عما إذا كان قد أرسل مبلغًا ماليًا إلى رقمه، فأكد له أنه لم يرسل شيئًا، كما تواصل مع الشخص الآخر، الذي نفى بدوره إجراء أي تحويل، وحذره من أن المتصل قد يكون محتالًا، مشيرًا  إلى أن المتصل كان قد حاول إضفاء مزيد من المصداقية على روايته، مدعيًا أن شخصًا يدعى «مصطفى» مر عليه وأعطاه الأموال، ثم غادر، وعندما طلب منه الحصول على رقم مصطفى للتأكد من الأمر، أخبره بأنه لا يمتلك رقمه.

وأضاف أنه بعد ذلك أدرك أن الأمر يتعلق بمحاولة نصب، خاصة بعدما عاد المتصل وطلب منه «تأكيد» عملية التحويل، ثم طلب منه تأكيد الرسالة التي وصلته، موضحًا أن الخدعة، بحسب ما اكتشفه، تعتمد على وصول إشعار حقيقي يفيد بإيداع مبلغ مالي في المحفظة، وهو ما يمنح الضحية شعورًا بالاطمئنان ويجعله أكثر استعدادًا لتنفيذ الخطوات التالية التي يطلبها المحتال.

وتابع أن المتصل حاول بعد ذلك إرشاده إلى تنفيذ خطوات وأكواد على الهاتف، من بينها إدخال كود يبدأ بـ«922#»، مدعيًا أن هذه الخطوات ضرورية لتأكيد العملية، إلا أنه لم ينفذ تلك التعليمات، واكتفى بإبلاغه بأن النظام لا يظهر لديه أي طلبات، رغم محاولات إقناعه بأن المفترض أن تظهر له رسالة تطلب إدخال مبلغ مالي، وهو ما أكد له أن الهدف الحقيقي لم يكن تأكيد الإيداع، وإنما استدراجه إلى تنفيذ عملية أخرى، قد تتيح للمحتال سحب أموال من محفظته.

وأضاف أنه استمر في مجاراة المتصل لبعض الوقت لمعرفة الخطوات التي يريد الوصول إليها، بينما ظل الأخير يعاود الاتصال به بصورة متكررة، بفاصل زمني لا يتجاوز ثواني قليلة بين المكالمات، لكنه عندما أدرك المتصل أن محاولته انكشفت، قام بسبه ثم أنهى المكالمة وأغلق هاتفه.

وحذر من خطورة هذا الأسلوب، مؤكدًا أن محاولات النصب لم تعد تعتمد بالضرورة على رسائل مزيفة أو روابط مجهولة أو طلب كلمات المرور بصورة مباشرة، وإنما قد تبدأ بعملية مالية حقيقية أو إشعار صحيح، ثم يستغل المحتال ثقة الضحية واطمئنانه لإقناعه بتنفيذ خطوة أخرى يمكن أن تعرض أمواله للخطر.

فخ إلكتروني

وروى أحد الشباب إنه تعرض لسرقة مبلغ مالي قدره 82 ألفًا و500 جنيه من حسابه عبر تطبيق إنستاباي، موضحًا أنه تلقى إشعارًا على هاتفه يفيد بخصم مبلغ 2500 جنيه من حسابه.

وأضاف أنه دخل إلى تطبيق  إنستاباي وكتب كلمة المرور للتأكد من الرصيد، فوجده كما هو، إلا أنه بعد أقل من دقيقة فوجئ بميل الشاشة إلى اللون الأسود ثم إغلاق شاشة الهاتف وظهور صورة إعادة تشغيل نظام أندرويد، مع ظهور رسالة تفيد بأنه جارٍ تثبيت تحديث للنظام لمدة نحو 5 دقائق.

وأوضح أنه بعد إعادة تشغيل الهاتف، دخل إلى تطبيق إنستاباي للاطمئنان على حسابه، ليتبين له إجراء معاملتين ماليتين من حسابه، الأولى بقيمة 60 ألف جنيه والثانية بقيمة 22 ألفًا و500 جنيه، وتحويل المبلغين إلى محفظتين مختلفتين تحملان الرقم نفسه في بدايته 012 .

ثقة العميل في اسم البنك.. خبير يوضح أساليب المحتالين

من جانبه، قال علاء أبو المجد، خبير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أنه مع الانتشار السريع للمحافظ الإلكترونية، أصبحت محاولات الاحتيال أكثر تطورا، ولم تعد تقتصر على الرسائل العشوائية أو الاتصالات التقليدية، لافتًا إلى أن المحتال حاليا يحاول استغلال ثقة العميل في اسم البنك أو شركة الاتصالات أو مقدم الخدمة، ويستخدم أكثر من سيناريو لإقناعه بالكشف عن بياناته.

وأضاف «أبوالمجد» لـ«ليبرالي» أنه من أكثر الأساليب المنتشرة أن يتلقى العميل مكالمة من شخص يدعي أنه من خدمة العملاء، ويخبره بوجود مشكلة في المحفظة أو تحديث مطلوب للبيانات أو إجراء أمني، ثم يحاول الحصول على رمز التحقق OTP أو الرقم السري للمحفظة وهذا يصل للعميل برسالة من مقدم الخدمة بناء على مدخلات من المحتال برقم وبيانات صاحب المحفظة، وفي أحيان أخرى يتم إبلاغ العميل بأنه حصل على جائزة أو استرداد مبلغ أو أنه يحتاج إلى تفعيل خدمة معينة، والهدف في النهاية هو دفعه لاتخاذ إجراء مالي أو الإفصاح عن بيانات سرية.

وأشار إلى أن هناك أسلوب آخر يعتمد على الهندسة الاجتماعية، بمعنى أن المحتال لا يبدأ بطلب البيانات مباشرة، وإنما يدخل مع العميل في حوار ويجمع منه معلومات تدريجيا، ثم يستخدم هذه المعلومات لإعطائه إحساس زائف بأن المتصل بالفعل جهة رسمية.

وأوضح أنه  شخصيا تعرض لمحاولة من هذا النوع، لكن طريقة المكالمة والأسئلة جعلته يشك في الأمر، فتعامل معها بحذر ولم يشارك أي بيانات أو أكواد سرية، لافتًا إلى أن المهم هنا أن بعض الرسائل التي تصل للعميل بعد المكالمة قد تكون بالفعل رسائل حقيقية من الشركة، لأن المحتال قد يحاول تنفيذ إجراء حقيقي بالتزامن مع المكالمة، ثم يستخدم الرسالة لإقناع العميل بأن الاتصال رسمي، لذلك لا يجب أن يكون وصول رسالة من رقم الشركة وحده سبب كافى للثقة في المتصل.

وحذر من الروابط المزيفة، والحسابات التي تنتحل صفة البنوك أو شركات الاتصالات على مواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى إعلانات أو رسائل تدعي تقديم عروض أو جوائز أو خدمات مالية.

وأكد أن القاعدة الذهبية التي يجب أن يعرفها كل مستخدم للمحفظة الإلكترونية هي:« أي جهة محترمة لن تطلب منك مشاركة الـOTP أو الرقم السري للمحفظة مع موظف عبر الهاتف، ولو العميل شك في أي مكالمة، الأفضل أن ينهيها ويتواصل بنفسه مع القنوات الرسمية للجهة، بدل من الاستمرار مع الشخص الذي اتصل به».

واختتم حديثه قائلًا :« الاحتيال الرقمي يتطور مع تطور الخدمات الرقمية، وبالتالي التوعية المالية والرقمية أصبحت جزء أساسى من منظومة حماية العميل، بالتوازي مع الإجراءات الفنية والأمنية التي تقوم بها البنوك وشركات الاتصالات ومقدمو خدمات الدفع».

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى