عربي ودولي

صراع عضوية مجلس الأمن يفجر خلافًا دبلوماسيًا بين ليبيا والمغرب داخل الاتحاد الأفريقي 

تصاعد الخلاف الدبلوماسي بين ليبيا والمغرب داخل الاتحاد الأفريقي بشأن صياغة واردة في قرار المجلس التنفيذي المتعلق بالترشيحات الأفريقية للمقاعد غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي للفترة 2028–2029، في ظل تنافس البلدين على المقعد المخصص لشمال أفريقيا، بالتوازي مع منافسة نيجيريا وغينيا بيساو على ترشيح غرب أفريقيا.

مسودة تلقائية
مسودة تلقائية

ويتمحور الخلاف حول آلية التشاور لاختيار مرشح واحد عن كل إقليم، وحدود صلاحيات لجنة الترشيحات التابعة للمجموعة الأفريقية في نيويورك، ومدى جواز تعديل صياغة قرار صادر عن المجلس التنفيذي بعد اعتماده وتعميمه رسميًا.

وبينما تتمسك الرباط بضرورة تصحيح الملاحظة التوضيحية الواردة في القرار، استنادًا إلى أنها لا تعكس الصياغة التي اعتمدتها اللجنة الوزارية المعنية بالترشيحات، ترفض طرابلس اعتبار النص المنشور خطأً تحريريًا يمكن تعديله بمراسلات لاحقة، وتطالب بحسم قانوني لصلاحيات الجهات المعنية بتغيير القرارات المعتمدة داخل الاتحاد الأفريقي.

اعتراض مغربي على صياغة القرار

بدأ المسار الرسمي للخلاف بمذكرة مغربية مؤرخة في 10 سبتمبر 2026، حملت الرقم 1915/26، ووجهتها الرباط إلى بوروندي، بصفتها رئيسة لجنة الممثلين الدائمين ولجنة الصياغة، وإلى مفوضية الاتحاد الأفريقي.

وقالت المغرب إن الملاحظة المتعلقة بترشيحات شمال أفريقيا لم تكن محل دراسة أو نقاش خلال جلسة المجلس التنفيذي لوزراء الخارجية الأفارقة، وإن الصياغة الواردة في النسخة المنشورة تختلف عن الصياغة التي اعتمدتها اللجنة الوزارية المعنية بالترشيحات في ختام أعمالها يوم 27 يوليو.

وبحسب المذكرة المغربية، كانت الصياغة الأصلية تدعو دول شمال وغرب أفريقيا إلى التشاور والاتفاق على مرشح واحد لكل إقليم، مع مواصلة لجنة الترشيحات في نيويورك معالجة الملف من خلال المشاورات بهدف التوصل إلى توافق، ثم رفع تقرير إلى اللجنة الوزارية.

لكن الرباط قالت إن النص المنشور نقل المشاورات إلى «أعلى مستوى سياسي»، وكلف لجنة الترشيحات في نيويورك، «بصورة عاجلة»، بمعالجة الملف استنادًا إلى المعايير القائمة.

مسودة تلقائية
مسودة تلقائية

واستندت المغرب في اعتراضها إلى المادة 15، الفقرة الثالثة، من النظام الداخلي للجنة الوزارية، معتبرة أن إدارة الترشيحات من خلال الآليات الأفريقية في نيويورك تدخل ضمن اختصاص اللجنة الوزارية.

وطالبت بتصحيح الملاحظة وإعادتها إلى الصياغة السابقة.

بوروندي تؤيد الاعتراض المغربي وتعتذر باسم لجنة الصياغة

 

في 21 سبتمبر، أيدت بوروندي الموقف المغربي، بعدما راجعت الملاحظات والنصوص ذات الصلة، وخلصت إلى أن الطلب المغربي «مبرر ومستند إلى أساس صحيح».

وقدمت بوروندي اعتذارًا باسم لجنة الصياغة، معتبرة أن الصياغة المنشورة لا تتوافق مع النص الذي جرى العمل عليه واقترحته اللجنة الوزارية، وأنها غيّرت بصورة جوهرية نطاق الإجراء، ولا تعكس المداولات أو القرار المعتمد.

وأضافت أن النص المنشور قد يُفهم على أنه يجعل المسألة خاضعة للمجلس التنفيذي، بما يشمل الآليات الأفريقية في نيويورك وجنيف، وهو ما اعتبرته متعارضًا مع القواعد الداخلية للجنة الوزارية.

وطلبت بوروندي من أمانة مفوضية الاتحاد الأفريقي تصحيح الملاحظة دون تأخير، وتعميم النص المصحح بجميع اللغات الرسمية على الدول الأعضاء، وإرساله إلى المغرب.

ويمنح هذا الموقف الاعتراض المغربي سندًا إجرائيًا داخل الاتحاد الأفريقي، لكنه لا ينهي الخلاف؛ إذ تتمسك ليبيا بأن أي تغيير في قرار معتمد يجب أن يستند إلى إجراء قانوني واضح، لا إلى طلب دولة عضو أو اعتذار صادر عن لجنة الصياغة وحدهما.

 

ليبيا ترفض التعديل وتتمسك بالنص المنشور

 

في 25 سبتمبر، رفضت ليبيا اعتبار الصياغة المنشورة خطأً تحريريًا يمكن تصحيحه بمراسلة لاحقة، ورأت أن مفوضية الاتحاد الأفريقي أخطأت في التعامل مع نص قرار المجلس التنفيذي رقم 1361 بعد اعتماده وتعميمه رسميًا خلال دورته العادية التاسعة والأربعين.

واعتبرت طرابلس أن النص المنشور يمثل الصيغة النهائية الرسمية للقرار، بما لا يسمح بتغيير مضمونه أو تعديله دون إعادة القرار إلى المجلس التنفيذي لاعتماده مجددًا.

وقالت ليبيا إن لجنة الصياغة أدت مهمتها ضمن الولاية الممنوحة لها، وإن النص يعكس المداولات والصيغة التي اعتمدها رئيس المجلس التنفيذي.

كما رفضت الطرح القائل إن المجموعات الأفريقية في نيويورك وجنيف تعمل بصورة مستقلة عن قرارات أجهزة الاتحاد، معتبرة أنها تمثل الدول الأعضاء وتعمل في إطار مواقف حكوماتها وقرارات أجهزة الاتحاد المختصة.

وبناءً على ذلك، رأت طرابلس أن تكليف لجنة الترشيحات في نيويورك بمعالجة الملف يمثل تنفيذًا لقرار المجلس التنفيذي، وليس إحالة المسألة إلى آلية مستقلة عنه.

وأضافت أن اعتراض دولة عضو لاحقًا قد يمثل موقفًا أو تحفظًا، لكنه لا يكفي بمفرده لتعديل قرار جماعي سبق اعتماده.

طرابلس تطلب رأيًا قانونيًا لحسم صلاحيات التعديل

في 30 سبتمبر، صعّدت ليبيا الخلاف إلى المستوى القانوني، وطلبت من مكتب المستشار القانوني للاتحاد الأفريقي رأيًا مسببًا بشأن مدى جواز تعديل قرار المجلس التنفيذي أو استبداله أو تغيير مضمونه بناءً على طلب دولة عضو، دون إعادة القرار إلى المجلس للموافقة.

وطلبت طرابلس تحديد صلاحيات رئيس لجنة الممثلين الدائمين ولجنة الصياغة ومفوضية الاتحاد الأفريقي في اعتماد أي تغيير أو تعميمه، والأساس القانوني الذي تستند إليه هذه الجهات إذا كانت تملك تلك الصلاحية.

كما طلبت حسم ما إذا كان المجلس التنفيذي يملك توجيه المجموعات الأفريقية في نيويورك وجنيف، وما إذا كانت هذه المجموعات أو السفراء يملكون سلطة مستقلة تتيح لهم رفض التعليمات أو الخروج عنها.

ويمثل هذا الطلب انتقالًا بالخلاف من مستوى تفسير الصياغة إلى مسألة أوسع تتعلق بالتسلسل المؤسسي داخل الاتحاد الأفريقي، وحدود سلطة الأجهزة التنفيذية ولجان الصياغة في التعامل مع القرارات التي سبق اعتمادها.

وفي الأول من أكتوبر، وجهت البعثة الليبية لدى الأمم المتحدة مذكرة إلى كينيا، بصفتها القائمة بأعمال رئيس لجنة الترشيحات التابعة للمجموعة الأفريقية.

وأكدت المذكرة أن القرار «كما اعتُمد وجرى تعميمه رسميًا» يظل المرجعية المعتمدة، وطالبت بالدعوة بصورة عاجلة إلى اجتماع لجنة الترشيحات لتنفيذ ما تعتبره تعليمات المجلس التنفيذي.

وبذلك، تسعى ليبيا إلى تثبيت الصياغة المنشورة باعتبارها الأساس الإجرائي الذي ينبغي أن تنطلق منه المشاورات، إلى حين صدور رأي قانوني يحسم الخلاف بشأن صلاحية تعديلها.

تحركات رئيس المفوضية بين طرابلس والرباط

تزامن الخلاف مع تحركات دبلوماسية لرئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، شملت لقاءات مع مسؤولين ليبيين ومغاربة في نيويورك خلال سبتمبر، ثم زيارة إلى ليبيا مطلع أكتوبر.

ففي 22 سبتمبر، أجرى رئيس المفوضية مباحثات مع الطاهر الباعور، القائم بأعمال وزارة الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، قبل أن يلتقي وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في نيويورك يوم 24 سبتمبر، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

كما زار محمود علي يوسف ليبيا مطلع أكتوبر، في إطار تعزيز التنسيق بشأن القضايا الأفريقية، وفي مقدمتها إصلاح مجلس الأمن الدولي، والتحضير لاجتماع لجنة العشرة الأفريقية المعنية بهذا الملف، المقرر عقده في طرابلس يومي 10 و11 أكتوبر 2026، إلى جانب بحث تعزيز حضور ليبيا داخل الاتحاد الأفريقي وتنسيق مواقفها في المحافل الدولية متعددة الأطراف.

وتكتسب هذه التحركات أهمية في ظل تمسك البلدين بترشيحيهما، وسعي كل منهما إلى تعزيز موقفه داخل المؤسسات الأفريقية، غير أن عقد اللقاءات الدبلوماسية لا يعني بالضرورة انحياز رئيس المفوضية إلى أي من الطرفين، ولا يكفي وحده للاستدلال على اتجاه الوساطة أو مآلات الخلاف.

وفي سياق المنافسة، برزت أيضًا مسألة الدعم المغربي السابق لترشيح محمود علي يوسف لرئاسة مفوضية الاتحاد الأفريقي قبل انتخابه للمنصب.

 

وقد تكتسب هذه الخلفية أهمية في قراءة العلاقات السياسية بين الطرفين، لكنها لا تثبت بذاتها وجود ارتباط بين ذلك الدعم وموقف رئيس المفوضية من النزاع الحالي.

 

المنافسة على المقعد.. بين أحقية الترشح وفرص التوافق

 

تتنافس ليبيا والمغرب على تمثيل شمال أفريقيا في مجلس الأمن الدولي خلال الفترة 2028–2029، بينما تشمل المنافسة في غرب أفريقيا نيجيريا وغينيا بيساو.

وكان المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي قد أدرج الترشيحات المتعلقة بهذه المقاعد، ودعا دول شمال أفريقيا إلى التشاور والاتفاق على مرشح واحد، بما يجعل استمرار التنافس بين طرابلس والرباط تحديًا أمام مساعي التوافق الإقليمي.

وتستند أهمية المقعد إلى دور مجلس الأمن في التعامل مع قضايا السلم والأمن الدوليين، وإلى ما يوفره التمثيل الأفريقي من فرصة للمشاركة في مناقشة الأزمات التي تؤثر في القارة.

وفي هذا السياق، تتمسك ليبيا بحجة تتعلق بطول فترة غيابها عن المجلس، إذ انتهت عضويتها السابقة عام 2009، بينما انتهت عضوية المغرب عام 2013، غير أن هذه المقارنة تمثل أحد الاعتبارات السياسية التي قد يطرحها كل طرف، ولا تحسم وحدها أحقية أي منهما بالمقعد.

كما أن استمرار ترشيح دولتين من الإقليم نفسه قد يعقد جهود التنسيق الأفريقي، ويجعل المنافسة على الأصوات أكثر أهمية، خصوصًا إذا تعذر التوصل إلى مرشح توافقي قبل الانتقال إلى التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ما دور الاتحاد الأفريقي في اختيار أعضاء مجلس الأمن؟

 

تتمتع أفريقيا بثلاثة مقاعد غير دائمة في مجلس الأمن الدولي من أصل عشرة مقاعد غير دائمة، إلى جانب المقاعد الخمسة الدائمة المعروفة،  وتُنتخب الدول الأعضاء غير الدائمة لمدة عامين.

ولا يملك الاتحاد الأفريقي سلطة انتخاب عضو مجلس الأمن بدلًا من الأمم المتحدة، لكنه يؤدي دورًا سياسيًا في تنسيق الترشيحات الأفريقية والسعي إلى التوافق بشأنها.

ومن ثم، فإن ترشح دولتين من الإقليم نفسه لا يعني استحالة خوض المنافسة، لكنه قد يضعف فرص الوصول إلى موقف أفريقي موحد، ويجعل المشاورات الإقليمية ذات أهمية خاصة قبل التصويت.

ووفقًا للمادة 18 من ميثاق الأمم المتحدة، يتطلب انتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن الحصول على أغلبية الثلثين من الدول الأعضاء الحاضرة والمصوتة في الجمعية العامة.

ويعني ذلك أن الحسم النهائي يعود إلى الجمعية العامة، وليس إلى الاتحاد الأفريقي، حتى وإن كان للتوافق داخل القارة تأثير سياسي في مسار الترشيحات.

 

خلاف إجرائي أم صراع على النفوذ الدبلوماسي؟

 

يتجاوز الخلاف بين ليبيا والمغرب مسألة الصياغة الواردة في قرار المجلس التنفيذي، ليطرح تساؤلات بشأن حدود صلاحيات المؤسسات الأفريقية، ومدى إلزامية قراراتها بعد اعتمادها، والآليات التي يمكن اللجوء إليها عند ظهور خلاف حول تفسير نص رسمي أو تصحيحه.

فمن الجانب المغربي، يتمثل جوهر الاعتراض في أن الصياغة المنشورة لا تعكس ما اعتمدته اللجنة الوزارية المختصة، وأن تصحيحها ضروري للحفاظ على الاختصاصات والإجراءات المتفق عليها.

أما الموقف الليبي، فيركز على أن النص الذي جرى اعتماده وتعميمه رسميًا لا يجوز تغيير مضمونه دون اتباع مسار مؤسسي وقانوني واضح، وأن الاعتراض اللاحق من دولة عضو لا يكفي وحده لإعادة صياغة قرار جماعي.

ويظل الرأي القانوني المنتظر عنصرًا مهمًا في حسم هذا الخلاف، لأنه قد يوضح ما إذا كان الأمر يتعلق بتصحيح خطأ في نقل النص، أم بتعديل جوهري يستلزم الرجوع إلى الجهة التي اعتمدت القرار.

وفي جميع الأحوال، فإن استمرار النزاع يضع آليات التنسيق الأفريقي أمام اختبار يتعلق بقدرتها على إدارة التنافس بين الدول الأعضاء، والحفاظ على الثقة في الإجراءات المؤسسية، ومنع الخلافات الإجرائية من التحول إلى أزمات دبلوماسية أوسع.

ومع اقتراب موعد الانتخابات، يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت طرابلس والرباط ستتمكنان من التوصل إلى صيغة توافقية، أم أن المنافسة ستستمر حتى التصويت في الجمعية العامة، بما يحمله ذلك من تداعيات على وحدة الموقف الأفريقي وقدرة دول القارة على تنسيق تمثيلها داخل مجلس الأمن الدولي.

مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
مسودة تلقائية
زر الذهاب إلى الأعلى