بين صفقات الوقود وضربات المسيّرات.. الحرب الروسية الأوكرانية تدخل مرحلة جديدة
ما بين اتفاق الديزل مع بوتين واستهداف مراكز البيانات.. تصاعد الهجمات بين روسيا وأوكرانيا
كثّفت كل من روسيا وأوكرانيا هجماتها على البنية التحتية خلال الأشهر الأخيرة، في ظل استمرار الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي بدأ عام 2022، ووفقًا للأمم المتحدة، ارتفع عدد الضحايا المدنيين في أوكرانيا بنسبة 55% خلال الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام.
وفي أحدث هجوم على أوكرانيا، قال مسؤولون أوكرانيون إن روسيا هاجمت مدينة زابوروجي الأوكرانية بخمس قنابل انزلاقية، وذلك بعد يوم واحد من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن صفقة لشراء الديزل الروسي، وهي خطوة حذّرت كييف من أنها ستساعد في تمويل الحرب التي تشنها موسكو على أوكرانيا.
وأسفر الهجوم عن مقتل ما لا يقل عن 20 شخصًا، بينهم أربعة أطفال، وأصابت القنابل الانزلاقية مباني سكنية في المدينة الواقعة جنوب البلاد، صباح يوم السبت، كما أدى الهجوم إلى إصابة ما لا يقل عن 32 شخصًا آخرين، في حين لا يزال هناك مفقودون يُعتقد أنهم عالقون تحت الأنقاض.
وتُعد زابوروجي مركزًا إقليميًا رئيسيًا يقطنه أكثر من 700 ألف نسمة، وتقع على بُعد أقل من 16 كيلومترًا من خط المواجهة، كما تتعرض باستمرار لهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ الروسية.
وكتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، عبر وسائل التواصل الاجتماعي يوم السبت، أن الهجمات الروسية على منشآت الطاقة في العاصمة كييف تكشف عن النوايا الحقيقية لروسيا، مشيرًا إلى أن موسكو اختارت الحرب، ولن تكون مستعدة لإنهائها إلا عندما تشعر بأن قدرتها على إطالة أمد الصراع بدأت تتضاءل.
اتفاق الديزل بين واشنطن وموسكو
كان من المقرر أن يناقش الرئيس ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال مكالمة هاتفية، حالة يُشتبه في إصابتها بالطاعون في روسيا.
وبدلًا من ذلك، أعلن ترامب، يوم الجمعة، أن روسيا ستورد على الفور أكثر من 300 ألف طن من الديزل، تليها 500 ألف طن إضافية في نوفمبر، ثم مليون طن مباشرة بعد ذلك، كما كتب أن روسيا ستسلّم 3 ملايين طن إضافية خلال فترة زمنية قصيرة.
وأعلن ترامب الاتفاق في الوقت الذي كان فيه مبعوثاه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، يجتمعان مع مسؤولين أوكرانيين في ميامي، يوم الجمعة، لمناقشة مقترح لإنهاء الحرب.
وجاء إعلان ترامب إبرام صفقة للحصول على الديزل من روسيا في تحول مفاجئ عن سنوات من الضغط الأمريكي على موسكو بسبب حربها على أوكرانيا، وكان آخر هذه الضغوط قانون العقوبات الذي وقّعه الشهر الماضي، والذي يستهدف تقييد إيرادات النفط والغاز التي تموّل الحرب الروسية على أوكرانيا، وذلك في محاولة لمعالجة ارتفاع أسعار الوقود قبيل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
وانتقد ترامب الضربات الأوكرانية التي تستهدف مصافي النفط الروسية، معتبرًا أنها السبب في ارتفاع الأسعار العالمية.
وسارع زيلينسكي إلى انتقاد اتفاق الديزل الذي أبرمه ترامب مع روسيا، واصفًا إياه بأنه «هدية» للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأشار إلى أن كل مليار دولار إضافي تجنيه روسيا من الصادرات سيساعدها في تمويل إنتاج مكونات الأسلحة، وتحديث الطائرات المسيّرة، وإنتاج الصواريخ، وتجنيد المرتزقة.
هل تُحدث كميات الديزل الروسي فارقًا جوهريًا في أسعار الوقود الأمريكية؟
تُعد كميات الديزل التي وافقت روسيا على توريدها صغيرة نسبيًا، ولذلك يُتوقع ألا تُحدث فارقًا جوهريًا في أسعار الوقود بمحطات التزود بالوقود في الولايات المتحدة.
وارتفعت أسعار الديزل بنسبة 70% في الولايات المتحدة عقب قرار ترامب شن ضربات جوية على إيران في فبراير الماضي.
وقد أدى ذلك إلى تفاقم التضخم قبيل انتخابات التجديد النصفي، في حين أظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية الأمريكيين لا يؤيدون طريقة تعامل ترامب مع الاقتصاد.
اجتماع واشنطن وكييف والاتحاد الأوروبي
جاءت هذه الضربات الأخيرة عقب محادثات أجراها مسؤولون أوكرانيون وأوروبيون مع مفاوضين أمريكيين في ميامي، يوم الجمعة، بهدف صياغة مقترح مشترك لإنهاء الحرب.
وفي أثناء سير المفاوضات، أعلن ترامب عن صفقة الديزل، وهي خطوة قال زيلينسكي إنها فاجأت كييف.
ردود الفعل الأوروبية على اتفاق واشنطن وموسكو
صرّح رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون بأن ستوكهولم تأسف لهذا الاتفاق، مشيرًا إلى أن عائدات الطاقة تشكّل ركيزة أساسية لتمويل المجهود الحربي الروسي، كما لفت إلى أن الاتحاد الأوروبي سيعتمد يوم الاثنين حزمة العقوبات الأكثر شمولًا حتى الآن، والتي تضم 1600 بند تستهدف المجمع الصناعي العسكري الروسي.
في المقابل، أكدت الحكومة الألمانية، على لسان المتحدث باسمها ستيفان كورنيليوس، أنها لا تزال ملتزمة بالعقوبات المفروضة على روسيا، وتعمل مع شركائها الأوروبيين لفرض المزيد منها، مشددة على أن الدعم المقدم لأوكرانيا يظل ثابتًا لا يتزعزع.
أما وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي، فقد شكك في قدرة روسيا على الوفاء بالتزاماتها من الأساس، واستند إلى تقارير واردة من سفارة بلاده تشير إلى وجود نقص في الوقود حتى داخل موسكو، وإلى مصادر موثوقة تفيد بأن أوكرانيا ألحقت أضرارًا بنحو نصف القدرة التكريرية الروسية.
وتساءل سيكورسكي، عبر منصة «إكس»: «إذن، من أين ستأتي الفوائض المخصصة للتصدير؟».
تنسيق كييف مع الدول الأوروبية
ذكر زيلينسكي أن أوكرانيا تنسّق خطواتها لمواجهة الإيرادات الإضافية التي ستحصل عليها روسيا، وأنه تحدث مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن تعزيز الدفاعات الجوية، محذرًا من تزايد خطر وقوع المزيد من الضربات الصاروخية خلال الأيام المقبلة.
كما أشار زيلينسكي إلى أنه ناقش التطورات مع الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، وأن أوكرانيا ستتسلم خلال الأيام المقبلة ذخائر لمقاتلات «F-16» التي تستخدمها لاعتراض الطائرات المسيّرة من طراز «شاهد».
تصعيد الهجمات بين موسكو وكييف
صعّدت روسيا هجماتها على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا مع اقتراب فصل الشتاء، وهي استراتيجية اتبعتها خلال السنوات السابقة، وقد اتهمت كييف موسكو مرارًا باستهداف السكان المدنيين، وهو ما تنفيه روسيا.
في المقابل، تبنّت أوكرانيا بصورة متزايدة سياسة استهداف البنية التحتية الحيوية للاقتصاد الروسي، والتي غالبًا ما تقع في عمق الأراضي الروسية، بما في ذلك العديد من مصافي النفط ومحطات التصدير.
كما اندلع حريق ليلًا في محطة تحميل تابعة لمصفاة نوفوشاختينسك للنفط في روسيا، عقب تقارير عن هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية، وجاء ذلك بعد ساعات قليلة من إعلان ترامب اتفاقًا لتوريد ملايين الأطنان من الديزل الروسي إلى السوق العالمية.
ويشير الحادث إلى أن كييف ستواصل استهداف البنية التحتية للطاقة الروسية، رغم الضغوط الأمريكية، في وقت تأمل فيه إدارة ترامب خفض تكاليف الطاقة قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر.
ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية (IEA)، انخفض إنتاج المصافي الروسية في يونيو إلى أدنى مستوى له منذ 30 عامًا نتيجة لهذه الضربات، وبحلول أغسطس، لم يتبقَّ سوى خمس مصافٍ روسية كبرى لم تتعرض لأضرار جراء هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية.
كذلك، أدت عدة ضربات استهدفت مراكز بيانات مملوكة لشركة ياندكس (Yandex) إلى وضع عملاق التكنولوجيا في موقف صعب، إذ يواجه صعوبة في الحفاظ على استمرارية خدماته، وتقول كييف إن ضرباتها تهدف إلى تقليص تدفقات الإيرادات التي تغذّي آلة الحرب الروسية.
وتحوّل استهداف كييف لمنشآت الطاقة الروسية إلى أحد أهم الأسلحة التي تستخدمها لإلحاق الضرر بالاقتصاد الروسي، وإلى إحدى الأدوات التي تعتمد عليها لمواصلة المقاومة في الحرب المستمرة منذ أربع سنوات.
لكن يبقى السؤال، هل سيتوقف زيلينسكي عن استهداف مصافي النفط الروسية، في ضوء تصريحات ترامب بشأن التوصل إلى اتفاق لوقف الهجمات المتبادلة بين موسكو وكييف؟
ومن المرجح أيضًا أن يثير قرار ترامب حفيظة دول أخرى تخضع لعقوبات بسبب شراء النفط الروسي؛ إذ سبق أن فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية على الهند بسبب مشترياتها من النفط الروسي، فما الذي يجعل شراء الولايات المتحدة للوقود الروسي أمرًا مقبولًا، بينما يستوجب شراء الهند له فرض عقوبات اقتصادية؟






