الرئيسيةملفات

رحلة الألف جنيه من لقب الثراء إلى تكلفة وجبة غداء.. كيف تراجعت قوتها الشرائية خلال 10 سنوات؟

في عام 2026، لم تعد الألف جنيه كافية لتغطية تكلفة وجبة غداء لأسرة مكونة من 5 أفراد، بعدما كانت قبل سنوات قادرة على توفير جانب كبير من احتياجات المنزل، وربما شراء خزين الشهر.

فلم تكن الألف جنيه مجرد ورقة نقدية في جيب المصريين، بل ارتبطت في الذاكرة الشعبية بالثراء والهيبة، حتى كان يُقال عن صاحبها «راجل ألفي». أما اليوم، فلم تعد تكفي لتغطية احتياجات أسرة طوال الشهر، بل قد تنفد قبل انتهاء يوم واحد.

ولم يعد التحدي الذي تواجهه الأسر المصرية مقتصرًا على ارتفاع أسعار السلع، بل امتد إلى كيفية تدبير النفقات في ظل دخول لم تعد تواكب الزيادات المتتالية، ويدفع ذلك الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها بين الطعام والسكن وفواتير الكهرباء والعلاج، والتخلي عن بعض الاحتياجات لتوفير الأساسيات.

ولرصد ما يمكن أن تشتريه الألف جنيه اليوم، خضنا جولة في السوق لشراء مكونات وجبة غداء لأسرة مكونة من 4 أفراد، أنفقنا خلالها 942 جنيهًا في نصف ساعة فقط. وبين هذه التجربة وشهادة أم تحاول تدبير احتياجات أبنائها في حدود دخلها، تتضح ملامح التغير الذي طرأ على حياة الأسر المصرية، ويبرز السؤال، كيف تراجعت القوة الشرائية للألف جنيه خلال السنوات العشر الأخيرة؟

أمل: الألف جنيه لا تكفي وجبة غداء لأسرة من 5 أفراد

تقول أمل، وهي أم لثلاثة أبناء في مراحل تعليمية مختلفة، إن الألف جنيه لم تعد تكفي لإعداد وجبة غداء، موضحة أن تكلفتها لأسرة من 5 أفراد قد تتجاوز 1500 جنيه، بينما تصل تكلفة الإفطار إلى نحو 200 جنيه.

وتوضح أمل، خلال حديثها لـ«ليبرالي»، أن سعر كيلو اللحوم يتراوح بين 350 و400 جنيه، والطماطم 25 جنيهًا، والأرز 30 جنيهًا للكيلو، فيما يبلغ سعر زجاجة الزيت نحو 65 جنيهًا، وعلبة السمن 260 جنيهًا، كما تتراوح أسعار الخضراوات بين 20 و30 جنيهًا للكيلو، وتتراوح تكلفة إعداد شوربة الخضار وحدها بين 100 و150 جنيهًا.

رحلة الألف جنيه.. من خزين الشهر لـ "مبلغ  مابييسترش" في 2026

 

وتضيف أن سعر كيلو الفراخ يبلغ نحو 95 جنيهًا، بينما وصل سعر كيلو اللبن إلى 45 جنيهًا، ما دفعها إلى شراء نصف كيلو وتخفيفه بالمياه، كما توقفت الأسرة عن شراء الفاكهة إلا مرة كل شهرين تقريبًا، واستغنت عن الخيار الذي يتراوح سعره بين 30 و35 جنيهًا للكيلو.

وتقارن أمل بين قيمة الألف جنيه حاليًا وقيمتها قبل خمس سنوات، مؤكدة أنها كانت تكفي لشراء احتياجات المنزل وإعداد وجبات الإفطار والغداء والعشاء، بينما لم تعد تكفي الآن لوجبة غداء واحدة، وتشير إلى أن سعر أسطوانة الغاز وصل إلى نحو 400 جنيه.

اللحوم والأسماك على فترات متباعدة

توضح أمل أن ارتفاع الأسعار أجبرها على تقليل شراء اللحوم والأسماك والدواجن، بعدما كانت تنوع بينها على مدار الأسبوع، وتقول إنها قد تكتفي بشراء فرخة ونصف خلال أسبوعين، ثم تشتري وجبة سمك في الأسبوعين التاليين، بينما أصبحت اللحوم تُشترى على فترات متباعدة.

وتضيف أن سعر كيلو البلطي يتراوح بين 90 و120 جنيهًا، والماكريل المجمد نحو 160 جنيهًا، فيما وصل سعر كيلو العدس إلى 80 جنيهًا، ما يجعل الوجبات البديلة مكلفة أيضًا، خاصة مع ارتفاع أسعار الخضراوات والبقوليات.

وتؤكد أنها تشتري احتياجاتها يومًا بيوم، لعدم قدرتها على تخزين السلع بكميات كبيرة، محذرة من تأثير تقليل تنوع الطعام على تغذية الأطفال، لا سيما في مراحل النمو والتعليم.

رحلة الألف جنيه.. من خزين الشهر لـ "مبلغ  مابييسترش" في 2026

 

الإيجار والكهرباء والدواء تزيد الأعباء

تشير أمل إلى أنها تقيم في منطقة المطرية بالقاهرة، وتدفع إيجارًا شهريًا يبلغ نحو 3500 جنيه، إلى جانب فواتير الكهرباء والغاز ومصروفات الأبناء، وتوضح أن تكلفة شحن عداد الكهرباء قد تتجاوز ألف جنيه شهريًا، بحسب الاستهلاك.

وتقول إن راتبًا قدره 8 آلاف جنيه لا يكفي لتغطية هذه الالتزامات، خاصة مع مصروفات الاتصالات وشحن الهواتف اللازمة للاطمئنان على الأبناء أثناء وجودهم في المدرسة أو الدروس.

كما تلفت إلى ارتفاع تكلفة الأدوية، موضحة أنها فوجئت بوصول سعر شريط مضاد حيوي طلبته لابنتها، التي تعاني أعراض نزلة برد والتهاب اللوزتين، إلى 110 جنيهات، فعادت من الصيدلية دون شرائه، واكتفت بالليمون وشريط بنادول.

وتؤكد أمل أن ارتفاع الأسعار بات يفرض على الأسرة المفاضلة بين احتياجاتها الأساسية، من الغذاء والسكن إلى العلاج والتعليم، مشيرة إلى أن الألف جنيه لم تعد تكفي لتغطية الطعام لأسرة من 5 أفراد، قبل احتساب الإيجار والكهرباء والغاز والدواء وبقية المصروفات.

وتكشف تجربة أمل جانبًا من تأثير ارتفاع الأسعار على الحياة اليومية للأسر، لكن هذه الأعباء لا تنفصل عن موجات التضخم التي شهدتها مصر خلال السنوات الماضية، والتي انعكست على تكلفة السلع والخدمات وأعادت تشكيل أولويات الإنفاق لدى كثير من المواطنين.

رحلة الألف جنيه.. من خزين الشهر لـ "مبلغ  مابييسترش" في 2026

 

تطور معدلات التضخم في مصر من 2016 إلى 2026

شهدت معدلات التضخم في مصر تغيرات ملحوظة خلال السنوات العشر الأخيرة؛ إذ ارتفعت بصورة كبيرة في عامي 2016 و2017، قبل أن تتراجع تدريجيًا حتى عام 2021، ثم تعاود الارتفاع بداية من عام 2022، وتسجل مستويات قياسية خلال عام 2023. وبعد ذلك، بدأت في التراجع خلال عامي 2024 و2025، مع استمرار التذبذب في عام 2026.

محطات تطور التضخم

– 2016: بلغ معدل التضخم السنوي نحو 13.8%، قبل أن يشهد ارتفاعًا كبيرًا في العام التالي.
– 2017: قفز المعدل إلى نحو 29.5%، في واحدة من أبرز موجات ارتفاع الأسعار خلال الفترة.
– 2018: تراجع التضخم إلى نحو 14.4%، مع انحسار جزء من الضغوط السعرية.
– 2019: واصل المعدل انخفاضه ليسجل نحو 9.2%.
– 2020: تراجع إلى نحو 5%.
– 2021: استقر عند نحو 5.2%، وفق بيانات السلسلة السنوية للتضخم.
– 2022: ارتفع معدل التضخم إلى نحو 13.9%، مع تصاعد الضغوط على الأسعار.
– 2023: سجل متوسط التضخم السنوي نحو 33.9%، فيما بلغ المعدل السنوي في سبتمبر 38%، وهو أعلى مستوى وصل إليه خلال تلك الموجة.
– 2024: بلغ متوسط التضخم السنوي نحو 28.3%، رغم تراجعه في نهاية العام؛ إذ سجل المعدل السنوي لإجمالي الجمهورية 23.4% في ديسمبر، مقابل 25% في نوفمبر.
– 2025: تراجع متوسط التضخم السنوي إلى نحو 14.1%، وسجل المعدل السنوي لإجمالي الجمهورية 10.3% في ديسمبر، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
– 2026: بلغ معدل التضخم السنوي 14.5% في أغسطس، مقابل 14.9% في يوليو، وفق أحدث قراءة شهرية واردة في البيانات التي جرى التحقق منها.

وأعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 13.9% خلال سبتمبر، مقابل 14.5% في أغسطس، رغم تسارع وتيرة ارتفاع الأسعار على أساس شهري إلى 1.3%، مقارنة بـ0.1% في الشهر السابق.

وجاءت الزيادة الشهرية مدفوعة أساسًا بارتثفاع أسعار الخضراوات بنحو 15%، وزيادة أسعار مجموعة الطعام والمشروبات بنسبة 3.2%، والفاكهة بنسبة 2.6%، واللحوم والدواجن بنسبة 2.5%، في مؤشر على استمرار الضغوط السعرية على السلع الغذائية رغم تراجع معدل التضخم السنوي.

لكن معدلات التضخم، رغم أهميتها في رصد تغير الأسعار، لا توضح وحدها انعكاس هذه الزيادات على ميزانية الأسرة، أو كيفية تدبير المواطنين احتياجاتهم عندما لا تتناسب دخولهم مع نفقاتهم، ومن هذه الزاوية، يتناول الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس الفجوة بين دخول المواطنين وتكلفة المعيشة الفعلية.

رحلة الألف جنيه.. من خزين الشهر لـ "مبلغ  مابييسترش" في 2026

 

كيف يقضي المواطن المصري يومه؟

قال الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، إن هناك فجوة كبيرة بين دخول المواطنين وتكلفة المعيشة الفعلية، في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات، مشيرًا إلى أن الأرقام المتعلقة بمتوسط إنفاق الأسر لا تكشف وحدها كيفية تدبير المواطنين احتياجاتهم اليومية، أو قدرة أصحاب الدخول المحدودة على تغطية نفقاتهم.

وأضاف «النحاس»، في تصريح خاص لـ«ليبرالي»، أن هناك مبدأ يبدو أن الحكومة تتبعه، وهو «سيب المواطن يصرف نفسه بنفسه»، موضحًا أن تقديرات الإنفاق الشهري للأسرة تتراوح بين 15 و20 ألف جنيه، وقد تصل إلى 20 أو 30 ألف جنيه وفقًا لبعض التقديرات.

وتساءل عن كيفية تدبير هذه المبالغ في ظل مستويات دخول أقل بكثير، لافتًا إلى أن رواتب العاملين قد تتراوح بين 7 و10 آلاف جنيه، بينما تتراوح المعاشات بين 3 و4 آلاف جنيه، والمساعدات التي يحصل عليها المستفيدون من برنامج «تكافل وكرامة» بين 700 و800 جنيه.

وأضاف أن الفجوة بين الدخول والنفقات تثير تساؤلات بشأن مصادر الأموال التي تعتمد عليها الأسر لتغطية احتياجاتها، في ظل غياب بيانات تفصيلية توضح كيفية تدبير المواطنين مصروفاتهم، وما إذا كانوا يعتمدون على أعمال إضافية أو مصادر دخل أخرى أو مساعدات من المحيطين بهم.

وأشار إلى أن الأطعمة البسيطة التي اعتادت الأسر محدودة الدخل الاعتماد عليها لم تعد بالضرورة منخفضة التكلفة كما كانت في السابق، مستشهدًا بالجبن القديم والجبن القريش والمكرونة والفول والعدس، وأوضح أن ارتفاع أسعار هذه المنتجات يزيد صعوبة تدبير الاحتياجات الأساسية، حتى بالنسبة للأسر التي تعتمد على بدائل غذائية أقل تكلفة.

وشدد «النحاس» على ضرورة التمييز بين متوسطات الإنفاق المعلنة والواقع الفعلي لمعيشة المواطنين، معتبرًا أن فهم الأوضاع المعيشية يتطلب بيانات أكثر تفصيلًا عن أنماط إنفاق الأسر ومصادر دخلها، بما يساعد على تحديد كيفية تدبير احتياجاتها في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.

وحذر من أن اتساع الفجوة بين الدخول والنفقات يدفع بعض المواطنين إلى البحث عن مصادر بديلة لتغطية احتياجاتهم، قد تشمل أنشطة غير رسمية، مشيرًا إلى أن انتشار الاقتصاد غير الرسمي قد تترتب عليه أعباء وخسائر اقتصادية أوسع، وأن تداعيات الأزمة لا تقتصر على فئة بعينها، بل تمتد إلى مختلف فئات المجتمع.

وتتضح الفجوة بين الدخول والنفقات بصورة أكبر عند الانتقال من التقديرات العامة إلى تكلفة المشتريات الفعلية.

دكتور رشاد عبده
دكتور رشاد عبده

جولة في السوق.. 942 جنيهًا في نصف ساعة

للوقوف على تكلفة شراء مكونات وجبة غداء من واقع الأسعار في الأسواق، خضنا جولة لشراء احتياجات أسرة مكونة من 4 أفراد، وبدأت المشتريات بكيلو ونصف من البامية مقابل 100 جنيه، وكيلوجرام من الطماطم بـ50 جنيهًا، وكيلو من اللحوم بـ400 جنيه.

وشملت المشتريات أيضًا زجاجة زيت ذرة وأخرى لزيت القلي مقابل 180 جنيهًا، وكيلو أرز بـ32 جنيهًا، وكيس ملح بـ3 جنيهات، وخبزًا بـ25 جنيهًا، إلى جانب مكونات السلطة من الخيار والفلفل والجزر والليمون، بتكلفة بلغت نحو 150 جنيهًا.

وبلغ إجمالي ما أنفقناه 942 جنيهًا لشراء هذه المكونات فقط، دون احتساب أي احتياجات أخرى قد تتطلبها الوجبة، وتوضح الجولة كيف يقترب إنفاق أسرة على مكونات غداء واحد من حاجز الألف جنيه، رغم أن المشتريات لا تشمل سوى صنف رئيسي من اللحوم، وخضراوات وأرزًا وزيوتًا وخبزًا وسلطة.

وتكشف هذه التجربة حجم ما يمكن أن تستنزفه وجبة واحدة من ميزانية الأسرة، لكن فهم التغير في قيمة الألف جنيه لا يقتصر على حساب تكلفة المشتريات الحالية، بل يتطلب مقارنتها بما كان هذا المبلغ قادرًا على شرائه في الماضي، وهي المقارنة التي يستند إليها الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده في حديثه عن تراجع القوة الشرائية وانعكاسه على حياة المواطنين.

الألف جنيه.. كيف تراجع لقب الثراء وأصبح المبلغ لا يكفي ثمن الغداء؟

يتناول الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، ملف تراجع القوة الشرائية، موضحًا كيف تحولت الألف جنيه من مبلغ ارتبط بالثراء إلى قيمة لا تكفي لتغطية كثير من الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع معدلات التضخم وزيادة أسعار السلع والخدمات، فما كان يمكن شراؤه بهذا المبلغ في الماضي لم يعد ممكنًا بالقدر نفسه اليوم.

وأوضح «عبده»، في حديثه لـ«ليبرالي»، أن تقييم تراجع القوة الشرائية لا يعتمد فقط على معدلات التضخم المعلنة، وإنما على انعكاس الزيادات السعرية على حياة المواطنين وقدرتهم على تلبية احتياجاتهم اليومية، وضرب مثالًا بما كان يذكره لطلابه في الجامعة عن أسعار بعض السلع قبل خمسين عامًا، حين كان سعر البيضة تعريفة، وهو ما يثير دهشة الطلاب الذين لم يعودوا يعرفون قيمة هذه الفئة النقدية.

وأشار إلى أن مقارنة أسعار السلع الأساسية قبل عشر سنوات بأسعارها الحالية تكشف حجم الزيادات، التي تجاوزت 100% في بعض السلع، وضرب مثالًا بكيلو اللحوم الذي كان يُباع بنحو 200 جنيه قبل ثلاث سنوات فقط، ثم ارتفع إلى 400 أو 450 جنيهًا، مضيفًا أن الكيلو نفسه كان يُباع بجنيه واحد في أوائل الثمانينيات.

وأضاف أن ارتفاع أسعار الخدمات الحكومية، مثل الكهرباء والغاز والمياه، ينعكس مباشرة على أسعار القطاع الخاص، وأن زيادة أسعار الوقود لا تقتصر آثارها على تكلفة المواصلات، بل تمتد إلى حلقات الإنتاج المختلفة، من تشغيل المعدات الزراعية إلى نقل الخضراوات والسلع.

وانتقد «عبده» ما وصفه بتضارب التصريحات الحكومية بشأن أسعار البنزين، وعدم التوفيق في توقيت بعض القرارات، مستشهدًا بالإعلان عن تطبيق الدعم النقدي اعتبارًا من سبتمبر بالتزامن مع رفع سعر رغيف الخبز من جنيه إلى جنيهين ونصف.

وأكد أن زيادة الأجور لا تعني بالضرورة تحسن مستوى المعيشة، موضحًا أن هناك فرقًا بين الدخل النقدي والدخل الحقيقي. فالموظف الذي يرتفع راتبه من 3 آلاف إلى 4 آلاف جنيه، بزيادة قدرها 33%، قد يصبح عاجزًا عن شراء الكمية نفسها من السلع التي كان يشتريها قبل الزيادة.

وأشار إلى أن ذلك يدفع الأسر إلى ما وصفه بـ«الترشيد الإجباري»، إذ تتحول الأسرة التي كانت تشتري كيلو لحوم أسبوعيًا إلى شراء نصف كيلو كل أسبوعين، وتتراجع عن شراء الفاكهة للأطفال، وتقلل من الخروج إلى السينما والمسرح.

وحذر «عبده» من التداعيات الاجتماعية لهذه الضغوط، معتبرًا أن تراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية يزيد هشاشة الفئات محدودة الدخل والأسر التي تعيلها المرأة بمفردها، وأضاف أن تراجع معدل المواليد لا يمكن اعتباره إنجازًا في حد ذاته، بل قد يعكس عجز الشباب عن تحمل تكاليف الزواج وتكوين أسرة، كما ربط ارتفاع معدلات الطلاق بالأعباء المعيشية.

واستشهد بتجربته الشخصية عقب تخرجه في أوائل الثمانينيات، حين كان يتقاضى 17 جنيهًا و22 قرشًا و3 مليمات، وكان يستطيع العيش والادخار، لأن إيجار الشقة كان يتراوح بين 5 و6 جنيهات.

وفي المقابل، ضرب مثالًا بشاب وزوجته يعملان في القطاع الخاص ويسكنان في منطقة شعبية تشبه العشوائيات، بإيجار شهري يبلغ 2100 جنيه، ويعجزان عن سداده لولا مساعدة والد الزوجة.

وتذكر نقاشًا دار في مؤتمرات اقتصادية خلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، حين أوضح أن تقييم تكلفة السكن لا ينبغي أن يعتمد على قيمة الإيجار وحدها، بل على نسبته إلى الدخل، فالإيجار الذي يمثل نسبة بسيطة من راتب المواطن في الخارج قد يلتهم نصف دخل المواطن المصري، وهي ملاحظة قال إن مبارك أخبره بعدها بأنها أحرجته.

وأشار إلى أن ربة المنزل تتحمل العبء الأكبر في إدارة هذه الأزمة، إذ أصبحت بمثابة وزير مالية داخل بيتها، تعيد ترتيب الأولويات، وتلجأ إلى الجمعيات للادخار استعدادًا لشهر رمضان ودخول المدارس، وتدبر تكاليف العلاج والأدوية للأبناء دون أن تشعرهم بنفاد المال.

واختتم «عبده» بالإشارة إلى تصريح رئيس الجمهورية بأن الأسرة لا تستطيع العيش بأقل من 10 آلاف جنيه، متسائلًا عن حال من يقل دخلهم عن هذا المبلغ، وأضاف أن الألف جنيه التي ارتبطت في الماضي بالثراء لم تعد تشتري ما كانت تشتريه قبل عشر سنوات إلا بمبلغ يصل إلى 20 ألف جنيه، بحسب تقديره.

تطور سعر الدولار مقابل الجنيه المصري من 2016 إلى 2026

لا تنفصل رحلة تراجع القوة الشرائية عن التحولات التي شهدها سعر صرف الجنيه أمام الدولار خلال السنوات الماضية، إذ يمثل سعر الصرف أحد العوامل المؤثرة في تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، ويكشف تطور سعر الدولار منذ عام 2016 جانبًا آخر من التحولات الاقتصادية التي شهدتها الفترة نفسها.

شهد سعر الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري تحولات متلاحقة خلال الفترة من 2016 إلى 2026، بدأت بقرار تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016، واستمرت مع موجات متتالية من ارتفاع الدولار أمام الجنيه.

ففي عام 2016، تراوح سعر الدولار بين 7.71 جنيه في مطلع العام ونحو 18.10 إلى 19.56 جنيهًا بنهايته، عقب قرار تحرير سعر الصرف في نوفمبر.

وخلال عام 2017، تراوح سعر الدولار في البنوك المصرية بين 15.60 و19.60 جنيهًا، بينما سجل في عام 2018 مستويات تراوحت بين 17.60 و17.97 جنيهًا.

وفي عام 2019، تراجع سعر الدولار من 17.87 جنيهًا في بداية العام إلى 15.99 جنيهًا بنهايته، واستمر الاتجاه النزولي خلال عام 2020، إذ انخفض بنحو 43 قرشًا على مدار العام، بعدما بدأ عند مستويات تجاوزت 16 جنيهًا، قبل أن يستقر عند نحو 15.70 جنيهًا.

وشهد عام 2021 استقرارًا نسبيًا في سعر الصرف، إذ تراوح سعر الدولار بين 15.60 و15.80 جنيهًا، وفقًا للبيانات المنشورة عن تحركاته خلال العام.

لكن هذا الاستقرار لم يستمر طويلًا؛ إذ ارتفع سعر الدولار خلال عام 2022 من نحو 15.68 جنيهًا في بدايته إلى 24.68 جنيهًا بنهايته، عقب تحريكين رئيسيين لسعر الصرف في مارس وأكتوبر من العام نفسه.

وفي عام 2023، تراوح سعر الدولار بين 24.67 جنيهًا في بداية العام و30.94 جنيهًا بنهايته، قبل أن يواصل ارتفاعه خلال عام 2024، متحركًا من نحو 30.83 جنيهًا في بداية العام إلى 50.81 جنيهًا بنهايته.

وخلال عام 2025، تراوح سعر الدولار مقابل الجنيه المصري بين 47.20 و51.73 جنيهًا، وفي ختام تعاملات الأحد 11 أكتوبر 2026، سجل الدولار مستويات تراوحت بين 52.38 و52.60 جنيهًا للشراء، وبين 52.48 و52.70 جنيهًا للبيع، بحسب اختلاف البنوك العاملة في السوق المصرية.

الضغوط المعيشية مستمرة

بين أسعار الطعام والخدمات والإيجارات، لم تعد قيمة الألف جنيه تُقاس برقمها، بل بما تستطيع شراءه فعليًا، فالمبلغ الذي كان يوفر جانبًا كبيرًا من احتياجات المنزل بات يقترب من تكلفة مكونات وجبة واحدة، لتبقى القدرة على تدبير بقية احتياجات الأسرة التحدي الأكبر في ظل أعباء المعيشة المتزايدة.

زر الذهاب إلى الأعلى