ملفات

أزمة السكر.. هل تصل عاصفة «النينيو» إلى أرفف المتاجر المصرية؟

قد يبدو الربط بين اضطرابات المناخ في البرازيل وتكلفة السكر في الأسواق المصرية بعيدًا للوهلة الأولى، لكن اعتماد مصر على استيراد السكر الخام يجعل تطورات الإنتاج في الدولة الواقعة بأمريكا الجنوبية عاملًا مهمًا في معادلة تأمين احتياجات السوق المحلية.

وبينما تواجه زراعة قصب السكر اضطرابات مرتبطة بعدم انتظام الأمطار، تتجه الأنظار إلى قدرة البرازيل على الحفاظ على وتيرة الإنتاج والتصدير، في وقت تشير فيه التقديرات الأمريكية إلى احتمال تراجع إنتاج السكر المصري خلال موسم 2026/2027.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة مع توقعات وصول واردات مصر من السكر إلى نحو 1.06 مليون طن خلال الموسم نفسه، وفق تقرير مكتب الشؤون الزراعية الأمريكي بالقاهرة، الذي أشار إلى استمرار البرازيل موردًا رئيسيًا للسكر الخام إلى مصر، بينما يظل الاتحاد الأوروبي المصدر الأبرز للسكر المكرر.

وتضع هذه الأرقام البرازيل في قلب معادلة تأمين احتياجات مصر من السكر، لكنها تثير تساؤلات حول قدرة السوق المحلية على التعامل مع أي اضطرابات في الإمدادات الخارجية، خاصة إذا تزامنت مع انخفاض الإنتاج المحلي وارتفاع تكلفة الاستيراد.

البرازيل.. المورد الرئيسي للسكر الخام المصري

لا تقتصر أهمية البرازيل على كونها واحدة من أكبر منتجي السكر عالميًا، بل تمتد إلى موقعها في منظومة الواردات المصرية، فوفق تقرير وزارة الزراعة الأمريكية السنوي عن السكر في مصر، الصادر في مايو 2025، كانت البرازيل المورد الرئيسي للسكر الخام المصري خلال السنوات الخمس السابقة، مع توقع استمرار هذا الدور خلال موسم 2025/2026.

وتدعم بيانات التجارة الدولية هذه العلاقة، إذ سجلت واردات مصر من السكر الخام المصنوع من قصب السكر نحو 955.2 ألف طن من البرازيل خلال عام 2024، بقيمة تقارب 947.5 مليون دولار، وفق قاعدة بيانات التجارة الدولية «WITS» التابعة للبنك الدولي، والمستندة إلى بيانات الأمم المتحدة.

ويعكس هذا الرقم الوزن الكبير للبرازيل في واردات مصر المسجلة ضمن هذا التصنيف، لكنه لا يمثل إجمالي واردات السكر بجميع أنواعه، كما لا يكفي وحده لتحديد حجم الواردات المقبلة، التي تتغير بحسب احتياجات السوق المحلية والمخزونات والتعاقدات والسياسات المنظمة للاستيراد.

النينيو تضغط على وتيرة عصر القصب

أشارت تقارير زراعية واقتصادية منشورة خلال سبتمبر وأكتوبر 2026 إلى أن الأمطار غير المنتظمة المرتبطة بظاهرة النينيو تؤثر في وتيرة عصر قصب السكر بمنطقة وسط وجنوب البرازيل، التي تُعد المنطقة الرئيسية لإنتاج القصب في البلاد.

وتكمن أهمية هذه التطورات في أن اضطراب عمليات الحصاد والعصر قد يؤثر في توقيت توافر الكميات المخصصة للتصدير وانتظام الإمدادات، لكن تأخر عمليات العصر لا يعني بالضرورة انخفاض الإنتاج النهائي بالنسبة نفسها، إذ يتوقف الأثر الفعلي على تطورات الطقس خلال بقية الموسم، ومعدلات استخلاص السكر، وقدرة المصانع على تعويض التأخير.

لذلك، يتطلب تحديد حجم التأثير المحتمل على مصر متابعة نتائج الإنتاج والصادرات البرازيلية الفعلية، وليس الاكتفاء بمؤشرات الطقس أو التوقعات الأولية، ويظل المعيار الأساسي هو مدى انعكاس هذه الاضطرابات على الكميات المتاحة للتصدير، وتوقيت التوريد، وأسعار التعاقدات الجديدة.

تراجع الإنتاج المحلي يزيد أهمية الواردات

تأتي التطورات الخارجية في وقت تتوقع فيه وزارة الزراعة الأمريكية انخفاض إنتاج مصر من السكر إلى نحو 3 ملايين طن خلال موسم 2026/2027، مقابل 3.18 مليون طن في الموسم السابق، بتراجع قدره 180 ألف طن، وفق التقرير الأمريكي الصادر في مايو 2026.

ويُعزى الانخفاض المتوقع إلى تراجع إنتاج بنجر السكر، إلى جانب انخفاض طفيف في إنتاج قصب السكر، ويقدّر التقرير الإنتاج المحلي بنحو 2.3 مليون طن من البنجر و700 ألف طن من القصب، بما يعكس الوزن الأكبر للبنجر في هيكل الإنتاج المصري.

وفي المقابل، تُقدّر الواردات بنحو 1.06 مليون طن خلال الموسم نفسه، بينما يتوقع التقرير ارتفاع الاستهلاك المحلي إلى نحو 3.9 مليون طن، مع تراجع المخزون الختامي المتوقع إلى نحو 1.105 مليون طن، مقابل 1.245 مليون طن في الموسم السابق.

وتعكس هذه التقديرات أهمية الواردات والمخزونات في تلبية احتياجات السوق المحلية، لكنها لا تعني بالضرورة حدوث نقص في المعروض؛ إذ يتوقف توازن السوق على إجمالي الكميات المتاحة، والمخزون المرحّل من الموسم السابق، وحجم الاستهلاك والصادرات، إلى جانب تطورات الإنتاج المحلي والواردات الفعلية، غير أن الاعتماد على الواردات يجعل تكلفة تأمين احتياجات السوق أكثر ارتباطًا بتطورات الأسواق الخارجية، خاصة إذا تزامنت اضطرابات الإمدادات مع ارتفاع الأسعار العالمية أو تكاليف النقل والتمويل.

كيف تصل اضطرابات البرازيل إلى أسعار السكر في مصر؟

تمر العلاقة بين الإنتاج البرازيلي والسوق المصرية بعدة حلقات، فإذا أدت اضطرابات الطقس إلى تراجع الكميات المتاحة للتصدير أو تأخر وصولها، فقد تتأثر الأسعار العالمية وتكاليف التعاقد والشحن، وعند استيراد السكر الخام، تدخل هذه العناصر في حساب التكلفة النهائية، إلى جانب سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، وتكاليف التأمين والتمويل والتكرير والتوزيع.

وتكشف التحركات الأخيرة في البورصات العالمية عن ضغوط مرتبطة بتوقعات الإنتاج، إذ ارتفعت العقود الآجلة للسكر الخام بنسبة 2.3% إلى 20.72 سنتًا للرطل، وصعدت عقود السكر الأبيض بنسبة 2.4% إلى 555.60 دولارًا للطن، وسط مخاوف من تأثير الأمطار الغزيرة المرتبطة بظاهرة النينيو على إنتاج البرازيل، إحدى أكبر الدول المنتجة للسكر في العالم.

ولم تقتصر المخاوف على البرازيل؛ إذ تراجعت تقديرات إنتاج السكر في الاتحاد الأوروبي لموسم 2026/2027 بنسبة 8% بسبب الجفاف الصيفي، كما انخفضت توقعات الإنتاج الأمريكي بنسبة 0.8% إلى أدنى مستوى منذ موسم 2019/2020، وتزيد هذه التطورات أهمية متابعة إجمالي المعروض العالمي، لأن تراجع الإنتاج في أكثر من منطقة منتجة قد يحد من الكميات المتاحة للتجارة الدولية ويضغط على الأسعار.

لكن انتقال الضغوط الخارجية إلى سعر البيع المحلي ليس آليًا، ولا يحدث بالضرورة بالنسبة نفسها؛ فالمخزونات المتاحة، وتوقيت إبرام العقود، وتنوع مصادر التوريد، وحجم المنافسة في السوق، والسياسات الحكومية المنظمة للاستيراد، كلها عوامل قد تخفف أثر ارتفاع الأسعار العالمية أو تؤخر ظهوره.

وفي هذا السياق، أشار التقرير الأمريكي المنشور في مايو 2026 إلى قرار وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية رقم 119 لسنة 2026، الصادر في أواخر مارس، بشأن إخضاع واردات السكر الخام والمكرر لموافقة وزيري التموين والاستثمار، بعد تقديم طلب ترخيص يحدد الكميات المستوردة.

هشام الدجوي: المخزون المحلي والتصدير معادلة لتوازن السوق

يؤكد هشام الدجوي، رئيس شعبة المواد الغذائية بالغرفة التجارية بالجيزة، في حديثه لـ«ليبرالي»، أن مصر لديها فائض في مخزون السكر يكفي احتياجاتها لمدة عام ونصف العام، مشيرًا إلى أن وفرة المعروض أتاحت فتح باب التصدير، بحسب تصريحاته.

وأضاف «الدجوي»، أن موسم إنتاج السكر المحلي المقبل، المقرر أن يبدأ مع حصاد القصب في يناير، يُتوقع أن يشهد إنتاجًا كبيرًا من القصب والبنجر، واعتبر أن استقرار أسعار السكر التمويني مؤشر على توافر المعروض، مشيرًا إلى أن سعر السكر السائب خارج منظومة التموين يبلغ نحو 23 جنيهًا للكيلو جرام، مقابل سعر تمويني لا يتجاوز 21 جنيهًا، وفقًا لما ذكره.

وتتزامن هذه التصريحات مع استمرار العمل بقرار السماح بتصدير السكر بمختلف أنواعه حتى نهاية عام 2026، بشرط اقتصار الكميات المصدرة على الفائض عن احتياجات السوق المحلية، على أن تتولى وزارة التموين تحديد الكميات المتاحة للتصدير، بعد موافقة وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية.

لكن تحركات الأسعار المحلية تشير إلى أن وفرة المعروض لا تمنع ارتفاع الأسعار بالضرورة؛ إذ ارتفع سعر طن السكر من نحو 21 ألف جنيه إلى 25 ألف جنيه، بالتزامن مع السماح بالتصدير، بعد فترة من تراجع الأسعار نتيجة زيادة الإنتاج ومنافسة السكر المستورد للمنتج المحلي.

كما ارتفع سعر الكيلو جرام للمستهلك من نحو 25 جنيهًا إلى 27 جنيهًا، وفق تقديرات منشورة في أكتوبر 2026، وسط توقعات باستقرار الأسعار إذا استمر المعروض في تلبية احتياجات السوق.

ويعكس هذا التحرك أهمية التمييز بين توافر الكميات في السوق ومستوى الأسعار؛ إذ يمكن أن تتغير الأسعار بفعل قرارات التصدير وتكلفة الإنتاج والمنافسة، حتى مع استمرار الإنتاج المحلي وتوافر المخزون.

وفيق نصير: الإنتاج المحلي والمخزون يحدّان من تأثير النينيو

يرى الدكتور وفيق نصير، عضو البرلمان العالمي للبيئة، أن التغيرات المناخية المتزامنة مع ظاهرة النينيو في البرازيل قد تؤثر في إنتاج السكر وتنعكس على أسعار العقود الآجلة في البورصات العالمية، بما قد يرفع تكلفة الاستيراد عالميًا.

لكن «نصير» يرى أن المخزون المحلي والإنتاج الوطني يقللان من حدة التأثير المحتمل على السوق المصرية، مشيرًا إلى أن إنتاج السكر من البنجر وقصب السكر يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد، وأن المخزون الاستراتيجي يمثل عامل حماية من تقلبات الأسواق العالمية.

WhatsApp Image 2026 10 14 at 6.50.37 PM

وتشير تقديرات أوردها «نصير» إلى تجاوز نسبة الاكتفاء الذاتي من السكر في مصر 85%، اعتمادًا على إنتاج البنجر والقصب، مع وجود مخزون استراتيجي يلبي احتياجات الاستهلاك لعدة أشهر.

وفي ضوء هذه المعطيات، يتوقف تأثير اضطرابات الإنتاج البرازيلي على السوق المصرية على حجم الكميات المتاحة عالميًا، وتطور الأسعار وتكاليف الاستيراد، إلى جانب قدرة الإنتاج المحلي والمخزون على تلبية الطلب، فاضطرابات الطقس قد تضغط على الأسواق الدولية، لكنها لا تعني بالضرورة نقص السكر في مصر أو انتقال الزيادة العالمية إلى المستهلك بالنسبة نفسها.

زر الذهاب إلى الأعلى