العدل

العمالة المؤقتة في مصر.. سنوات من العمل بلا ضمانات ومطالب بتعزيز الحماية القانونية والاجتماعية

حزب العدل يفتح ملف العمالة المؤقتة ويناقش مشروع قانون لحمايتها قانونيًا

نظمت أمانة العمال المركزية بحزب العدل، ندوة بعنوان المؤقت الذي لا ينتهي.. العمالة المؤقتة في مصر بين واقع سوق العمل والحماية القانونية  لمناقشة مشروع القانون الذي تقدم به النائب علي خالد خليفة، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، بشأن تنظيم العمالة المؤقتة، وبحث آليات تعزيز الحماية القانونية والاجتماعية لهذه الفئة.

وضعت الندوة مشروع القانون في صدارة مناقشاتها، من خلال بحث مواده وآليات تطبيقه، وما يستهدفه من تنظيم أوضاع العمالة المؤقتة واليومية والموسمية والعرضية، وتعزيز حقوقها التأمينية، وتوفير الضمانات اللازمة لحمايتها أثناء الانتقال إلى مواقع العمل، إلى جانب مناقشة التحديات المرتبطة بطبيعة التعاقدات المؤقتة، وعدم الاستقرار الوظيفي، والأجور، والتأمينات الاجتماعية، ومدى تمتع هذه الفئات بحقوق العمل والحماية الاجتماعية.

وتناولت الندوة ثلاث محاور أساسية: المحور الأول النص القانوني والواقع الفعلي، والمحور الثاني العمالة غير المنتظمة وغير الرسمية بين غياب العقد وغياب الحماية، والمحور الثالث تشغيل العمال من الباطن وتوريد العمالة.. من هو صاحب العمل الحقيقي.

العمالة المؤقتة في مصر.. سنوات من العمل بلا ضمانات ومطالب بتعزيز الحماية القانونية والاجتماعية
العمالة المؤقتة في مصر.. سنوات من العمل بلا ضمانات ومطالب بتعزيز الحماية القانونية والاجتماعية

 

مستقبل العامل معلقًا دون ضمانات

وأكد محمد مصطفى، أمين العمال بحزب العدل، أن ملف العمالة المؤقتة يحتاج إلى حلول عملية تضمن تحقيق التوازن بين حقوق العمال ومتطلبات سوق العمل، مشيرًا إلى أن استمرار العامل لسنوات في جهة عمل واحدة دون ضمانات كافية للأمان الوظيفي يعكس تحديًا يستدعي المعالجة التشريعية.

وقال مصطفى، خلال كلمته أن رؤية حزب العدل القائمة على الليبرالية الاجتماعية تجمع بين حرية الاقتصاد وتشجيع الاستثمار وخلق فرص العمل، وبين تحقيق العدالة الاجتماعية وحماية حقوق العامل وأجره وضماناته الاجتماعية والصحية.

وأضاف أن الحزب لا يعارض مرونة سوق العمل أو مصالح أصحاب الأعمال، لكنه يؤكد ضرورة تحقيق التوازن في العلاقة بين العامل وصاحب العمل، بما يضمن عدم تحول مرونة التشغيل إلى وسيلة لحرمان العمال من حقوقهم أو استمرار علاقات العمل الدائمة تحت مسمى العمالة المؤقتة.

وأوضح أن الندوة تستهدف الاستماع إلى مختلف أطراف منظومة العمل، والخروج بمقترحات عملية تمهيدًا لإعداد ورقة تشريعية تعبر عن واقع العمالة المؤقتة وتطرح حلولًا قابلة للتطبيق، مؤكدًا انفتاح أمانة العمال بالحزب على التعاون مع العمال وأصحاب الأعمال والنقابات والحقوقيين والخبراء والنواب للوصول إلى معالجات تحقق التوازن بين حقوق العمال ومصالح أصحاب الأعمال ودعم الاقتصاد المصري، مشددًا على أن جوهر الأزمة لا يكمن في أن تكون طبيعة العمل مؤقتة، وإنما في أن يظل مستقبل العامل معلقًا دون ضمانات، مهما طالت سنوات عمله.

 

الحماية الاجتماعية والصحية للعمالة غير المنتظمة ضرورة لضمان الاستقرار الأسري والمجتمعي

أكد عنتر جاد، نائب رئيس حزب العدل، أن مفهوم الأمن والاستقرار لا يقتصر على الجانب الأمني فقط، وإنما يمتد ليشمل الاستقرار النفسي والأسري، وتوفير حياة كريمة للعامل، بما يضمن خروجه إلى عمله مطمئنًا على مستقبل أسرته وقدرته على العودة إليها بأمان.

وأوضح جاد أن العمالة غير المنتظمة والموسمية في قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة تواجه تحديات كبيرة في ظل غياب العقود الرسمية وعدم التثبيت، الأمر الذي يحول دون استفادة كثير من العمال من مظلة التأمينات، ويجعلهم أكثر عرضة للأزمات في حالات إصابات العمل أو التعرض لظروف طارئة.

وأشار نائب رئيس حزب العدل إلى أن الحزب بادر بطرح قضية العمالة غير المنتظمة ومناقشتها في عدد من القطاعات، انطلاقًا من أهمية الوصول إلى حلول عملية وتشريعات تضمن حماية العمال وصون حقوقهم، مؤكدًا أن توفير الحماية الاجتماعية والصحية يمثل أولوية أساسية لضمان مستقبل أكثر استقرارًا للعامل وأسرته.

وأضاف أن الجلسات الحوارية والنقاشية المستمرة تستهدف الوصول إلى رؤى جادة لصياغة قوانين توفر بيئة عمل آمنة ومستقرة، وتحمي العمال من التعسف، وتضمن حصولهم على حقوقهم الطبية والاجتماعية، بما يعزز الاستقرار المجتمعي ويحقق التوازن بين متطلبات العمل وحقوق العاملين.

 

تهديد الأمان الوظيفي للعمال

 

سلط القيادي العمالي كمال عباس المنسق العام لمركز النقابات العمالية وخدمات العمال الضوء على إشكالية العمالة المؤقتة في مصر، وما تثيره من تساؤلات بشأن الأمان الوظيفي والحماية القانونية للعمال، مشيرًا إلى أن التوسع في استخدام العقود محددة المدة قد يؤدي إلى استمرار العامل في وظيفته لسنوات دون ضمانات كافية للاستقرار الوظيفي.

وأوضح عباس أن المادة الأولى من قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 عرّفت العمل المؤقت بأنه العمل الذي يدخل بطبيعته فيما يزاوله صاحب العمل من نشاط، وتنقضي بطبيعة إنجازه مدة محددة، معتبرًا أن صياغة التعريف تثير تساؤلات بشأن حدود استخدام العقود المؤقتة ومدى ارتباطها بطبيعة العمل الفعلية.

 

وأشار إلى أن المادة 87 من القانون تجيز إبرام عقد العمل لمدة غير محددة أو لمدة محددة إذا كانت طبيعة العمل تقتضي ذلك، مع إمكانية تجديد العقد باتفاق الطرفين لمدد أخرى مماثلة، لافتًا إلى ضرورة وضع ضوابط تحد من استخدام العقود المؤقتة في الأعمال التي تدخل بطبيعتها ضمن النشاط الدائم والمستمر للمنشأة.

 

وأضاف أن المادة 88 حددت حالات يُعتبر فيها عقد العمل غير محدد المدة، من بينها عدم كتابة العقد أو عدم النص على مدته، وكذلك استمرار الطرفين في تنفيذه بعد انتهاء مدته المحددة دون اتفاق مكتوب بينهما.

 

ولفت عباس إلى التحولات التي شهدها سوق العمل المصري خلال العقود الماضية، مع تراجع الوزن النسبي للقطاع العام وتزايد أعداد العاملين في القطاع الخاص، إلى جانب انتشار أنماط جديدة من العمل، من بينها العمل عبر منصات النقل الذكي والعمل عن بُعد، وما تفرضه هذه التحولات من تحديات تتعلق بالحماية القانونية والاجتماعية.

 

وأكد أن قضية العمالة المؤقتة لا تتعلق فقط بشكل التعاقد، وإنما تمتد إلى حق العامل في الاستقرار الوظيفي والحصول على أجر عادل وضمانات اجتماعية، محذرًا من أن استمرار العمل بعقود مؤقتة دون ضوابط واضحة قد يضعف قدرة العامل على المطالبة بحقوقه.

 

وشدد القيادي العمالي على أهمية تعزيز الضمانات التي تحقق التوازن في علاقات العمل، بما يشمل حرية تشكيل النقابات المستقلة، والحق في التفاوض والإضراب، إلى جانب توفير نظم للتدريب والتأهيل والحماية الاجتماعية، بما يسهم في تحقيق الاستقرار داخل سوق العمل.

 

واختتم عباس بالتأكيد على ضرورة فتح حوار جاد بين الحكومة وممثلي العمال وأصحاب الأعمال لمراجعة التحديات المرتبطة بتطبيق قانون العمل، والوصول إلى حلول تشريعية وعملية تضمن حقوق العمال وتحقق التوازن بين متطلبات الإنتاج والأمان الوظيفي.

 

ضعف الأمان الوظيفي

قال رامي السيد، مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إن سوق العمل يشهد ضعفًا في الأمان الوظيفي، في ظل ما وصفه بانحياز السياسات والإجراءات في كثير من الأحيان إلى أصحاب الأعمال على حساب العمال، وعدم توافر آليات كافية لحمايتهم، خاصة فيما يتعلق بإصابات العمل وطبيعة العقود وشروط إنهائها.

وأوضح أن ضعف الأمان الوظيفي وتجاهل ربط الأجور بمعدلات التضخم من أبرز العوامل التي تدفع العمال إلى الاحتجاج والإضراب، مشيرًا إلى أن الحد الأدنى للأجور ارتفع من 400 جنيه عام 2010 إلى 8 آلاف جنيه حاليًا، لكنه لا يتناسب، بحسب تقديره، مع معدلات التضخم وارتفاع أعباء المعيشة وتراجع القوة الشرائية للجنيه.

وأضاف أن القوة الشرائية للحد الأدنى للأجور البالغ 8 آلاف جنيه أصبحت، وفق تقديره، أقل من القوة الشرائية لمبلغ 1200 جنيه في عام 2010، لافتًا إلى أن بعض المؤسسات والشركات لا تطبق الحد الأدنى للأجور البالغ 8 آلاف جنيه تطبيقًا كاملًا، وهو ما يزيد من حالة الاحتقان العمالي ويدفع العاملين إلى اللجوء للإضرابات للمطالبة بحقوقهم.

 

تراجع مظلة الدعم والحماية الاجتماعية

قال حسن بربري، القيادي العمالي، إن وضع تشريعات فعالة لحماية العمال يتطلب أولًا دراسة واقع سوق العمل في مصر وتحديد أبرز سماته وتحدياته، بدلًا من إصدار القوانين ثم محاولة تكييف أوضاع السوق معها، مشيرًا إلى أن سوق العمل يعاني اتساع نطاق العمل غير الرسمي، وانخفاض الأجور، والتفاوت في فرص العمل والكفاءة، وصعوبة الانتقال من التعليم إلى سوق العمل، إلى جانب تنوع أنماط التشغيل واتساع فجوة الحماية الاجتماعية.

وأوضح بربري أن تراجع مظلة الدعم والحماية الاجتماعية، بما في ذلك التأمين الصحي، يزيد الأعباء الواقعة على العمال، خاصة في ظل انخفاض الأجور، إذ تنتقل تكلفة تلبية الاحتياجات الأساسية إلى العامل نفسه، بعدما كانت بعض أوجه الدعم تسهم في تخفيف هذه الأعباء.

وأشار إلى أن تطبيق قانون العمل رقم 14 واجه تحديات تتعلق بآليات الحوار المجتمعي قبل صدوره، فضلًا عن عدم قدرة الجهاز الإداري على استيعاب متطلبات تطبيقه، لافتًا إلى أن وزارة العمل لا تزال تواجه صعوبات في تنفيذ أحكام القانون، وهو ما يطرح تساؤلات حول الحاجة إلى إصدار تشريعات جديدة قبل تقييم القانون القائم وتحديد أوجه القصور فيه وإمكانية معالجتها من خلال تعديلات تشريعية.

وأضاف أن الرهان على العمالة منخفضة التكلفة لجذب الاستثمارات الأجنبية وزيادة الإنتاج وتوفير العملة الصعبة يضع العمال أمام أعباء إضافية، في وقت يتحملون فيه جانبًا من مخاطر الأزمة الاقتصادية، رغم الدور الذي يؤديه العاملون في القطاع غير الرسمي في دعم الاقتصاد.

وأكد القيادي العمالي ضرورة التمييز بين أنماط العمالة المختلفة عند وضع التشريعات، موضحًا أن العامل الموسمي يختلف عن العامل المؤقت الذي يتقاضى أجره باليومية، وأن لكل فئة طبيعة وظيفية واحتياجات مختلفة تتطلب آليات مناسبة للحماية الاجتماعية والتأمينية وضمان الحقوق.

وانتقد بربري ما وصفه بانحياز بعض أحكام تنظيم علاقات العمل إلى أصحاب الأعمال، معتبرًا أن الضمانات الممنوحة لهم لم يقابلها توفير الحماية الكافية للعمال، خاصة العمالة المؤقتة وغير المنتظمة، التي تواجه ضعف التمثيل النقابي وصعوبة التفاوض الجماعي للدفاع عن حقوقها.

ولفت إلى أن بيانات وإحصاءات العمالة تشير، وفقًا لما عرضه، إلى أن تسعة من كل عشرة عمال غير ممثلين نقابيًا، ما يثير تساؤلات حول قدرة هذه الفئات على التفاوض مع أصحاب الأعمال والمطالبة بحقوقها، في ظل ضعف آليات التمثيل والتفاوض الجماعي.

كما أشار إلى وجود فجوة بين التشريعات المنظمة للأجور ومدى الالتزام بتطبيقها، مستشهدًا بما ذكره بشأن عدم التزام نسبة كبيرة من المنشآت والقطاعات الاقتصادية بالحد الأدنى للأجور، موضحًا ضرورة التمييز بين الحد الأدنى المطبق في القطاع الخاص ونظيره في الجهاز الحكومي، وعدم تعميم قيمة واحدة على جميع القطاعات.

واختتم بربري بالتأكيد على أهمية توسيع نطاق دراسة أوضاع العمالة داخل المؤسسات الحكومية، بما في ذلك العاملون بنظام الاستعانة، باعتبارهم إحدى الفئات التي تستحق الدراسة من حيث طبيعة العقود والأجور والحماية الاجتماعية، للوصول إلى حلول تشريعية تعالج مشكلات سوق العمل بصورة واقعية وتحقق التوازن بين حقوق العمال ومتطلبات أصحاب الأعمال.

العمالة المؤقتة في مصر.. سنوات من العمل بلا ضمانات ومطالب بتعزيز الحماية القانونية والاجتماعية
العمالة المؤقتة في مصر.. سنوات من العمل بلا ضمانات ومطالب بتعزيز الحماية القانونية والاجتماعية

غياب الحصر الفعلي لأعداد العمالة المؤقتة والغير منتظمة
قال محسن عليوة، القيادي العمالي والنقابي السابق، إن العمالة غير المنتظمة تشمل فئات متعددة، من بينها عمال اليومية، والباعة الجائلون، وعمال الصيد، والعمالة الموسمية، مشيرًا إلى أن هذه الفئات تفتقر إلى مظلة واضحة للحماية والتأمين، ما يستدعي حصرها وتسجيلها بصورة دقيقة لتحديد حجمها الفعلي واحتياجاتها.

وأوضح عليوة أن أعداد العمالة غير المنتظمة المسجلة لدى الدولة لا تتجاوز مليونًا و300 ألف عامل، مؤكدًا ضرورة الوصول إلى أرقام حقيقية تعكس حجم هذه الفئة، من خلال إلزام أصحاب الأعمال بحصر العمال وتسجيلهم، إلى جانب إطلاق حملات توعية توضح مزايا التسجيل، وتبدد مخاوف العمال من الخضوع للضرائب أو تحمل أعباء إضافية.

وأضاف أن تسجيل العمالة غير المنتظمة يجب أن يرتبط بمزايا ملموسة، تشمل التأمين والرعاية الاجتماعية، بما يشجع العمال على الانضمام إلى المنظومة الرسمية ويضمن حصولهم على حقوقهم، لافتًا إلى أهمية تعاون لجنة القوى العاملة مع الجهات المعنية لتوعية العمال وأصحاب الأعمال بأهمية هذه الخطوة.

وأكد القيادي العمالي أن العامل المصري قادر على تقديم الكثير لو وجد من يوفر له الحماية والتقدير، مشددًا على أن التقليل من قيمة العامل لا يقتصر على خفض أجره، بل يمتد إلى عدم تقدير دوره في الإنتاج وبناء الدولة وتنفيذ مشروعاتها، موضحًا أن هناك فارقًا بين سعر العامل وقيمته الحقيقية في المجتمع.

وأشار عليوة إلى أن معالجة أزمة العمالة غير المنتظمة تتطلب ثلاث خطوات أساسية، تبدأ بحصر العمال وتسجيلهم، ثم سرعة فحص بياناتهم وتصنيفهم وفقًا لطبيعة عملهم، وصولًا إلى تفعيل النصوص القانونية التي تسمح بضمهم إلى التصنيفات النقابية المناسبة، بما يفتح المجال أمام تمثيلهم والدفاع عن حقوقهم.

وشدد على أهمية إصلاح المنظومة النقابية، وإتاحة الفرصة أمام مختلف فئات العمال للانضمام إلى التنظيمات النقابية التي تمثلهم، منتقدًا التدخل في العمل النقابي وآليات اختيار النقابات العمالية، ومعتبرًا أن تطوير هذه المنظومة يمثل خطوة ضرورية لتعزيز قدرة العمال على المطالبة بحقوقهم وتحقيق التوازن في علاقات العمل.

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى