فن ومنوعات

بعد واقعة تحرش روبوت في ألمانيا.. من يُحاسَب على أخطاء الذكاء الاصطناعي؟

لم تعد الأسئلة التي يطرحها الذكاء الاصطناعي مقتصرة على قدرته على محاكاة البشر أو تنفيذ المهام بدلًا منهم، بل امتدت إلى حدود مسؤوليته عن سلوكيات قد تنتهك حقوق الآخرين، فبعد مصادرة الشرطة الألمانية روبوتًا شبيهًا بالبشر، للاشتباه في ملامسته فتاة قاصرًا تبلغ 16 عامًا وأدائه حركات ذات إيحاءات جنسية في مدينة كولونيا، برز سؤال يتجاوز غرابة الحادثة: هل يمكن اعتبار الآلة متحرشًا، أم تقع المسؤولية على الإنسان الذي وجّهها أو برمجها، أو على الجهة التي أخفقت في تأمينها؟.

ووقعت الحادثة ليلة 11 أكتوبر 2026 أمام مطعم للوجبات السريعة، حيث أظهرت مقاطع متداولة الروبوت وهو يقترب من مجموعة من النساء ويلامس إحداهن، بينما كان برفقته شابان، وأسفرت الواقعة عن مصادرة الشرطة الروبوت وهاتفي الشابين، اللذين يُشتبه في تصويرهما الحادثة وبثها مباشرة عبر الإنترنت، فيما لا تزال التحقيقات جارية لتحديد كيفية تشغيل الجهاز ودور كل منهما.

وتفتح الواقعة ملفًا معقدًا يجمع بين آليات عمل الذكاء الاصطناعي وحدود استقلالية الروبوتات والتكييف القانوني للأفعال الصادرة عنها، وصولًا إلى تحديد المسؤول عن الأضرار التي قد تتسبب فيها.

روبوت متهم بالتحرش بقاصر في ألمانيا
روبوت متهم بالتحرش بقاصر في ألمانيا

الروبوتات بين الأوامر المبرمجة واستجابات الخوارزميات

من جانبه، أوضح الدكتور سامح ظريف، وكيل كلية الحاسبات والمعلومات بالجامعة المصرية الصينية، في حديثه لـ«ليبرالي»، أن فهم سلوك الروبوت يتطلب التمييز بين الأوامر المبرمجة مسبقًا والأنظمة التي تعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات وتحديد الاستجابات، ففي بعض الأنظمة، تكون الحركات محددة سلفًا ضمن برنامج ينفذه الجهاز، بينما تستطيع أنظمة أخرى تحليل المدخلات وتحديد الاستجابة المناسبة اعتمادًا على أنماط تعلمتها من البيانات.

وأضاف أنه في هذه الحالة، لا يشترط أن يعرف الشخص الذي يتعامل مع الروبوت تفاصيل كل حركة سيؤديها، إذ قد تتولى الخوارزمية تحديد الاستجابة وفقًا لتصميم النظام وآلية تشغيله، لكن قدرة الخوارزمية على التنبؤ أو إنتاج استجابات متغيرة لا تعني أن الروبوت يمتلك وعيًا أو رغبات مستقلة؛ فحتى عندما يصدر عنه سلوك يبدو مقصودًا أو مشابهًا لتصرفات البشر، قد يكون ذلك نتيجة برمجة مسبقة أو معالجة للمدخلات أو تحكم بشري مباشر.

ومن ثم، فإن تحديد ما حدث في الواقعة الألمانية يتطلب فحص النظام التقني للروبوت، ومعرفة ما إذا كانت حركاته مبرمجة مسبقًا، أو خاضعة للتحكم المباشر، أو ناتجة عن نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي، ولا يمكن الجزم بأن الخوارزمية هي التي أنتجت السلوك قبل ظهور نتائج التحقيقات الفنية.

روبوت
روبوت

هل يمكن قانونيًا اعتبار الروبوت متحرشًا؟

من منظور التكنولوجيا والقانون، أوضح الدكتور محمد حمزة، الخبير التكنولوجي والقانوني، أن توصيف الواقعة يتوقف على المعنى المقصود بالتحرش، موضحًا أن المفهوم يرتبط في معناه المعتاد بسلوك يصدر عن إنسان تجاه آخر، أو بأفعال ذات طبيعة جنسية تستهدف إشباع رغبة أو تحقيق غاية جنسية.

وأشار «حمزة» إلى اختلاف هذا التصور عند التعامل مع الروبوتات، قائلا:« فالآلة لا تمتلك مشاعر أو رغبات جنسية، ولا تسعى إلى بلوغ نشوة بالمعنى الإنساني، وإنما تنفذ أفعالًا وفقًا للبرمجة أو آلية التشغيل التي صُممت عليها، وبناءً على ذلك، فإن صدور حركات ذات إيحاءات جنسية عن الروبوت لا يعني بالضرورة إمكانية وصف الآلة نفسها بأنها ارتكبت تحرشًا بالمعنى الإنساني».

وتابع:« لكن غياب الرغبة الجنسية لدى الروبوت لا ينفي احتمال وقوع فعل ضار أو غير مشروع نتيجة استخدامه»، وهنا ميز «حمزة» بين اعتبار الآلة مرتكبة للتحرش، وبين مساءلة المسؤول عن فعل تسبب في إلحاق الضرر بشخص آخر، إذ يمكن بحث المسؤولية القانونية على أساس الضرر والعلاقة السببية بين السلوك المنفذ باستخدام الروبوت والأذى الذي وقع على الإنسان.

ويعني ذلك أن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال ما إذا كان الروبوت يمتلك نية أو رغبة، بل يجب أن يمتد إلى تحديد الشخص الذي وجّه الجهاز، والظروف التي أدت إلى وقوع الفعل، ومدى توافر عناصر المسؤولية القانونية بحق كل طرف.

روبوت
روبوت

المبرمج أم المخترق أم الشركة.. من يتحمل المسؤولية؟

ولفت «حمزة» إلى أن المسؤول عن الضرر ليس بالضرورة الشخص الذي برمج الروبوت؛ فقد يكون المستخدم الذي وجّهه لتنفيذ أفعال مؤذية، أو شخصًا تمكن من اختراق النظام واستخدامه على نحو غير مشروع، كما قد تُطرح مسؤولية الشركة التي تتولى تأمين الجهاز إذا ثبت وجود تقصير في إجراءات الحماية، وكانت له صلة سببية بالضرر الواقع.

وأكد أن تحديد المسؤولية في هذه الحالات يتوقف على طبيعة الفعل والأدلة المتاحة ومدى ارتباط سلوك كل طرف بالنتيجة، فالمبرمج لا يتحمل المسؤولية تلقائيًا لمجرد أن الروبوت نفذ حركة ضارة، كما لا تُسأل الشركة عن كل استخدام غير مشروع لجهازها دون بحث التزاماتها ومدى التزامها بمتطلبات الأمان.

وتابع أنه:« أما إذا ثبت تعرض الروبوت للاختراق، فقد تتداخل مسؤولية المخترق مع مسؤولية الجهة المسؤولة عن تأمين النظام، بحسب ظروف الواقعة وما إذا كان هناك تقصير في الحماية، وفي المقابل، إذا ثبت أن المستخدم تعمد توجيه الروبوت لتنفيذ السلوك محل التحقيق، فإن ذلك يفتح مسارًا مختلفًا لتحديد مسؤوليته».

زر الذهاب إلى الأعلى