فن ومنوعات

حسين فهمي يلخص فلسفة محمد خان.. لماذا ابتعد المخرج الراحل عن الأبطال التقليديين؟

من الشخصيات المهمشة إلى الإنسان المليء بالتناقضات.. كيف صنع محمد خان بطولته الخاصة في السينما المصرية؟

لم يكن محمد خان بحاجة إلى بطل خارق حتى يصنع فيلمًا يستحق المشاهدة، ولم تكن شخصياته مطالبة دائمًا بالانتصار كي تترك أثرًا لدى الجمهور.

في عالم المخرج الراحل، كانت الحياة اليومية، بما تحمله من ارتباك وانكسارات وأحلام مؤجلة، كافية لصناعة حكاية سينمائية، وكان الإنسان العادي قادرًا على احتلال مركز الصورة من دون أن يمتلك صفات البطولة التقليدية.

عادت هذه الرؤية إلى الواجهة خلال جلسة «رجال محمد خان.. أبطال خارج المألوف»، ضمن فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، الأحد 18 أكتوبر 2026، بمشاركة الفنان حسين فهمي، والفنان أحمد داود، والمخرجة نادين خان، والناقد أحمد شوقي، وإدارة الناقد رامي عبد الرازق.

وخلال الجلسة، قدّم حسين فهمي مدخلًا لقراءة عالم خان، مستعيدًا ميله إلى الشخصيات التي لا تنتمي إلى نموذج البطل المنتصر، بل تقترب من مفهوم «Anti-hero»، أي الشخصية التي لا تتوافر فيها بالضرورة صفات البطل المثالي.

وقال «فهمي»: «لأنه مكنش عنده أبطال، لأن الحقيقة إن الحياة مفيهاش أبطال، فيها Anti-hero».

لم تكن هذه العبارة مجرد وصف لشخصيات المخرج، بل كانت مدخلًا لفهم الطريقة التي نظر بها إلى الإنسان على الشاشة، فالناس في الواقع لا يتحركون وفق تقسيمات واضحة بين منتصر ومهزوم، ولا يمتلكون دائمًا القدرة على تغيير مصائرهم.

ومن هذه المنطقة تحديدًا، استمدت شخصيات خان جانبًا من واقعيتها؛ إذ لم تُقدَّم باعتبارها نماذج مكتملة، بل أشخاصًا يعيشون أزماتهم ويحاولون التعامل معها، حتى عندما لا يصلون إلى حلول حاسمة.

من البطل المنتصر إلى الإنسان الذي يشبهنا

في السينما التقليدية، غالبًا ما تتقدم الشخصية الرئيسية وهي تحمل هدفًا واضحًا، وتخوض صراعًا يقودها إلى انتصار أو هزيمة محددة.

أما في عالم محمد خان، فلا تتوقف قيمة الشخصية بالضرورة على النتيجة التي تصل إليها، بل على التجربة التي تمر بها، وعلى ما تكشفه من تناقضات داخلية واجتماعية.

لم يكن انحيازه إلى الشخصيات غير التقليدية يعني تقديم الهزيمة باعتبارها فضيلة، وإنما منح الشخصيات مساحة لتكون بشرية؛ فتخطئ وتتردد، وتتصرف أحيانًا على نحو يناقض ما تتمناه لنفسها.

وهنا تكمن خصوصية هذه الرؤية؛ فالمشاهد لا يحتاج إلى الإعجاب بالشخصية في كل تصرفاتها حتى يتفاعل معها، بل قد يجد نفسه أمام إنسان يفهم دوافعه، حتى عندما لا يتفق مع اختياراته.

ومن هذه الزاوية، يصبح مفهوم البطولة عند خان أكثر ارتباطًا بالقدرة على كشف الحياة من ارتباطه بتقديم نموذج مثالي عنها.

«موعد على العشاء».. حين تحمل التفاصيل الصغيرة معنى أكبر

تقدم كواليس فيلم «موعد على العشاء»، الذي أخرجه محمد خان وشارك فيه حسين فهمي وسعاد حسني وأحمد زكي، جانبًا من طبيعة العمل الذي استعاد فهمي بعض تفاصيله خلال الجلسة.

ومن بين الحكايات التي رواها، النقاش الذي دار حول ظهور سعاد حسني وهي تحمل رغيفًا من الخبز، وهو تفصيل استغرق وقتًا في مناقشته قبل الاستقرار على طريقة تنفيذه، كما استعاد موقفًا آخر ارتبط بعودة أحمد زكي إلى موقع التصوير لتسجيل وقع خطواته.

وتتجاوز أهمية هذه الحكايات حدود الطرافة في كواليس فيلم قديم؛ فهي تفتح بابًا للتأمل في طبيعة التفاصيل التي تصنع المشهد السينمائي، فالحركة اليومية، وطريقة استخدام الأشياء، وصوت الخطوات، كلها عناصر يمكن أن تسهم في بناء الشخصية وإقناع المشاهد بوجودها داخل العالم الذي يقدمه الفيلم.

لكن لا ينبغي التعامل مع هذه الوقائع باعتبارها دليلًا قاطعًا على فلسفة خان الإخراجية بمفردها؛ فقيمتها الحقيقية تظهر عندما توضع إلى جانب اختياراته في بناء الشخصيات، وطريقة تقديمها داخل سياقها الدرامي.

أحمد داود.. درس من كواليس «قبل زحمة الصيف»

ومن خلال تجربته المباشرة في العمل مع محمد خان، استعاد أحمد داود بعض تفاصيل مشاركته في فيلم «قبل زحمة الصيف»، متحدثًا عن حرص المخرج على الوصول إلى النتيجة التي يريدها قبل الانتقال إلى المشهد التالي.

وأشار داود إلى موقف اقترح خلاله إعادة تصوير أحد المشاهد بعد أن خطرت له فكرة جديدة، لكن خان فضّل الاحتفاظ بالنسخة التي انتهى تصويرها، واستخلص داود من هذه التجربة درسًا يتعلق بمعرفة اللحظة التي يصبح فيها المشهد جاهزًا، بدلًا من الاستمرار في تعديله بعد حسمه.

وتضيف هذه الشهادة جانبًا عمليًا إلى صورة المخرج؛ فالرؤية الفنية لا تظهر فقط في السيناريو أو في نوعية الشخصيات المختارة، بل تتجلى أيضًا في القرارات التي يتخذها المخرج داخل موقع التصوير، وفي كيفية الموازنة بين اقتراحات الممثلين والتصور الذي يعمل وفقه.

نادين خان.. كيف يتحول الإرث الفني إلى ذاكرة محفوظة؟

لم تقتصر الجلسة على استعادة الماضي، إذ أعلنت المخرجة نادين خان بدء خطوات تأسيس مؤسسة تحمل اسم والدها، بالتعاون مع شقيقها حسن خان، بهدف الحفاظ على إرثه الفني وإحيائه ونشر المعرفة الثقافية المرتبطة بتجربته.

وتركز المرحلة الأولى من المشروع على أرشفة المواد الفنية التي تركها محمد خان، مع دعوة من يمتلك وثائق أو مواد مرتبطة به إلى المساهمة في حفظها.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من أن تاريخ السينما لا يُختزل في الأفلام التي تصل إلى الجمهور؛ فالمواد الأرشيفية والوثائق والصور المرتبطة بالإنتاج قد تتيح فهمًا أعمق لظروف صناعة الأفلام، وتطور الرؤية الفنية، والعلاقات التي أسهمت في تشكيل التجارب السينمائية.

وبالنسبة إلى تجربة محمد خان، فإن الحفاظ على أرشيفه يفتح المجال أمام قراءات جديدة لا تعتمد فقط على ذكريات زملائه، وإنما تستند أيضًا إلى مواد يمكن للباحثين وصناع الأفلام والمهتمين الرجوع إليها ودراستها.

لماذا لا تزال تجربة محمد خان قابلة لإعادة الاكتشاف؟

ما جمعته جلسة الجونة من شهادات حسين فهمي وأحمد داود ومشروع نادين خان يتجاوز الاحتفاء بذكرى مخرج راحل؛ فهو يتيح النظر إلى تجربته من ثلاث زوايا متكاملة، فلسفة الشخصية، وطريقة صناعة المشهد، ومستقبل الحفاظ على الذاكرة السينمائية.

وبين هذه الجوانب، تتضح إحدى السمات التي تستحق التوقف عندها في أفلام خان، وهي اهتمامه بالإنسان الذي لا يحتاج إلى أن يكون استثنائيًا حتى تصبح حكايته جديرة بالرواية.

فالبطولة في هذا العالم ليست لقبًا يمنحه الفيلم لشخصية منتصرة، بل مساحة تُمنح لإنسان يحاول فهم حياته والتعامل مع ظروفه، وقد تكون الشخصية عاجزة عن تغيير واقعها، لكنها تظل قادرة على كشف جوانب منه لا تظهر بالوضوح نفسه في الحكايات التي تنشغل بالانتصار وحده.

لهذا، فإن إعادة قراءة محمد خان اليوم لا تعني الاكتفاء باستعادة مكانته في تاريخ السينما المصرية، بل تعني أيضًا إعادة طرح السؤال الذي تثيره شخصياته، هل نحتاج إلى أبطال مثاليين كي نفهم أنفسنا، أم أن الحكايات الأكثر صدقًا تبدأ أحيانًا من أشخاص عاديين لا يعرفون كيف ينتصرون؟

في مهرجان الجونة، أعادت الشهادات فتح هذا السؤال، بينما منح مشروع الأرشفة فرصة لبقاء تجربة خان متاحة لقراءات جديدة، وبين الذاكرة الشخصية والبحث النقدي، يظل إرثه مساحة للتأمل في معنى البطولة، وفي قدرة السينما على رؤية الإنسان خارج الصور الجاهزة.

زر الذهاب إلى الأعلى