عقب خطاب السيسي.. هل تستطيع الأحزاب تقديم بديل حقيقي في رئاسية 2030؟
تباينت ردود أفعال سياسيين وخبراء قانونيين بشأن تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي حول شروط الترشح لرئاسة الجمهورية، والالتزام بالمسار الدستوري لتداول السلطة في عام 2030، بين من اعتبرها فرصة أمام الأحزاب لإعداد بدائل سياسية قادرة على المنافسة، ومن شدد على ضرورة عدم تحويل برامج التأهيل إلى قيود إضافية على حق المواطنين في الترشح.
أعادت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال خطابه السبت 17 أكتوبر 2026، بشأن مستقبل الرئاسة والالتزام بالمدد الدستورية لتولي السلطة، فتح النقاش حول جاهزية الأحزاب السياسية لتقديم مرشحين قادرين على المنافسة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وحدود وضع شروط إضافية للترشح، ومدى توافقها مع النصوص الدستورية المنظمة لهذا الحق.
وبينما ركزت بعض ردود الأفعال على أهمية احترام الدستور وضمان انتقال السلطة وفق القواعد القانونية، اتجهت آراء أخرى إلى مناقشة مسؤولية الأحزاب في إعداد الكوادر، والتمييز بين تأهيل القيادات السياسية والإدارية وبين فرض شروط قد تحد من فرص الترشح.
وصف النائب ضياء الدين داود خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي بأنه «خطاب تاريخي يضع خارطة طريق للمستقبل»، مؤكدًا أهمية الالتزام بالمسار الدستوري لتسليم وتسلم السلطة في عام 2030.

وقال داود، في تعليقه على الخطاب، إن الاختلاف والاتفاق في الرأي يجب أن يظلا تحت مظلة الدستور والعلم، مشددًا على أهمية الاحتكام إلى الدستور في إدارة الشأن العام، وموجهًا التحية إلى الرئيس، وداعيًا الله أن يحفظ مصر وشعبها وجيشها.
من جانبه، اعتبر رامي محسن، مدير المركز الوطني للدراسات البرلمانية، أن تصريحات الرئيس تمثل فرصة جديدة أمام الأحزاب السياسية لاستعادة دورها في الحياة العامة، ووضعها أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على إعداد كوادر مؤهلة للمنافسة في الانتخابات الرئاسية.
وقال محسن إن الالتزام بالمدد الدستورية لتولي السلطة يفتح المجال أمام الأحزاب والقوى السياسية لتقديم مرشحين يمتلكون الكفاءة والخبرة والرؤية اللازمة لتحمل مسؤولية قيادة الدولة، مؤكدًا أن التحدي الأساسي يتمثل في الانتقال من مجرد الوجود السياسي إلى إعداد قيادات قادرة على المنافسة وتولي المسؤولية.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب اهتمامًا أكبر بالتدريب والتأهيل وبناء الكوادر، مع تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني والقوى السياسية في دعم الحياة الديمقراطية، مشيرًا إلى أن الأحزاب باتت مطالبة بإثبات قدرتها على تقديم بدائل سياسية وبرامج واضحة للمستقبل.
وفيما يتعلق بالمقترحات الخاصة برفع مستوى التأهيل العلمي للمرشحين، أوضح محسن ضرورة التفرقة بين الشروط القانونية المنظمة للترشح وبين التصورات المتعلقة بمستوى الخبرة والكفاءة المطلوب توافرهما في رئيس الجمهورية.
وأشار إلى أن قانون تنظيم الانتخابات الرئاسية يتضمن بالفعل شرط الحصول على مؤهل عالٍ، لافتًا إلى أن الحديث عن اشتراط درجات علمية بعينها، مثل الدكتوراه، أو إتقان لغة أجنبية، يستلزم مراجعة النصوص القانونية ذات الصلة قبل الجزم بالحاجة إلى تعديل دستوري أو تشريعي.

وأكد مدير المركز الوطني للدراسات البرلمانية أن المعيار الحقيقي لفاعلية الأحزاب لن يكون مجرد حضورها في المشهد السياسي، وإنما قدرتها على تقديم مرشحين يمتلكون الكفاءة السياسية والإدارية والرؤية اللازمة لإدارة الدولة.
وفي سياق متصل، أكد الدكتور عبد الله المغازي، أستاذ القانون الدستوري، أن إعداد كوادر سياسية وإدارية وتأهيلها من خلال برامج تدريبية تنظمها الدولة، بما في ذلك البرامج التي تنظمها الأكاديمية العسكرية، لا يتعارض في حد ذاته مع أحكام الدستور.
وشدد المغازي، على ضرورة التمييز بين حق الدولة في إعداد القيادات وتأهيلها لتولي المناصب العامة، وبين فرض المشاركة في هذه البرامج شرطًا للترشح لرئاسة الجمهورية.
وأوضح أن الدستور حدد شروط الترشح للمنصب، ومن بينها ألا يقل سن المترشح عن 40 عامًا ميلادية، إلى جانب الشروط الأخرى المنصوص عليها دستوريًا وقانونيًا، مؤكدًا أن استيفاء هذه الشروط يظل الأساس القانوني لممارسة حق الترشح.
وأضاف أن الدولة تستطيع وضع معايير لاختيار المشاركين في برامج التأهيل، لكنها لا تستطيع قصر الترشح للرئاسة على خريجي هذه البرامج، أو إلزام الهيئة الوطنية للانتخابات باختيار المرشحين من بينهم فقط، لأن ذلك من شأنه تقييد حق دستوري مكفول للمواطنين.
وأبدى المغازي تحفظه على قصر الفئة العمرية المستهدفة بالبرنامج التدريبي على من تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عامًا، مطالبًا بتوسيعها لتشمل الفئة من 40 إلى 60 عامًا، للاستفادة من الخبرات السياسية والاقتصادية والإدارية المتراكمة لدى من تجاوزوا الخمسين.

وأشار إلى أن الخبرة العملية والحياتية تمثل عنصرًا مهمًا في إعداد القيادات، خصوصًا إذا كان البرنامج يستهدف تأهيل أشخاص لتولي مناصب وزارية أو مناصب المحافظين ورئاسة مجلس الوزراء، وصولًا إلى منصب رئيس الجمهورية.
وأكد أستاذ القانون الدستوري أن المشاركة في أي برنامج تدريبي لا يمكن أن تصبح شرطًا إضافيًا للترشح، وأن المواطن الذي يستوفي الشروط الدستورية والقانونية يظل من حقه التقدم للانتخابات، حتى إن لم يشارك في برامج التأهيل أو يشغل منصبًا حكوميًا.
وشدد على أن إعداد الكوادر يجب أن يكون وسيلة لتعزيز كفاءة مؤسسات الدولة وتوسيع قاعدة القيادات المؤهلة، لا أداة لتقييد المنافسة السياسية أو استبعاد مواطنين يستوفون الشروط القانونية.
من جانبه، تناول الدكتور صلاح فوزي، الفقيه الدستوري وعضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب، الإطار الدستوري المنظم للترشح لرئاسة الجمهورية، مشيرًا إلى أن المادة 141 من الدستور تحدد الشروط الأساسية الواجب توافرها في المرشح، ومنها أن يكون مصريًا من أبوين مصريين، ومتمتعًا بحقوقه المدنية والسياسية، وألا تقل سنه عن 40 عامًا، وأن يكون قد أدى الخدمة العسكرية أو أُعفي منها، إلى جانب الشروط التي ينظمها القانون.
وأوضح فوزي، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامية لميس الحديدي ببرنامج «الصورة» عبر قناة «النهار»، أن القوانين المنظمة لمباشرة الحقوق السياسية تتضمن موانع قانونية تحول دون ممارسة بعض الأشخاص لحقوقهم السياسية، بما يخضع له الترشح للانتخابات الرئاسية وفقًا لطبيعة كل حالة والنصوص المنظمة لها.

وفيما يتعلق بإضافة شروط جديدة للترشح، أشار الفقيه الدستوري إلى ضرورة إخضاع أي مقترحات لتفسير قانوني يحدد مدى توافقها مع أحكام الدستور، لافتًا إلى أن شرط الحصول على مؤهل عالٍ يمكن أن يشمل درجات علمية مختلفة.
وأكد فوزي أن رأيه الشخصي يتمثل في عدم الحاجة إلى إدخال تعديلات على القانون رقم 22 لسنة 2014 المنظم للانتخابات الرئاسية، معتبرًا أن القانون الحالي كافٍ لتنظيم العملية الانتخابية.
كما تطرق إلى المادة 200 من الدستور، التي تتضمن مهام القوات المسلحة في حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، إلى جانب صون الدستور والديمقراطية والمقومات الأساسية للمجتمع ومكتسبات الشعب وحقوق الأفراد، موضحًا أن حماية الدستور تشمل الالتزام بأحكامه المنظمة للدولة وسلطاتها وحقوق المواطنين.
وأكد الدكتور صلاح حسب الله، المحامي بالنقض والإدارية العليا والمتحدث السابق باسم مجلس النواب، أن تأكيد الرئيس الالتزام بالمسار الدستوري لتداول السلطة وتسليمها في عام 2030 يعكس، بحسب وصفه، ترسيخ دولة المؤسسات واحترام الدستور والقانون.
وقال حسب الله، في تدوينة عبر موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، إن تصريحات الرئيس تمثل رسالة سياسية تؤكد أن مستقبل الدولة المصرية تحكمه القواعد الدستورية والمؤسسات، وليس الأهواء أو المزايدات، معتبرًا أن وضوح المسار الدستوري يحد من الشائعات والتأويلات المتعلقة بمستقبل السلطة في مصر.
وأضاف أن الاختلاف في الرأي حق أصيل وضرورة للحياة السياسية، لكنه يجب أن يظل في إطار الالتزام بالدستور والحفاظ على استقرار الدولة ومؤسساتها.
وشدد على أن بناء الدول لا يتحقق بالشعارات، وإنما بالاحتكام إلى الدستور والقانون، وترسيخ دور المؤسسات، وإدارة الخلافات السياسية بصورة مسؤولة.



