«لولا يسرا ما كنت موجودًا».. يسري نصر الله يكشف أسرار «مرسيدس» و«جنينة الأسماك» في الجونة
لم تكن جلسة المخرج يسري نصر الله، في مهرجان الجونة السينمائي مجرد استعادة لأفلام صنعت جزءًا مهمًا من مسيرته، بل تحولت إلى فرصة للكشف عن تفاصيل من كواليس صناعة السينما بداية من علاقته بالمخرج الذي يقف خلف الكاميرا وصولًا إلى الطريقة التي يمكن أن يغيّر بها إحساس الممثل بالشخصية رؤية المخرج للعمل بالكامل.
وخلال جلسة «حوار مع يسري نصر الله سينما الابتكار» التي أدارها المخرج والسيناريست أحمد عامر، ضمن فعاليات الدورة التاسعة من المهرجان، استعاد نصر الله محطات من مشواره، كاشفًا عن كواليس فيلمي «مرسيدس» و«جنينة الأسماك» في لقاء شهد حضور يسرا وكندة علوش وحسن الرداد وركين سعد وعدد من الفنانين وصناع السينما.
«لولا يسرا ما كنت موجودًا».. حكاية البداية مع «مرسيدس»
من أبرز ما كشفه يسري نصر الله خلال الجلسة حديثه عن الفنانة يسرا، ودورها في بدايته السينمائية، حيث قال إن فيلم «مرسيدس» كان منطلقًا مهمًا في تجربته، مضيفًا: «لولا يسرا ما كنت موجودًا بالفن».
ويكشف هذا التصريح عن جانب من كواليس صناعة السينما، حيث لا تتشكل المسيرة الفنية بالموهبة وحدها، بل تتداخل معها فرص التعاون والثقة بين المخرج والممثل، خاصة في المراحل الأولى من التجربة.
كما تحدث نصر الله عن بدايته مع السينما، موضحًا أنه دخل هذا المجال في الثلاثينيات من عمره، رغم أن شغفه بعالم الأفلام كان حاضرًا قبل ذلك، ولفت إلى أن اهتمامه بالسينما ارتبط منذ البداية بالمخرج الذي يصنع العمل، وهو ما يعكس انجذابه إلى عملية الإبداع نفسها، وليس فقط إلى الحكاية التي تظهر على الشاشة.
«جنينة الأسماك».. لماذا انتقل الدور من منى زكي إلى هند صبري؟
ومن أكثر التفاصيل التي تستحق التوقف عندها في الحوار، ما كشفه يسري نصر الله عن كواليس اختيار الفنانة هند صبري لتجسيد إحدى الشخصيات الرئيسية في فيلم «جنينة الأسماك» بعدما كانت الفنانة منى زكي مرشحة للدور في البداية.
وأوضح المخرج أنه كان يتصور منى زكي في إطار شخصية امرأة تعرضت للقمع أو تحمل آثارًا نفسية ناتجة عنه، لكنه أشار إلى أن منى لم تشعر بأن الشخصية أو الفيلم يناسبانها، وهو ما دفعه إلى إعادة التفكير في اختياره.
وجاءت هند صبري لتقدم الشخصية برؤية مختلفة، ولم يكن الأمر، بحسب ما أوضحه نصر الله، مجرد استبدال ممثلة بأخرى، بل امتد إلى إعادة التفكير في كيفية تقديم الشخصية وتكوينها بصريًا وأدائيًا.
وتكشف هذه الحكاية عن جانب مهم من عملية الإخراج فالشخصية المكتوبة على الورق ليست بالضرورة شخصية مكتملة الملامح قبل بدء التصوير، وإنما تتشكل أيضًا من خلال الممثل الذي يجسدها، وطريقته في فهمها، والتفاصيل التي يضيفها إلى أدائها.
وتوقف نصر الله عند فكرة قمع الجسد، باعتبارها أحد العناصر التي أراد التعبير عنها في «جنينة الأسماك»، موضحًا أن الوصول إلى هذا الإحساس لا يتحقق بالحوار وحده، بل يحتاج إلى تفاصيل بصرية وأدائية متكاملة.
فالملابس وتسريحة الشعر والمكياج، إلى جانب حركة الجسد وطريقة الأداء، كلها عناصر يمكن أن تساعد في التعبير عن الحالة النفسية للشخصية، وتمنح المشاهد فرصة لفهمها حتى في اللحظات التي لا تقول فيها شيئًا.
ومن هنا، لم يكن اختلاف الممثلة التي تقدم الدور تفصيلًا عابرًا، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في بناء الشخصية على الشاشة، فكل ممثل يحمل إحساسه الخاص، وقدرته على التعبير، وطريقته في التعامل مع التفاصيل، وهو ما يفرض على المخرج أحيانًا مراجعة تصوره الأول.
وتقدم هذه النقطة مدخلًا مهمًا لفهم أسلوب نصر الله في العمل مع الممثلين، إذ لا يتوقف دوره عند مطالبة الفنان بتنفيذ رؤية جاهزة، وإنما يتطلب الأمر تفاعلًا يسمح للطرفين بالوصول إلى أداء أكثر صدقًا واتساقًا مع عالم الفيلم.
بين رؤية المخرج وإحساس الممثل
تفتح حكاية «جنينة الأسماك» سؤالًا مهمًا حول العلاقة بين المخرج والممثل من يصنع الشخصية في صورتها النهائية؟، وتكشف التجربة التي رواها نصر الله أن الإجابة لا تتعلق بطرف واحد؛ فالمخرج يضع التصور العام للشخصية، لكن الممثل يمنحها تفاصيلها الإنسانية من خلال أدائه وحركته وإحساسه بالمواقف التي تمر بها.
وفي بعض الأحيان، يقود اختلاف إحساس الممثل عن تصور المخرج الأول إلى تغيير الاختيار، أو إلى إعادة بناء الشخصية بطريقة جديدة، وهو ما يجعل عملية صناعة الفيلم أكثر تعقيدًا من مجرد نقل السيناريو إلى الشاشة.
وهنا تتضح أهمية عنوان الجلسة «سينما الابتكار» إذ يرتبط الابتكار في السينما أحيانًا بقرارات تبدو بسيطة أثناء التحضير، لكنها قد تؤثر في طبيعة الشخصية وفي الشكل النهائي للعمل.
تعليق ساخر يفتح ملف إيرادات الأفلام
وشهدت الجلسة أيضًا لحظة طريفة، عندما طلب أندرو محسن، المدير الفني لمهرجان الجونة، من الحضور رفع أيديهم إذا سبق لهم مشاهدة أحد أفلام يسري نصر الله في دور العرض.
وبعدما رفع عدد كبير من الحاضرين أيديهم، علّق المخرج ساخرًا «أومال بيقولوا أفلامي بتخسر ليه؟» وسط تفاعل الجمهور.
ورغم الطابع الكوميدي للموقف، فإنه يفتح بابًا للنقاش حول العلاقة بين القيمة الفنية والنجاح التجاري، وهي واحدة من القضايا المستمرة في صناعة السينما، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأفلام تتبنى أساليب مختلفة في السرد وتقديم الشخصيات.
ولا يمكن اختزال تجربة أي مخرج في أرقام الإيرادات وحدها، كما لا تعني القيمة الفنية بالضرورة غياب الاعتبارات التجارية، لكن تجربة نصر الله تتيح مناقشة المسافة بين اختيارات المخرج الإبداعية وتوقعات السوق والجمهور.
يسري نصر الله.. سينما تبدأ من التفاصيل
تجمع الحكايات التي استعادها يسري نصر الله في الجونة بين البدايات والاختيارات الفنية والعلاقة بالممثلين، وتكشف عن جوانب من عملية صناعة الفيلم لا تظهر دائمًا للمشاهد.
ففي «مرسيدس» يتوقف عند دور يسرا في انطلاقته وفي «جنينة الأسماك» يستعيد قرارًا غيّر طريقة التفكير في إحدى الشخصيات الرئيسية، وبين التجربتين تظهر أهمية العلاقات الفنية والقدرة على مراجعة التصورات الأولى عندما تفرض الشخصية أو الممثل اتجاهًا مختلفًا.
وبذلك، لم تقتصر أهمية الجلسة على استعادة أسماء الأفلام أو سرد محطات من مسيرة المخرج، بل امتدت إلى تقديم صورة عن السينما باعتبارها عملية إبداعية تتشكل بالتجربة والحوار والاختيار، وتظل فيها التفاصيل الصغيرة قادرة على إحداث فارق كبير في النتيجة النهائية.






