فن ومنوعات

يسري نصر الله في الجونة: «أومال بيقولوا أفلامي بتخسر ليه؟».. كواليس وتجارب تكشف فلسفة «سينما الابتكار»

في لقاء انتظره مهرجان الجونة السينمائي لسنوات، جلس المخرج يسري نصر الله أمام جمهور من الفنانين وصنّاع السينما، ليستعيد تجربته الإخراجية ورؤيته الخاصة لصناعة الأفلام، في حوار حمل عنوان «سينما الابتكار»، وأداره المخرج والسيناريست أحمد عامر، ضمن فعاليات الدورة التاسعة من المهرجان.

ولم يكن اللقاء مجرد استعراض لمسيرة مخرج صاحب تجربة مختلفة، بل حمل منذ لحظاته الأولى مفارقة لافتة بين الصورة التي ارتبطت بأفلامه باعتبارها سينما ذات طابع فني خاص، وبين حضور هذه الأفلام في ذاكرة الجمهور.

«أومال بيقولوا أفلامي بتخسر ليه؟».. تعليق ساخر يفتح ملف العلاقة بين الفن والجمهور

من أبرز اللحظات التي شهدتها الجلسة، سؤال أندرو محسن، المدير الفني لمهرجان الجونة السينمائي، للحضور عمّا إذا كانوا قد شاهدوا أحد أفلام يسري نصر الله في دور العرض السينمائي، ومع رفع عدد كبير من الحاضرين أيديهم، جاء تعليق المخرج ساخرًا: «أومال بيقولوا أفلامي بتخسر ليه؟»، ليتفاعل معه الجمهور.

وبعيدًا عن خفة ظل الموقف، يفتح هذا التعليق بابًا لقراءة إحدى الإشكاليات المستمرة في صناعة السينما، هل تُقاس قيمة الفيلم بحجم إيراداته فقط، أم أن هناك أعمالًا تترك أثرًا فنيًا ونقديًا يتجاوز حسابات شباك التذاكر؟

فأفلام نصر الله، التي تضم «سرقات صيفية» و«مرسيدس» و«المدينة» و«باب الشمس» و«جنينة الأسماك» و«احكي يا شهرزاد»، ارتبطت بتجارب سردية وبصرية خاصة، وهو ما يجعل الحديث عن مسيرته مدخلًا لمناقشة العلاقة بين الرؤية الفنية وقدرة الفيلم على الوصول إلى الجمهور.

يسري نصر الله.. مخرج يبحث عن مساحات مختلفة للحكي

يحمل عنوان الجلسة «سينما الابتكار» دلالة تتجاوز التعريف التقليدي بالمخرج وأعماله؛ فالتجربة السينمائية لنصر الله ارتبطت بتقديم شخصيات إنسانية واجتماعية داخل عوالم تتغير فيها العلاقات وتتقاطع فيها المصائر، مع البحث عن أساليب متنوعة في السرد والتعبير بالصورة.

ومن «المدينة» إلى «باب الشمس»، مرورًا بـ«جنينة الأسماك» و«احكي يا شهرزاد»، تتعدد العوالم التي اشتغل عليها المخرج، بما يجعل استعادة أفلامه فرصة لقراءة اختياراته الفنية وكيفية بناء الحكاية السينمائية، بدلًا من الاكتفاء بتصنيف أعماله وفقًا لنجاحها التجاري أو حضورها في المهرجانات.

وتكمن أهمية تجربة نصر الله في أنها تتيح نقاشًا أوسع حول مساحة التجريب المتاحة للمخرج المصري، وكيف يمكن للسينما أن تطرح أسئلة إنسانية واجتماعية من خلال اللغة البصرية وبناء الشخصيات، وليس من خلال الحكاية المباشرة وحدها.

حضور يسرا ونجوم الفن يمنح الجلسة زخمًا خاصًا

شهدت الجلسة حضور الفنانة يسرا، والفنانة كندة علوش، والفنان حسن الرداد، والفنانة ركين سعد، والفنان أحمد داش، والمخرج أمير رمسيس، والكاتب أحمد مراد، إلى جانب عدد من الفنانين وصنّاع السينما.

ولم يكن الحضور اللافت مجرد تفصيلة مرتبطة بنجوم المهرجان، بل عكس اهتمامًا بتجربة إخراجية تمتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ السينما المصرية الحديثة، وتقدم مادة للنقاش حول العلاقة بين المخرج والممثل، وبين الفكرة المكتوبة وطريقة تحويلها إلى صورة على الشاشة.

كما حملت مشاركة هذه الأسماء قيمة مهنية، إذ تتيح مثل هذه اللقاءات تبادل الخبرات بين أجيال مختلفة من العاملين في السينما، وتمنح الجمهور فرصة للتعرف إلى تجارب لا يمكن اختزالها في أسماء الأفلام أو ملصقاتها الدعائية.

ندوة انتظرها المهرجان لسنوات

كشف أندرو محسن، المدير الفني لمهرجان الجونة السينمائي، أن إدارة المهرجان حاولت تنظيم جلسة خاصة مع يسري نصر الله على مدار سنوات، معربًا عن سعادته بتحقيق ذلك خلال الدورة التاسعة، كما أشار إلى أن المخرج عضو في اللجنة الاستشارية للمهرجان.

وتكتسب هذه المعلومة أهمية خاصة؛ لأنها تضع اللقاء في سياق يتجاوز كونه فعالية يومية ضمن برنامج المهرجان، ليصبح مساحة مخصصة للاحتفاء بتجربة سينمائية ممتدة، ومناقشة الأسئلة التي تثيرها حول الابتكار واللغة الفنية وعلاقة الأفلام بجمهورها.

«سينما الابتكار».. ما الذي يبقى بعد انتهاء الحوار؟

تأتي جلسة يسري نصر الله في وقت تواصل فيه الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي تقديم عروض الأفلام واللقاءات المهنية والنقاشات المتعلقة بصناعة السينما.

لكن القيمة الأهم في هذا النوع من الجلسات لا تتوقف عند استعادة ذكريات المخرج أو رصد ردود أفعال الحضور، بل تمتد إلى إعادة طرح سؤال أساسي، كيف نصنع سينما تمتلك رؤيتها الخاصة، وتستطيع في الوقت نفسه بناء علاقة حقيقية مع الجمهور؟

ومن هنا، تبدو مزحة نصر الله عن خسائر أفلامه أكثر من مجرد لحظة عابرة؛ فهي تلخص مفارقة تستحق النقاش بين حسابات السوق ومعايير القيمة الفنية، وتعيد التأكيد على أن مسيرة المخرج لا تُقرأ من خلال أرقام الإيرادات وحدها، بل أيضًا من خلال الأفلام التي يقدمها، والأسئلة التي تثيرها، والطرق الجديدة التي يفتحها أمام السينما.

زر الذهاب إلى الأعلى