ملفات

تغيير عدادات الكهرباء بعد 10 سنوات.. لماذا يدفع المواطن ثمن العداد مرتين؟

لم يعد السؤال الذي يشغل بعض المواطنين هو موعد تغيير عداد الكهرباء القديم فحسب، بل من سيدفع ثمن هذا التغيير، خاصة عندما يكون العداد ما زال يعمل ويسجل الاستهلاك، ولم يثبت وجود عطل فني يستدعي استبداله.

فمع اتجاه وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة إلى تحديث منظومة القياس والتحصيل والتوسع في العدادات مسبقة الدفع، يجد المواطن نفسه أمام تكلفة جديدة لجهاز سبق أن دفع ثمنه عند توصيل الكهرباء إلى منزله، ضمن إجراءات التعاقد ومقايسة التوصيل التي تشمل العداد والكابلات والمستلزمات اللازمة.

وأعاد إعلان وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، الدكتور محمود عصمت، في 16 أكتوبر الجاري، بشأن تحمل المواطن تكلفة تغيير العداد الذي مر على تركيبه 10 سنوات، مع إتاحة التقسيط، فتح النقاش حول مدى عدالة تحميل المشترك هذه التكلفة، والفارق بين استبدال عداد انتهى عمره الفني أو ثبتت عدم صلاحيته، وبين تغيير عداد يعمل بكفاءة ضمن خطة عامة لتحديث المنظومة.

وفي المقابل، أوضح الوزير أن شركات التوزيع تتحمل تكلفة استبدال العدادات التي لم يتجاوز عمرها 5 سنوات إذا ثبت وجود مشكلات فنية تستدعي تغييرها، كما منح الشركات مهلة شهرين لاستبدال العدادات التالفة والمعطلة.

وبين مبررات التحديث واعتبارات التكلفة، يطرح خبراء تساؤلات بشأن الجهة التي ينبغي أن تتحمل نفقات تطوير منظومة الكهرباء، ومدى أحقية المواطن في الحصول على مقابل للعداد القديم أو خصم قيمته من تكلفة الجديد، فضلًا عن ضرورة معالجة أوجه الفقد والخسائر داخل القطاع قبل تحميل المستهلك أعباء إضافية.

تغيير عدادات الكهرباء بعد 10 سنوات.. لماذا يدفع المواطن ثمن العداد مرتين؟
تغيير عدادات الكهرباء بعد 10 سنوات.. لماذا يدفع المواطن ثمن العداد مرتين؟

خبير الطاقة الدولي علي عبد النبي يفجر مفاجأة بشأن تكلفة تغيير عدادات الكهرباء

أبدى الدكتور علي عبد النبي، خبير الطاقة الدولي، ونائب رئيس هيئة المحطات النووية المصرية الأسبق، اعتراضه على تحميل المواطن تكلفة استبدال العداد القديم بالكامل، معتبرًا أن تطوير المنظومة لا ينبغي أن يتحول إلى عبء إضافي على المشترك، خصوصًا إذا كان الاستبدال يستهدف تحقيق أهداف تنظيمية وإدارية تستطيع الدولة تحمل تكلفتها.

وأكد «عبد النبي» لـ«ليبرالي» أن اعتراضه لا يتعلق بمبدأ تحديث العدادات الكهربائية القديمة، وإنما بطريقة تمويل عملية الاستبدال، خاصة عندما يكون العداد صالحًا للعمل ولم يثبت وجود عطل يستدعي تغييره.

وأوضح أن من بين المبررات المطروحة لتطوير منظومة العدادات تقليل الاعتماد على الكشاف الذي يتولى قراءة الاستهلاك، ثم العودة مرة أخرى لتحصيل الفاتورة، مشيرًا إلى إمكانية دراسة بدائل تكنولوجية، من بينها إرسال قراءة العداد إلكترونيًا إلى شركة الكهرباء، لتسجيل الاستهلاك وإصدار الفاتورة وتحصيلها دون الحاجة إلى الإجراءات التقليدية المتكررة.

ويرى نائب رئيس هيئة المحطات النووية المصرية الأسبق، أن تحسين آليات القراءة والتحصيل لا يستلزم بالضرورة تحميل المواطن ثمن عداد جديد، إذا كان العداد الموجود يؤدي وظيفته بصورة سليمة.

كما شدد على أن المشترك دفع بالفعل تكلفة العداد عند توصيل الكهرباء إلى العقار أو الوحدة السكنية، إلى جانب قيمة الكابلات ومستلزمات التوصيل التي قد تبلغ آلاف الجنيهات بحسب طبيعة التعاقد والمقايسة.

وتساءل «عبد النبي» عما إذا كانت الدولة ترغب في استبدال العدادات رغم أنها تعمل ولم تتعطل ضمن خطة لتطوير منظومة الكهرباء، فلماذا إذن يتحمل المواطن وحده تكلفة هذا التغيير؟، موضحًا أن الدولة إذا قررت تنفيذ إحلال عام للعدادات لأسباب تتعلق بتطوير المنظومة، ينبغي أن تتحمل تكلفة هذا الإحلال، بدلًا من مطالبة المشترك بدفع ثمن جهاز سبق أن دفع قيمته عند توصيل الخدمة.

ولا يقتصر اعتراض خبير الطاقة الدولي على قيمة العداد، بل يمتد إلى شرائح استهلاك الكهرباء، إذ طالب بوجود شرائح مختلفة تراعي مستويات الاستهلاك، بدلًا من تحميل المواطنين تكلفة مرتفعة دون تمييز كافٍ بين أنماط الاستهلاك.

ولفت «عبد النبي» إلى شريحة الكهرباء المعروفة بشريحة الـ 235 قرشًا للكيلو وات في الساعة تلك التي تتسبب في دفع المواطن فاتورة مرتفعة مغايرة لاستهلاكه، معتبرًا أنها تختلف عن الشريحة التي يرى ضرورة إتاحتها عند مستوى 80 أو 90 قرشًا.

وفي سياق حديثه عن الأعباء التي يتحملها قطاع الكهرباء، أثار «عبد النبي» مسألة الخسائر التي قال إن شركات التوزيع تتكبدها، مستشهدًا بشركة شمال الدلتا لتوزيع الكهرباء، ومعتبرًا أن سوء الإدارة وأوجه الفقد من العوامل التي ينبغي بحثها قبل تحميل المواطنين تكاليف إضافية.

وحسب قوله كشف عن أن الفقد التجاري بشركة شمال الدلتا لتوزيع الكهرباء يبلغ نحو 24%، بينما يتجاوز الفقد الفني 15%، معتبرًا أن هذه المعدلات تعكس حجم المشكلة التي تواجه الشركة، متسائلًا عن مدى فاعلية الإجراءات المتخذة لمواجهة سرقات التيار الكهربائي والحد من أوجه الفقد.

وأشار إلى أن الفقد التجاري يشمل سرقات الكهرباء وغيرها من صور الاستهلاك التي لا تنعكس بصورة سليمة في حسابات التحصيل، منتقدًا ما يراه قصورًا في مواجهة بعض المخالفات، ومتسائلًا عن دور شرطة الكهرباء في التصدي لها.

وضرب «عبد النبي» مثالًا بإضاءات بعض الأسواق الشعبية التي قال إنها تعتمد على سرقة التيار الكهربائي بصورة علنية، معتبرًا أن مواجهة هذه الممارسات ينبغي أن تكون جزءًا أساسيًا من خطة إصلاح منظومة الكهرباء، بدلًا من تحميل المشتركين الملتزمين بسداد الفواتير أعباء الخسائر.

وعلى حد قوله لفت كذلك إلى أن الفقد الفني في الشركة ذاتها يتجاوز كذلك المستوى الذي يرى أنه ينبغي تحقيقه، مطالبًا بمعالجة أوجه القصور في إدارة الشبكات ومواجهة سرقات الكهرباء، مشيرًا إلى أن المواطن لا ينبغي أن يتحمل فاتورة خسائر يمكن الحد منها من خلال تحسين الإدارة والرقابة ورفع كفاءة المنظومة.

تغيير عدادات الكهرباء بعد 10 سنوات.. لماذا يدفع المواطن ثمن العداد مرتين؟
تغيير عدادات الكهرباء بعد 10 سنوات.. لماذا يدفع المواطن ثمن العداد مرتين؟

رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية: تغيير العدادات يفتح ملف «الثمن مرتين»

ومن جهته، أكد أشرف هلال، رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية أن أصحاب المنازل والعقارات سبق وأن دفعوا بالفعل تكلفة عداد الكهرباء ضمن إجراءات التوصيل والتعاقد منذ البداية، معتبرًا أن مطالبة المواطن بسداد ثمن عداد جديد كاملًا تستدعي توضيحًا بشأن قيمة العداد القديم الذي ستسترده شركة الكهرباء.

وأشار إلى أن المواطن اشترى العداد من الحكومة ضمن إجراءات التعاقد، متسائلًا عن سبب مطالبته بدفع ثمن عداد آخر دون احتساب ما دفعه بالفعل.

وفي الوقت نفسه، أوضح أنه لا يشكك في نوايا الحكومة، وأنه ربما تكون لديها أهداف فنية أو تنظيمية وراء قرار تغيير العدادات، لكنه يرى ضرورة مراعاة الأعباء المالية الواقعة على المواطنين.

وطالب رئيس الشعبة، على الأقل، بخصم قيمة العداد القديم من تكلفة العداد الجديد، بحيث يسدد المواطن الفرق فقط، بدلًا من تحصيل القيمة الكاملة منه مرة أخرى.

وطرح هلال تساؤلًا بشأن مصير العداد القديم بعد استرداده من جانب شركة الكهرباء، وما إذا كان يمكن تقييمه واحتساب قيمته عند تحديد تكلفة الاستبدال.

وتكشف البيانات الرسمية عن استمرار تحديات الفقد في منظومة الكهرباء، رغم إعلان الوزارة تحسن المؤشرات خلال السنوات الأخيرة، فبحسب بيان المركز الإعلامي لوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة المنشور في سبتمبر 2026، تراجعت نسبة الفقد الإجمالي من 19.66% خلال العام المالي 2023/2024 إلى 18.93% في 2024/2025، ثم إلى 17.67% في 2025/2026، وهو ما يُعني أن الفقد لا يزال يمثل تحديًا قائمًا أمام شركات التوزيع.

وفي مواجهة سرقات التيار الكهربائي، أعلنت الوزارة تحرير نحو 4.44 مليون محضر سرقة خلال العامين الماليين الماضيين، مع تحصيل نحو 18.67 مليار جنيه عن هذه المحاضر، بزيادة 62% مقارنة بالفترة المناظرة.

وتفتح هذه الأرقام بابًا للتساؤل حول مدى كفاية الإجراءات المتخذة لوقف السرقات وخفض الفقد، وما إذا كانت نتائج التحصيل تنعكس بصورة ملموسة على أداء شركات التوزيع وتكلفة الخدمة التي يتحملها المواطن.

وقد بلغ عدد مستخدمي العدادات مسبقة الدفع بالفعل نحو 22.7 مليون مشترك بنهاية العام المالي 2025/2026، مقابل نحو 22.6 مليون مشترك بالعدادات التقليدية، وفق بيانات وزارة الكهرباء.

زر الذهاب إلى الأعلى