الرئيسيةعربي ودولي

إثيوبيا في عهد آبي أحمد.. المركز يطمح في التهام الأقاليم

أزمات الداخل وتصعيد البحر الأحمر يربكان الحسابات مع الجيران والقوى الإقليمية

لم يعد التصعيد في شمال إثيوبيا مجرد مواجهة بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيجراي، بل أصبح اختبارًا أوسع لسياسات رئيس الوزراء آبي أحمد في إدارة التعددية القومية، واحتواء الصراعات المسلحة، والحفاظ على تماسك الدولة، بالتزامن مع تصاعد التوتر مع إريتريا بشأن الحدود والوصول إلى البحر الأحمر.

ومنذ تجدد القتال في 23 سبتمبر 2026، شهدت الأزمة تطورات متلاحقة، شملت إعلان تحالف يضم سبع جماعات معارضة، واتساع المواجهات في تيجراي وأمهرا وعفر، واستعادة قوات موالية للحكومة السيطرة على ميكيلي، عاصمة تيجراي، في 4 أكتوبر، وصولًا إلى تقارير عن تحركات عسكرية إريترية داخل الأراضي الإثيوبية وتبادل الاتهامات بالتصعيد.

وتكشف هذه التطورات عن أزمة تتجاوز موازين القوى في شمال البلاد، لتطرح تساؤلات حول حصيلة إدارة آبي أحمد للصراعات الداخلية، وحدود قدرته على الجمع بين تعزيز سلطة المركز وتوسيع طموحات إثيوبيا الإقليمية، في ظل تداخل النزاعات المحلية مع التوترات في القرن الأفريقي.

أولًا: أزمة الحكم وتراجع فرص التسوية السياسية

منذ وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، واجهت حكومته تحديات متزايدة في إدارة التوازنات القومية والإقليمية، وتحولت خلافات سياسية في مناطق عدة إلى مواجهات مسلحة، وكانت حرب تيجراي، التي اندلعت عام 2020 وانتهت باتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022، أبرز مظاهر صعوبة التوصل إلى تسوية مستدامة بين الحكومة الفيدرالية والإقليم.

ورغم أن الاتفاق أوقف الحرب الواسعة، فإن ملفات أساسية ظلت عالقة، من بينها الترتيبات الأمنية، ومستقبل الإدارة الإقليمية، والنزاعات على الأراضي، وإعادة بناء الثقة بين الأطراف.

وتثير عودة المواجهات تساؤلات بشأن نجاح الحكومة في تحويل التسوية العسكرية إلى استقرار سياسي، إذ لا تعني استعادة السيطرة على المدن بالضرورة معالجة جذور النزاع، وقد تحقق الضغوط العسكرية مكاسب مؤقتة، لكنها تترك الباب مفتوحًا أمام تجدد المواجهات ما لم يصاحبها مسار سياسي يعالج الخلافات المتعلقة بالسلطة وتوزيعها.

ثانيًا: تحالف المعارضة وتحدي السلطة المركزية

في سبتمبر 2026، أعلنت سبع جماعات إثيوبية معارضة تشكيل تحالف يستهدف مواجهة حكومة آبي أحمد والعمل على إقامة حكومة انتقالية شاملة، وضم التحالف جبهة تحرير شعب تيجراي، وحركة فانو الأمهرية، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب حركات أخرى تمثل أقاليم وقوميات مختلفة.

وتكمن أهمية التحالف في جمع أطراف تتباين خلفياتها السياسية والقومية ومصالحها الإقليمية، بل سبق أن وقفت في مواقع متعارضة خلال مراحل من الصراع، ويبرز التقارب بين جبهة تيجراي وفصائل فانو الأمهرية بوصفه تحولًا لافتًا، في ظل الخلافات السابقة بشأن الأراضي والحدود والنفوذ المحلي.

ومع ذلك، لا يعني الإعلان عن التحالف تشكيل قيادة عسكرية موحدة أو تجاوز الخلافات التاريخية بين أعضائه؛ إذ قد تحد التباينات الجغرافية واختلاف القدرات والأهداف من إمكانية تنسيق تحركات مشتركة.

ويحمل التحالف رسالة سياسية إلى الحكومة الفيدرالية، مفادها أن المعارضة تسعى إلى تقديم الصراعات المتفرقة باعتبارها أزمة أوسع تتعلق بطبيعة الحكم وتوزيع السلطة، لكن تأثيره الفعلي سيظل مرتبطًا بقدرته على بناء تنسيق مستدام، والاتفاق على أهداف مشتركة، وتقديم بديل سياسي قابل للتطبيق.

ثالثًا: استعادة ميكيلي لا تعني نهاية الصراع

تجدد القتال في 23 سبتمبر بين القوات الفيدرالية والقوات المرتبطة بتيجراي، وسط تبادل الاتهامات بشأن الطرف المسؤول عن بدء المواجهات، وامتدت الاشتباكات إلى مناطق في أمهرا وعفر، فيما تأثرت حركة الطيران والاتصالات في شمال البلاد.

وفي 4 أكتوبر، استعادت قوات موالية للحكومة السيطرة على ميكيلي، عاصمة تيجراي، بعد انسحاب قوات جبهة تحرير شعب تيجراي، وأفادت تقارير صحفية بأن الانسحاب مثّل انتكاسة ميدانية للجبهة، لكنه لم ينهِ المواجهات.

وفي 5 أكتوبر، تحدثت تقارير عن غارات جوية وقصف مدفعي وسقوط قتلى قرب ميكيلي وفي مناطق أخرى، بينها أدوة وشيرارو، بما يشير إلى استمرار العمليات العسكرية رغم استعادة العاصمة.

ولا تكفي السيطرة على ميكيلي للحكم على انتهاء قدرة الجبهة على مواصلة القتال، إذ يرتبط ذلك بوضع قواتها خارج العاصمة وتماسك قيادتها وقدرتها على الاحتفاظ بمناطق نفوذ أخرى، كما أن السيطرة العسكرية لا تعني تلقائيًا عودة الإدارة المدنية والخدمات.

وأشارت وكالة أسوشيتد برس، في 9 أكتوبر، إلى استمرار إغلاق مكاتب حكومية محلية، بينما تحركت الشرطة الفيدرالية لاستعادة النظام وتهيئة الظروف لتشكيل إدارة جديدة، ويضع ذلك الحكومة أمام مسؤولية حماية المدنيين وإعادة الخدمات وتجنب الانتقام والاعتقالات التعسفية، بما يسمح بتحويل المكاسب الميدانية إلى استقرار مستدام.

رابعًا: اتفاق بريتوريا أمام اختبار التنفيذ

تثير المواجهات الجديدة تساؤلات حول قدرة الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيجراي على الالتزام بالتسوية السابقة ومعالجة الملفات العالقة منذ عام 2022.

فالاتفاق وحده لا يضمن الاستقرار ما لم تقترن بنوده بإجراءات قابلة للتنفيذ، وترتيبات أمنية واضحة، وحوار سياسي يعالج النزاعات على الأراضي والسلطة الإقليمية.

وتشمل مسؤولية الحكومة توضيح رؤيتها لمستقبل تيجراي، وضمان مشاركة مؤسساته المدنية في إدارة الإقليم، وتحديد آليات لحسم الخلافات القائمة، وفي المقابل، تتحمل الجبهة مسؤولية قراراتها العسكرية والسياسية ومدى التزامها بالترتيبات التي وافقت عليها سابقًا.

خامسًا: التصعيد مع إريتريا يوسع دائرة المخاطر

يمثل التوتر الإثيوبي الإريتري أحد أخطر أبعاد الأزمة، في ظل التاريخ الطويل للصراع بين البلدين، والحرب الحدودية التي اندلعت بين عامي 1998 و2000، ثم التقارب الذي شهدته العلاقات عام 2018.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تدهورت العلاقات مجددًا، مع إغلاق إثيوبيا سفارتها في أسمرة وطرد دبلوماسيين إريتريين، قبل أن تعلن إريتريا قطع العلاقات الدبلوماسية.

وفي 8 أكتوبر، ظهرت تقارير عن وجود قوات إريترية في مناطق شمال إثيوبيا، بينها محيط أديجرات، كما تحدثت تقارير عن ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت قوات إريترية.

وفي اليوم التالي، اتهمت الحكومة الإثيوبية إريتريا بشن توغل عسكري داخل أراضيها، وقالت في رسالة إلى مجلس الأمن إن القوات الإريترية تقدمت لمسافة تصل إلى 60 كيلومترًا داخل الحدود الإثيوبية.

في المقابل، اتهمت أسمرة الحكومة الإثيوبية بالسعي إلى إشعال حرب، وربطت مخاوفها بتصريحات أديس أبابا بشأن الوصول إلى البحر الأحمر، وتظل هذه الاتهامات بحاجة إلى تحقق مستقل.

وتكمن خطورة التصعيد في احتمال تداخل الأزمة الداخلية مع مواجهة بين دولتين، بما يزيد تعقيد الحسابات الأمنية في المنطقة، ورغم أن سعي إثيوبيا إلى الوصول للموانئ يرتبط بمصالح تجارية واقتصادية مشروعة باعتبارها دولة غير ساحلية، فإن ذلك لا يبرر المساس بسيادة الدول الأخرى، ويظل التفاوض والاتفاق الطوعي واحترام الحدود أساسًا لأي ترتيبات مستدامة.

سادسًا: البحر الأحمر في حسابات الأمن القومي المصري

تكتسب التطورات الإثيوبية أهمية بالنسبة إلى مصر، لارتباطها بأمن البحر الأحمر واستقرار السودان والتوازنات الإقليمية في القرن الأفريقي، فضلًا عن الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا بشأن سد النهضة.

وفي الأول من أكتوبر، أعرب الاتحاد الأفريقي عن قلقه من تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا ومصر، ودعا الدول الثلاث إلى ضبط النفس والحفاظ على قنوات الاتصال.

وفي الرابع من أكتوبر، أوضحت المفوضية الأفريقية أن بيانها لم يقصد تحميل أي دولة مجاورة مسؤولية التطورات، مؤكدة احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

وتزامن ذلك مع اجتماع قادة مصر وإريتريا والصومال والسودان في العلمين الجديدة في 4 أكتوبر، حيث أكدوا أهمية الحلول السياسية والسلمية للأزمات الإقليمية، بما فيها الحرب في السودان، وجاء الاجتماع وسط اتهامات إثيوبية لدول مجاورة بدعم التحالف المعارض، وهي اتهامات نفتها الدول المعنية.

وتظل ضرورة الفصل بين الملفات المختلفة قائمة؛ فالنزاع حول سد النهضة له مساره الخاص، بينما يرتبط التوتر الإثيوبي الإريتري بأمن الحدود والوصول إلى البحر الأحمر، وتتصل الأزمة الداخلية بصراع السلطة بين الحكومة والأقاليم والجماعات المسلحة.

ومع ذلك، فإن تقاطع هذه الملفات قد يفاقم آثارها الإقليمية؛ إذ يمكن لمواجهة واسعة بين إثيوبيا وإريتريا أن تزيد الضغوط على السودان، وتعمق الاضطراب في القرن الأفريقي، وتؤثر في أمن الممرات البحرية.

زر الذهاب إلى الأعلى