أثارت الأنباء المتداولة بشأن انتشار الخناق الحنجري بين الأطفال حالة من القلق لدى أولياء الأمور، خاصة مع تداول معلومات تربط المرض بطلاب المدارس، وتزايد التساؤلات حول طبيعته ومدى خطورته وحقيقة الوضع الوبائي في مصر.
وبين المخاوف المتصاعدة والتوضيحات الرسمية، يبرز سؤال أساسي، هل تشهد البلاد انتشارًا غير معتاد للمرض، أم أن الأمر يتعلق بعدوى تنفسية موسمية معروفة تتكرر خلال فصلي الخريف والشتاء؟
وفي محاولة لتوضيح الصورة، تواصلت «ليبرالي» مع عدد من الأطباء للتعرف على طبيعة الخناق الحنجري وأبرز مسبباته، والفئات الأكثر عرضة للإصابة، والأعراض التي تستدعي التدخل الطبي العاجل، إلى جانب توضيح موقف وزارة الصحة من الوضع الوبائي.
د. أمجد الحداد: الخناق الحنجري حالة مرضية وليس فيروسًا مستقلًا
أوضح الدكتور أمجد الحداد، رئيس قسم الحساسية والمناعة بهيئة المصل واللقاح، أن الخناق الحنجري ليس فيروسًا مستقلًا، وإنما حالة تحدث نتيجة التهاب أو تورم الحنجرة والأحبال الصوتية، وقد ترتبط بعدوى عدد من الفيروسات التنفسية، من بينها فيروس الإنفلونزا والفيروسات المسببة لنزلات البرد، ما يؤدي إلى ظهور كحة مميزة تشبه النباح، تُعرف باسم الكحة الخناقية.
وأضاف، في حديثه إلى «ليبرالي»، أن الخناق الحنجري يظهر بصورة أكبر بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و3 سنوات، موضحًا أن الحديث عن انتشاره بين طلاب المدارس يستدعي التمييز بين الإصابة بالخناق الحنجري نفسه وظهور أعراض السعال أو التهاب الحنجرة نتيجة عدوى تنفسية، إذ تقل شيوعًا الإصابة بهذه الحالة لدى الأطفال الأكبر سنًا.

وأشار الحداد إلى أن بعض العدوى التنفسية قد تسبب التهابًا وتورمًا في الحنجرة، يصاحبهما تغير في نبرة الصوت وكحة تشبه النباح، وقد تتطور الحالة إلى صعوبة في التنفس.
وشدد على ضرورة التوجه إلى المستشفى فورًا عند ظهور صعوبة في التنفس أو علامات الاختناق لدى الطفل، لتقييم الحالة وتحديد التدخل العلاجي المناسب.
د. كريم السويدي: فيروس نظير الإنفلونزا من أبرز مسببات الخناق الحنجري
من جانبه، أوضح الدكتور كريم السويدي، أخصائي الفيروسات والمناعة، أن فيروس نظير الإنفلونزا البشري (Human Parainfluenza Virus – HPIV) يُعد من أبرز الفيروسات المسببة للخناق الحنجري لدى الأطفال، ويصيب المرض الجهاز التنفسي العلوي، مسببًا التهابًا وتورمًا في الحنجرة والقصبة الهوائية، وقد يمتد الالتهاب إلى أجزاء أخرى من الممرات التنفسية.
وأوضح السويدي، أن الخناق الحنجري يصيب الأطفال بصورة أكبر بسبب صغر حجم الممرات الهوائية لديهم، ما يجعل التورم المصاحب للعدوى أكثر تأثيرًا على تدفق الهواء، فيما تقل معدلات الإصابة مع التقدم في العمر، وإن كان المرض قد يصيب أطفالًا أكبر سنًا في بعض الحالات.

وأضاف، في حديثه إلى «ليبرالي»، أن الخناق الحنجري يرتبط بعدوى فيروسية، ويزداد انتشاره خلال مواسم معينة، خاصة في فترات تغير الفصول وخلال الخريف والشتاء، وقد تبدأ الأعراض بعلامات تشبه نزلات البرد، قبل ظهور السعال المميز الذي يشبه النباح وبحة الصوت، وأحيانًا صدور صوت حاد أثناء الشهيق نتيجة ضيق الممرات الهوائية.
وأشار إلى أن الأعراض تستمر عادة عدة أيام، وتتراوح في معظم الحالات بين 3 و7 أيام، قبل أن تبدأ في التراجع تدريجيًا، إلا أن مدة المرض وشدته تختلفان من طفل إلى آخر وفقًا لطبيعة العدوى ومدى تأثر الجهاز التنفسي.
ولفت السويدي إلى أن فيروس نظير الإنفلونزا يضم أربعة أنواع رئيسية، تُعرف بالرموز HPIV-1 وHPIV-2 وHPIV-3 وHPIV-4، وتختلف هذه الأنواع في خصائصها الوبائية وعلاقتها بالأمراض التنفسية، ويرتبط النوعان الأول والثالث على نحو خاص بحالات الخناق الحنجري، بينما يمكن لفيروسات تنفسية أخرى أن تسبب المرض نفسه.
وشدد على أهمية الانتباه إلى الأعراض التي تشير إلى تأثر التنفس، وعدم الاكتفاء باعتبار السعال وبحة الصوت علامتين لنزلة برد عادية، مؤكدًا على ضرورة التوجه إلى الرعاية الطبية العاجلة عند ظهور صعوبة واضحة في التنفس، أو صدور صوت حاد أثناء الشهيق في أثناء الراحة، أو ازرقاق الشفتين.
اختلاف طبيعة المرض عن الدفتيريا
وفي بيان بشأن الخلط بين الخناق الحنجري والدفتيريا، أوضحت وزارة الصحة أن المرضين مختلفان من حيث المسبب وطبيعة الإصابة؛ فالخناق الحنجري يرتبط غالبًا بعدوى فيروسية، بينما تُعد الدفتيريا مرضًا بكتيريًا خطيرًا يقي منه التطعيم المدرج ضمن البرنامج القومي للتطعيمات.
الفئة الأكثر عرضة للإصابة.. هل ينتشر المرض بين طلاب المدارس؟
وفيما يتعلق بالمخاوف من انتشار المرض بين طلاب المدارس، أكدت وزارة الصحة أن الأطفال الصغار هم الفئة الأكثر عرضة للإصابة بالخناق الحنجري، خاصة من عمر 6 أشهر وحتى 3 سنوات.
وتقل معدلات الإصابة مع التقدم في العمر، ويصبح المرض أقل شيوعًا بعد سن الخامسة، نتيجة نمو الممرات الهوائية واتساعها، ما يقلل تأثير التورم المصاحب للعدوى على تدفق الهواء.
الموقف الوبائي في مصر
أكدت وزارة الصحة أن قطاع الطب الوقائي يرصد الأمراض التنفسية يوميًا من خلال منظومة الترصد الوبائي في مختلف محافظات الجمهورية.
وأوضحت أن معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية لدى الأطفال تقع ضمن المعدلات الموسمية المعتادة لهذا التوقيت من العام، مشيرة إلى عدم رصد نمط غير معتاد أو تفشٍّ داخل المدارس أو الحضانات.
نصائح وزارة الصحة للوقاية من العدوى
شددت وزارة الصحة والسكان، في بيانها الرسمي، على أهمية الالتزام بإجراءات الوقاية من العدوى التنفسية، وفي مقدمتها غسل اليدين بانتظام، واستخدام المناديل عند السعال والعطس، والحرص على تهوية الغرف والمنازل جيدًا.
وأكدت أهمية إبقاء الطفل المريض في المنزل خلال فترة المرض، للحد من احتمالات انتقال العدوى إلى الآخرين، والالتزام بجدول التطعيمات الإجبارية في مواعيدها، إلى جانب حصول الفئات المستحقة على تطعيم الإنفلونزا الموسمية وفقًا للتوصيات الطبية.
كما نبهت الوزارة إلى أهمية توفير الرعاية المنزلية المناسبة للطفل المصاب، من خلال تهدئته وتقديم السوائل الكافية له، إذ يمكن أن يؤدي البكاء والقلق إلى زيادة صعوبة التنفس لدى بعض الأطفال المصابين بالخناق الحنجري.
وحذرت الوزارة من إعطاء المضادات الحيوية للأطفال دون استشارة الطبيب، موضحة أن الخناق الحنجري يرتبط في معظم الحالات بعدوى فيروسية، وأن المضادات الحيوية لا تعالج الفيروسات.
غياب الأرقام التفصيلية يثير تساؤلات حول حجم الإصابات
على الرغم من تأكيد وزارة الصحة والسكان، أن الخناق الحنجري حالة مرضية معروفة، وأن معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية بين الأطفال تقع ضمن الحدود الموسمية المعتادة، فإن البيان الرسمي الصادر عن الوزارة لم يحدد عدد حالات الخناق الحنجري المسجلة في مصر، كما لم يتضمن بيانات تفصيلية عن أعداد الإصابات في المحافظات المختلفة أو تطورها مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
واكتفت الوزارة بالإشارة إلى متابعة الأمراض التنفسية عبر منظومة الترصد الوبائي، والتأكيد على عدم رصد نمط غير معتاد أو تفشٍّ داخل المدارس والحضانات، دون نشر أرقام مستقلة توضح حجم الإصابات بالخناق الحنجري تحديدًا.
ويترك غياب هذه البيانات التفصيلية تساؤلات بشأن عدد الحالات المسجلة واتجاهاتها خلال الفترة الحالية، رغم التطمينات الرسمية المتعلقة بالموقف الوبائي العام.



