القرار يحرج السعودية ويرضي ترامب.. هل يمثل انسحاب الإمارات من “أوبك” ضربة النهاية للمنظمة؟

جاء إعلان الإمارات انسحابها من منظمة أوبك وتحالف “أوبك+”، بمثابة ضربة للمجموعتين المصدرتين للنفط والغاز، في وقت تسببت فيه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بصدمة تاريخية في قطاع الطاقة والذي ألحق الضرر بالاقتصاد العالمي، وفسرت الإمارات قرارها المقرر تنفيذه في مايو المقبل، بأنه “للتركيز على مصالحها الوطنية”، فيما يعكس “رؤية الإمارات الاستراتيجية والاقتصادية طويلة الأمد وتطور قطاع الطاقة لديها”.

وقد يؤدي خروج الإمارات إلى أحداث فوضى وإضعاف المنظمة النفطية، التي طالما سعت إلى تجاوز الخلافات حول الجغرافيا السياسية وحصص الإنتاج، ونفى وزير الطاقة الإماراتي، سهيل المزروعي أن تكون الإمارات تشاروت مع أي دولة حول مسألة الانسحاب، مؤكدًا أن قرار الانسحاب هو قرار سياسي اتُخذ بعد دراسة متأنية للسياسات الحالية والمستقبلية المتعلقة بمستوي الإنتاج، وقد كانت الإمارات عضوًا في منظمة أوبك من خلال إماراتها أبوظبي عام 1967، ثم بعد استقلالها عام 1971.

وسيمنح الانسحاب من منظمة أوبك الإمارات العربية المتحدة مرونة أكبر في الاستجابة لديناميكيات السوق، وسيسمح لها بزيادة إنتاج النفط بالقدر الذي يراه القادة مناسبًا، وهو ما قد يُسهم نظريًا في خفض أسعار النفط العالمية، وكانت شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك”، الشركة الوطنية للنفط في الإمارات، قد حددت هدفًا لزيادة طاقتها الإنتاجية من النفط الخام إلى 5 ملايين برميل يوميًا “مقارنةً بـ 2.94 مليون برميل في عام 2023” بحلول عام 2027.

خلافات أوبك انتصار لترامب
اتهم الرئيس الأمريكي ترامب، في خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2018 منظمة أوبك بـ “استغلال بقية العالم” من خلال رفع أسعار النفط، كما ربط ترامب الدعم العسكري الأمريكي لدول الخليج بأسعار النفط، مبررًا ذلك بأنه بينما تدافع الولايات المتحدة عن أعضاء أوبك، فإنهم يستغلون ذلك بفرض أسعار نفط مرتفعة، لطالما وصف صناع السياسات العالميون المنظمة بأنها كارت يتلاعب بالأسعار.

كما شهدت المنظمة تراجعًا في نفوذها السوقي مع زيادة الولايات المتحدة من إنتاجها من النفط الخام في السنوات الأخيرة، وتعد الإمارات ثالث أكبر منتج عربي للنفط في أوبك، بعد السعودية والعراق، ويشير قرارها بالانسحاب من التحالف إلى وجود خلافات داخلية، كما أن تزايد حدة التنافس بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية حول القضايا الاقتصادية والسياسية الإقليمية، لاسيما في منطقة البحر الأحمر، حيث انضمت كلا البلدين إلى تحالف لمحاربة الحوثيين في العام 2015، إلا أن التحالف انهار نهاية العام الماضي، إثر تبادل الاتهامات عندما قصفت السعودية ما وصفته بشحنة أسلحة كانت في طريقها للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات.

كما ستنسحب الإمارات من تحالف أوبك+، وهو تحالف أوسع تشكل عام 2016 ويضم الأعضاء الأساسيين الـ12 في أوبك، بالإضافة إلى 10 منتجين رئيسيين آخرين، من بينهم روسيا والمكسيك وكازاخستان.

نتائج خروج الإمارات
تبلغ الطاقة الإنتاجية للإمارات نحو 4.8 مليون برميل يوميًا، كما أنها تملك طموحًا لزيادة الإنتاج، فخسارتها تفقد المجموعة أداة فعالة، وذلك مع اقتراب الطلب من ذروته في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فأصبح الالتزام بنظام الحصص بمثابة تفويت لفرصة ربحية، وعليه فإن العبء الأكبر لاستقرار أسعار السوق الآن أصبح يقع على عاتق السعودية، والذي من شأنه أن يفقد السوق صمام تخفيف الصدمات.

إلا أن انسحاب الإمارات من أوبك ليس له بالضرورة أي تأثيرات فورية على الأسواق، ويعود ذلك إلى أن إمدادات النفط العالمية محدودة بشدة بسبب الحرب في إيران، والتي أغلقت مضيق هرمز، إلا أنه وبخروج الإمارات ستفقد أوبك نحو 15% من قدرتها، وأحد أكثر أعضائها التزامًا.

ويتماشى الانسحاب من “أوبك” مع حاجة الإمارات إلى المرونة في التعامل مع كبار مستهلكي الطاقة، بما في ذلك العلاقة المستقبلية مع الصين وعلاقة أكثر تنافسية مع السعودية”.

اتجاه الإمارات نحو سياسات مغايرة
انتهجت الإمارات سياسة خارجية مغايرة، ووسعت نفوذها في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، وقد عززت الإمارات مؤخرًا علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين أقامت معهما علاقات في اتفاقيات أبراهام عام 2020، لا سيما بعد تعرضها للهجوم خلال الحرب الإيرانية، وتنظر الإمارات إلى علاقتها مع إسرائيل كأداة حاسمة لتعزيز نفوذها الإقليمي، وقناة فريدة للتواصل مع الولايات المتحدة.

جاء خروج الإمارات بعد أن انتقد المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، أنور قرقاش، رد الفعل العربي والخليجي على الهجمات الإيرانية الأخيرة، وذلك خلال جلسة في منتدى المؤثرين الخليجيين، ويمكن العمل خارج نطاق مجموعة المنتجين الإمارات العربية المتحدة من الاستفادة الكاملة من موقعها كمورد لبعض براميل النفط الأقل تكلفة والأقل انبعاثاً للكربون في العالم.

انسحاب الإمارات من أوبك سيؤدي إلى مكاسب واضحة على المدى القصير، وإلى تحرير إنتاج النفط في البلاد، قد تُدر هذه الخطوة إيرادات سنوية إضافية تتجاوز 50 مليار دولار، استنادًا إلى الطاقة الإنتاجية الفائضة الحالية واستكمال الاستثمارات الرأسمالية الجارية، إلا أن هذه المكاسب يجب موازنتها مع احتمال توتر العلاقات مع المملكة العربية السعودية المجاورة، واحتمال نشوب حرب أسعار مدمرة.

 تأسست منظمة أوبك عام 1960 بهدف تحقيق استقرار الأسعار من خلال زيادة الإنتاج بين الدول الأعضاء عند نقص الإمدادات، وخفض الإنتاج عند انخفاض الأسعار. ومن خلال تنسيق كميات النفط التي تضخها الدول الأعضاء الـ 12، وهي  السعودية والعراق وإيران  والإمارات والكويت والجزائر وليبيا ونيجيريا والجابون  وغينيا والكونغو وفنزويلا، وفي أي وقت تستطيع المنظمة التأثير على أسواق الطاقة العالمية، ويمكن أن تنتشر قراراتها بسرعة عبر أسعار البنزين والتضخم والاقتصاد العالمي بشكل عام.

تبلغ النسبة التقريبية لإنتاج النفط الخام العالمي من قِبل الدول الأعضاء في أوبك بنسبة 35%، وتمثل صادرات النفط من المنظمة حوالي 50% من إجمالي النفط المتداول دوليًا.

 وشهدت المنظمة عدة منالانسحابات، فعلقت الإكوادور عضويتها في العام 1992 ثم انضمت مجددًا في العام 2007 لتنسحب نهائيًا في العام 2020، وعلقت اندوينسيا عضويتها في 2009 ثم فعلتها مرة أخرى في العام 2016، وأنهت الجابون عضويتها في العام 1995 ثم عادت في العام 2016.

وانسحبت قطر في العام 2019 معللة ذلك بالحاجة للتركيز على استراتيجية تتمحور حول الغاز، وتعد قطر منتج عالمي للغاز الطبيعي، كانت أنجولا أخر دولة تنسحب من أوبك في العام 2024.