قصة بتول علوش.. خوف اجتماعي وصراع يتجاوز الحقيقة في سوريا

لماذا أصبحت بتول “ترند”؟.. سؤال يكشف ازدواجية التفاعل مع قضايا السوريات

تحولت قصة الفتاة بتول علوش إلى قضية رأي عام متداولة على وسائل التواصل الإجتماعي داخل سوريا وخارجها، وسط ترويج لعشرات الروايات المختلفة، حول اختطافها أو تغير قناعتها الدينية بينما دخلت الأراء الطائفية والسياسية لتُغذي ساحة الصراع للتحريض على الانقسام.

جاء ذلك مع موجه ضخمة من التعليقات والنداءات والمطالبات بكشف مصيرها، خلال الساعات الماضية أصبحت قصة “بتول” ،”ترند” الصفحات السورية، وبدأت الشائعات تنتشر بشكل واسع، بينما طالبت والدتها بعودتها إلى أحضان أسرتها مجددًا، وظهرت “بتول” وهي تنفي خبر اختطافها ، وآخرون قالوا أنها غادرت بإرادتها، بينما دخلت حسابات سياسية وطائفية لتوظيف القضية في اتجاهات مختلفة.

لكن مع تصاعد الجدل، ظهر سؤال مهم بين السوريين: لماذا تحولت قصة بتول إلى كل هذا الضجيج الإعلامي، بينما هناك قضايا أخرى لفتيات اختفين أو قُتلن ولم تحصل على نفس الاهتمام؟

كل هذه الأحاديث أعادت إلى الأذهان قصص فتيات أخريات في سوريا تعرضن للخطف أو القتل أو الاختفاء، لكن قضاياهن مرت بهدوء ولم تتحول إلى قضية رأي عام. بعض العائلات لم تجد حتى من يسمع صوتها، بينما في قضية بتول تحركت صفحات ووسائل إعلام ومجموعات إلكترونية بشكل واسع جدًا خلال وقت قصير.

أعادت قضية “بتول” والتي تحولت إلى السنة، ملفات تتعلق بالنساء السوريات خلال سنوات الحرب والانقسام، حيث وثّقت تقارير حقوقية محلية ودولية آلاف الانتهاكات بحق النساء، شملت القتل، والاعتقال التعسفي، والخطف، والعنف الجنسي، والاختفاء القسري، في مناطق مختلفة من سوريا.

بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان فقد تم توثيق مقتل 312 سيدة مدنية داخل سوريا خلال عام 2025 وحده، إلى جانب مئات حالات الاعتقال التعسفي والانتهاكات المرتبطة بالنزاع. كما سجّلت الشبكة أكثر من 1108 حالات اعتقال تعسفي خلال العام، بينهم نساء وأطفال، تركزت في محافظات مثل دير الزور، الرقة، حلب، وحمص.

في ملف الخطف، قالت منظمة العفو الدولية إنها تلقت تقارير موثوقة منذ فبراير 2025 حول اختطاف ما لا يقل عن 36 امرأة وفتاة علوية تتراوح أعمارهن بين 3 و40 عامًا، في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة، وسط مطالبات بفتح تحقيقات عاجلة ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات.

كما أعادت تقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا الحديث عن تعرض نساء وفتيات لانتهاكات متعددة خلال العمليات الأمنية وأعمال العنف الطائفي، خاصة في مناطق الساحل السوري والسويداء، حيث وثقت التقارير عمليات قتل واحتجاز وعنف جنسي وخطف وتهجير قسري خلال عام 2025.

يرى حقوقيون أن خطورة هذه الانتهاكات لا تتوقف عند الأرقام فقط، بل في تأثيرها على النسيج الاجتماعي السوري، حيث أصبحت قصص النساء والفتيات تتحول بسرعة إلى ملفات طائفية وسياسية وإعلامية، ويكشف ذلك حجم القلق والخوف المتراكم داخل المجتمع السوري، خاصة لدى النساء، في ظل استمرار الانقسام الأمني والاجتماعي.

يرى أحمد إسماعيل خبير في الشأن السوري، أن سبب انتشار قضية “بتول” لا يتعلق فقط بالحادثة نفسها، بل بطبيعة المرحلة التي تمر بها سوريا، فالمجتمع السوري يعيش منذ سنوات حالة من الانقسام والتوتر والخوف، وأي قضية تمس فتاة أو طائفة أو منطقة تتحول سريعًا إلى ملف حساس قابل للاشتعال، يشيرلإلى دخول بعض الصفحات السياسية لتقديم القصة على أنها “استهداف طائفي”، بينما حاولت صفحات أخرى استخدامها للهجوم السياسي والتحريض.

مع الوقت بدأت القضية تأخذ منحى أخطر، حيث انتشرت منشورات تتحدث عن “حماية الطائفة” و”الخطر الوجودي”، بينما ربط آخرون القصة بالصراع السياسي والوضع الأمني والاقتصادي في سوريا. وتحولت قصة فتاة واحدة إلى مساحة لتبادل الاتهامات والتخويف بين الناس.

لكن بعيدًا عن كل هذا الجدل، يبقى السؤال الأساسي: هل كانت بتول حرة في قرارها أم لا؟

يرى “إسماعيل” أن هذه هي النقطة و الفاصل الحقيقي بين الحرية والجريمة، إذا كانت الفتاة اختارت حياتها بإرادتها الكاملة فهذا حق شخصي لا يحق لأحد مصادرته، سواء تعلق الأمر بالزواج أو القناعة أو أسلوب الحياة، أما إذا كان هناك ضغط أو تهديد أو إكراه، فهنا تتحول القضية إلى جريمة تستوجب التحقيق والمحاسبة.

يؤكد”إسماعيل” أن المشكلة اليوم ليست فقط في قصة بتول، بل في الطريقة التي تتعامل بها مواقع التواصل مع القضايا الإنسانية. فبعض الصفحات لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن زيادة التفاعل والمشاهدات، بينما تستغل جهات أخرى هذه القصص لإثارة الغضب والخوف وتحويل الناس إلى معسكرات متقابلة.

وفقا للمعلومات وقراءة الواقع، فإن فكرة الزواج أو العلاقات بين الطوائف ليست أمرًا جديدًا في المنطقة العربية، ففي سوريا ولبنان والعراق توجد منذ سنوات طويلة آلاف الزيجات المختلطة بين السنة والشيعة والعلويين والمسيحيين والدروز وغيرهم وكثير من هذه العائلات عاشت بشكل طبيعي، وبعضها واجه رفضًا اجتماعيًا، لكن الأمر لم يكن دائمًا قضية سياسية أو أمنية.

في لبنان مثلًا توجد نسب مرتفعة من الزيجات المختلطة بين الطوائف المختلفة، كما شهد العراق بعد 2003 حالات كثيرة من الزواج بين السنة والشيعة رغم التوترات السياسية والطائفية، وحتى داخل سوريا نفسها، عاش السوريون لعقود طويلة ضمن مجتمع متداخل اجتماعيًا وعائليًا، قبل أن تؤدي الحرب والانقسام إلى تضخيم الحساسية الطائفية وتحويل أي حادثة فردية إلى أزمة عامة.

وفي وسط كل هذا الضجيج تضيع الحقيقة أحيانًا، وتتحول حياة الأشخاص إلى مادة للجدل السياسي والطائفي، لذلك يرى كثيرون أن المطلوب اليوم ليس المزيد من التحريض، بل كشف الحقائق بهدوء، واحترام خصوصية الناس، والتعامل مع أي جريمة باعتبارها جريمة إنسانية لا ورقة صراع.

قصة “بتول”، سواء انتهت بعودتها إلى أهلها أو بظهور حقيقة أخرى، فهي تكشفت حجم الانقسام والخوف الموجود داخل المجتمع السوري، كما كشفت كيف يمكن لقصة فردية أن تتحول خلال ساعات إلى قضية تتجاوز حدود الشخص نفسه لتصبح مرآة لأزمة مجتمع كامل يعيش سنوات طويلة من التوتر والانهيار والشك المتبادل، تبقى الحقيقة الأهم: أي قضية تتعلق بفتاة أو إنسان يجب أن تُناقش من زاوية العدالة والحرية والأمان، لا من زاوية الطائفة والتحريض والكراهية.