قبل ماراثون الثانوية العامة بـ40 يومًا.. “الشيوخ” يحذر “عبداللطيف” من مافيا الغش الجماعي في جلسة ساخنة

قبل نحو 40 يومًا فقط من انطلاق امتحانات الثانوية العامة المقرر أن تبدأ في 21 يونيو 2026 وتستمر حتى 17 يوليو 2026، فتح مجلس الشيوخ ملف الغش الجماعي وتسريب الامتحانات في جلسة اتسمت بالسخونة والقلق، بحضور وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، وسط تحذيرات برلمانية من خطورة الظاهرة على العدالة التعليمية ومستقبل المنظومة بأكملها.

وشهدت الجلسة مطالبات بتشديد العقوبات، وتطوير أدوات المواجهة التكنولوجية، وتوفير الحماية للمراقبين داخل اللجان، إلى جانب الدعوة لإصلاح جذري لمنظومة التقييم، بالتوازي مع التوسع في تجربة المدارس اليابانية باعتبارها نموذجًا يركز على بناء شخصية الطالب والانضباط السلوكي.

تحذيرات من تهديد العدالة التعليمية
جاءت المناقشات في توقيت بالغ الحساسية مع اقتراب موسم الامتحانات، حيث ناقش مجلس الشيوخ طلبات بشأن سياسة الحكومة في تأمين امتحانات الثانوية العامة والحد من ظاهرة الغش الجماعي، في ظل تطور وسائل الغش الإلكتروني واتساع نطاقها خلال السنوات الأخيرة.

وخلال الجلسة، تباينت الرؤى بين التركيز على الإجراءات الأمنية والتكنولوجية، وبين المطالبة بمعالجة أعمق لأسباب الظاهرة المرتبطة بنظام التقييم وثقافة “الفرصة الواحدة”، فيما أجمع النواب على أن حماية نزاهة الامتحانات لم تعد مجرد ملف تعليمي، بل قضية تمس الأمن القومي والثقة المجتمعية في الشهادة المصرية.

حماية التعليم جزء من الأمن القومي الثقافي
أكد النائب عن حزب العدل، أشرف عبد الغني، أمين سر اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ، أن صيانة نزاهة التقييم المدرسي وتوطين معايير الجودة العالمية يمثلان المرتكزات الأساسية لـ”الأمن القومي الثقافي والتعليمي” للدولة المصرية.

وطالب خلال كلمته بضرورة تفعيل المساءلة الجنائية في مواجهة ظاهرة الغش الجماعي، عبر التطبيق الحازم للقانون رقم 205 لسنة 2020 بشأن مكافحة أعمال الإخلال بالامتحانات، مع تفعيل مبدأ “المسؤولية الإدارية التضامنية” لكل من يقصر داخل اللجان الامتحانية.

ودعا إلى التحول من الرقابة البشرية إلى “الحوكمة الرقمية”، من خلال تفعيل بنوك الأسئلة المميكنة متعددة النماذج، وتطوير البنية التكنولوجية داخل اللجان لتعطيل أدوات الغش الإلكتروني، بما يجعل الغش “مستحيلاً تقنيًا وأخلاقيًا”.

كما طالب الحكومة بخطة زمنية واضحة لإنشاء 500 مدرسة يابانية مع ضمان التوزيع العادل بالمحافظات، مؤكدًا ضرورة تعميم فلسفة “التوكاتسو” اليابانية داخل المدارس الحكومية لترسيخ قيم الانضباط والعمل الجماعي لدى الطلاب.

نجاح الحكومة لا يقاس فقط بمنع الغش
من جانبه، أكد النائب عن حزب مستقبل وطن، عصام هلال عفيفي، أن الثانوية العامة تمثل قضية تمس كل بيت تقريبًا في مصر، مشددًا على أن تأمين الامتحانات ضرورة لحماية العدالة التعليمية.

وقال إن مواجهة الغش الإلكتروني وتأمين اللجان ومحاسبة المتورطين خطوات أساسية لحماية تكافؤ الفرص، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن التأمين الحقيقي لا يقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل يشمل أيضًا تقليل التوتر النفسي وضمان وضوح نظام الامتحان وعدم تغيير القواعد بشكل مفاجئ.

وأضاف أن نجاح الحكومة لا يقاس فقط بمنع الغش، وإنما بقدرتها على خلق مناخ يشعر فيه الطالب أن مجهوده هو الفيصل الوحيد في النتيجة، مؤكدًا أن الثانوية العامة يجب أن تكون “اختبارًا للعلم لا اختبارًا للأعصاب”.

وأشار إلى أن من أبرز نقاط القوة في سياسة الحكومة الحالية تشديد الرقابة على اللجان وتحسين التنسيق بين وزارة التعليم والجهات الأمنية والمحافظات، لكنه لفت أيضًا إلى وجود نقاط ضعف تتعلق بزيادة الضغط النفسي على الطلاب وغياب الإصلاح الجذري لمنظومة التقييم.

وفيما يتعلق بالمدارس اليابانية، وصف التجربة بأنها خطوة إيجابية لنقل التعليم من الحفظ والتلقين إلى بناء الشخصية وتنمية المهارات، مطالبًا بالتوسع فيها جغرافيًا وتخفيف أعبائها المالية، مع نقل فلسفة الانضباط والأنشطة إلى المدارس الحكومية التقليدية.

الغش شهادة وفاة للعدالة التعليمية
بدورها، أكدت النائبة عن حزب الشعب الجمهوري ولاء هرماس، أن استمرار ظاهرة الغش دون مواجهة حاسمة يُعني “إصدار شهادة وفاة للعدالة التعليمية”.

وقالت إن امتحانات الثانوية العامة تعد واحدة من أكبر العمليات اللوجستية التعليمية في الدولة، موضحة أن عدد المتقدمين العام الماضي بلغ نحو 768 ألف طالب وطالبة داخل أكثر من 2029 لجنة امتحانية، بمشاركة ما يزيد على 120 ألف ملاحظ ومراقب.

وأشارت إلى أن الأرقام الصادرة عن بعض الجامعات تكشف “كارثة حقيقية”، موضحة أن نسب الرسوب في بعض كليات القمة وصلت إلى 72% و80% في بعض الكليات الطبية، بما يعكس وجود خلل حقيقي في منظومة تأمين الامتحانات والتقييم.

واستعرضت تطور وسائل الغش، بداية من الهواتف المحمولة وسماعات البلوتوث الدقيقة، وصولاً إلى الكاميرات الصغيرة وصفحات الغش الإلكتروني، فضلاً عن وقائع الغش الجماعي خارج اللجان باستخدام مكبرات الصوت.

كما سلطت الضوء على الضغوط التي يتعرض لها بعض المراقبين، مؤكدة أن بعضهم يواجه إغراءات مالية أو تهديدات مباشرة مقابل تمرير حالات غش أو التغاضي عنها، مطالبة بتوفير حماية حقيقية لهم.

وشددت على أن الغش ليس سببًا في حد ذاته، بل “عرض لمرض أعمق” يرتبط بثقافة الفرصة الواحدة والاعتماد على الحفظ والاسترجاع، داعية إلى الانتقال من الإجراءات الموسمية إلى معالجة مستدامة تشمل تطوير نظام التعليم والاختبارات والتنسيق، إلى جانب نشر ثقافة الأمانة داخل المجتمع.

وأكدت أن حماية الثانوية العامة ليست مسؤولية وزارة التربية والتعليم وحدها، وإنما مسؤولية دولة بكامل مؤسساتها، قائلة:” نحن لا ندافع عن ورقة امتحان، بل ندافع عن قيمة الشهادة المصرية”.

مواجهة «إرهاب الغش الجماعي»
في السياق نفسه، أكد النائب محمود مسلم، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الجبهة الوطنية بمجلس الشيوخ، أن العامين الدراسيين الحالي والسابق شهدا طفرة واضحة في انضباط العملية التعليمية وعودة هيبة المدرسة.

وأشاد بجهود وزير التربية والتعليم في رفع نسب الحضور الطلابي، مؤكدًا أن مرحلة التعليم الأساسي تمثل حجر الزاوية في مشروع الإصلاح التعليمي.

وفيما يتعلق بالمدارس اليابانية، وصفها بأنها من أنجح المبادرات التعليمية التي رعاها الرئيس عبد الفتاح السيسي، داعيًا إلى استمرار الاستعانة بالخبرات اليابانية والتوسع في تعميم التجربة بالمحافظات المختلفة.

وحذر محمود مسلم من خطورة ظاهرة “الغش الجماعي” عبر المنصات الرقمية، معتبرًا أنها تضرب مبدأ تكافؤ الفرص وتسيء إلى صورة المنظومة التعليمية بالكامل.

وأكد أن الدولة المصرية التي نجحت في مواجهة الإرهاب قادرة أيضًا على مواجهة ما وصفه بـ”إرهاب الغش الجماعي”، مطالبًا بتكاتف جميع مؤسسات الدولة مع وزارة التعليم للقضاء على الظاهرة وحماية كرامة الشهادة المصرية.

امتحانات الثانوية العامة في مستوى الطالب المتوسط
من جانبه، أكد محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، أن امتحانات الثانوية العامة للعام الحالي ستكون في مستوى الطالب المتوسط، مشددًا على أن الوزارة وضعت خطة منظمة لضمان دخول وخروج الطلاب من اللجان بشكل هادئ ومنضبط، بما يساعدهم على أداء الامتحانات في أجواء مستقرة بعيدًا عن التوتر.

وقال الوزير إن هناك تعليمات واضحة للمراقبين بضرورة التعامل بهدوء مع الطلاب ومساعدتهم على أداء الامتحانات دون ضغوط، مضيفًا أن الهدف الأساسي هو تيسير الأمور على الطلاب وأولياء الأمور، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الانضباط الكامل داخل اللجان.

وشدد على أن أي خروج عن الإطار المنظم للامتحانات سيُواجه بإجراءات حاسمة، لافتًا إلى أن الوزارة سبق واتخذت قرارات صارمة خلال العامين الماضيين للتعامل مع المخالفات ومحاولات الإخلال بالامتحانات.

وفيما يتعلق بتطوير نظام الثانوية العامة، أشار الوزير إلى أن امتحان الثانوية العامة ظل لسنوات يمثل “امتحان الفرصة الواحدة”، وهو ما تسبب في ضغوط عصبية ونفسية كبيرة على الطلاب، موضحًا أن نظام البكالوريا الجديد جاء لمنح الطالب أكثر من فرصة وتحقيق قدر أكبر من المرونة في التقييم.

وأضاف أن نحو 95% من طلاب المرحلة الثانوية اختاروا نظام البكالوريا، مؤكدًا أنه يتوافق مع الأنظمة التعليمية الدولية، وعلى رأسها نظام الـ IG، التي لا تعتمد على فرصة واحدة لتحديد مستقبل الطالب الجامعي.

وتساءل الوزير:” هل مطلوب أن نستمر بنفس الشكل الحالي؟”، مؤكدًا أن الدفعة المقبلة ستكون الأولى ضمن نظام البكالوريا، وأن العام المقبل لن يشهد الضغوط العصبية نفسها الناتجة عن فكرة “الفرصة الوحيدة”.

في ملف تطوير التعليم، أكد الوزير أن التجربة اليابانية في بناء الإنسان تعد من النماذج الرائدة عالميًا، معلنًا أن عدد المدارس المصرية اليابانية سيصل إلى 100 مدرسة بحلول سبتمبر 2026.

وكشف عن خطة لتطوير المناهج، تشمل تغيير مناهج الرياضيات بالكامل لتتوافق مع النظام الياباني، إلى جانب مراجعة مناهج العلوم بما يتناسب مع الثقافة المصرية، مؤكدًا أن الوزارة تراهن على بناء شخصية الطالب وتنمية قدراته في التفكير النقدي والتكنولوجيا الحديثة.

وأضاف أن طلاب الصف الأول الثانوي يدرسون بالفعل علوم البرمجة والذكاء الاصطناعي عبر منصة تعليمية مطابقة للمعايير اليابانية ومعتمدة من جامعة هيروشيما، كما سيتم إدراج مادة “الثقافة المالية” لطلاب الصف الثاني الثانوي بدءًا من العام المقبل، في إطار ربط التعليم بمتطلبات سوق العمل والتطور التكنولوجي.

وأشار الوزير إلى استمرار التعاون مع الجانب الياباني في تدريب المعلمين، مؤكدًا أن تطوير التعليم يعتمد على “الميدان” والحوار المباشر مع المعلمين، كاشفًا عن قيامه بمئات الزيارات الميدانية للمدارس لمتابعة انتظام العملية التعليمية.

توكاتسو.. فلسفة يابانية لبناء شخصية الطالب داخل المدرسة
وحظيت فلسفة “التوكاتسو” اليابانية باهتمام واسع خلال مناقشات مجلس الشيوخ، باعتبارها أحد أبرز ملامح تجربة المدارس المصرية اليابانية، إذ تقوم على تنمية شخصية الطالب إلى جانب التحصيل الدراسي، من خلال ترسيخ قيم الانضباط والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية واحترام الوقت والنظام، ولا تعتمد فقط على المناهج التقليدية، بل على أنشطة يومية وممارسات تربوية داخل المدرسة تهدف إلى بناء الطالب نفسيًا وسلوكيًا، بما يجعله أكثر قدرة على التعاون واتخاذ القرار والتعامل مع المجتمع.

وشدد المشاركون في المناقشات خلال جلسة اليوم على أهمية نقل هذه الفلسفة إلى المدارس الحكومية بشكل تدريجي، بحيث لا تظل التجربة حكرًا على المدارس اليابانية فقط، وإنما تتحول إلى جزء من مشروع أشمل لإعادة بناء الشخصية المصرية داخل المنظومة التعليمية.