
منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فرض حصار بحري على مضيق هرمز في 12 أبريل الماضي، بعد فشل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في الوصول إلى اتفاق، أخذ الصراع الحالي بين واشنطن وطهران منحنى أخر، لا يكتفي بمجرد المواجهات الحربية بين الطرفين بل يمتد لنواحي الاقتصادية، خاصة أن فرض الحصار على إيران جاء ردًا على غلق إيران لمضيق هرمز.
وعقب قرار”ترامب” أكد قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال برادلي كوبر، أن حصار الموانئ الإيرانية قد تم تنفيذه بالكامل، وأنه سيشمل سفن جميع الدول التي تدخل أو تغادر الموانئ الإيرانية، بما في ذلك خليج عُمان وبحر العرب، إلا أنه في يوم 17 أبريل أعلن أن الحصار سيقتصر على إيران فقط.
ويعد الحصار البحري أقدم أسلحة الحرب، إذ لا يتطلب قوات برية أو غزو، فقط القدرة على قطع ما يحتاجه العدو للبقاء، وعلى مر التاريخ أعاد الحصار تشكيل الاقتصادات والمجتمعات والتحالفات، إما بآثار فورية أو بآثار لاحقة، ومن أشهر الحصارات على مر التاريخ: حصار بيافرا “1967-1970” ، حصار دورية بيرا “1966-1975″، أزمة الصواريخ الكوبية “1962”، حصار وونسان “1951-1953” خلال الحرب الكورية، حصار القوات الأمريكية لليابان “1942-1945″، حصار شرق المتوسط “1915-1918″، حصار الحلفاء لألمانيا “1914-1919”.

إلى أين وصلت الأمور؟
بالعودة للحصار الذي أعلن عنه “ترامب”، نجد أنه مازال نحو 1600 سفينة، ونحو 20 ألف بحار، عالقين في مضيق هرمز أو بالقرب منه، ورغم الاشتباك الذي وقع بين مدمرات بحرية إيرانية وأمريكية في مضيق هرمز، تبادل فيه الطرفات الاتهامات حيث قال “ترامب” إن إيران “استهزأت بنا اليوم”، ووصفت واشنطن الأمر بأنه “هجوم غير مبرر”.
وزعمت القيادة العسكرية الإيرانية العليا أن الولايات المتحدة استهدفت ناقلة نفط إيرانية وسفينة أخرى كانت تقترب من مضيق هرمز، ونفذت “هجمات جوية” على عدة مناطق ساحلية، واتهمت الولايات المتحدة بـ”انتهاك وقف إطلاق النار”، بينما أكد الرئيس “ترامب” استمرار وقف إطلاق النار مع إيران.
مشروع الحرية
تتمثل فكرة المشروع الرئيسية في تنسيق الجهود لمساعدة السفن التجارية على الإبحار في مضيق هرمز، ولا يتطلب المشروع من البحرية الأمريكية توفير الحماية من خلال مرافقة السفن عبر الممر المائي.
حصار بعيد المدى
تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على حصار بحري طويل الأمد على إيران، حتى وإن استلزم الأمر المجئ على حساب أولويات استراتيجية أخرى، إلا أن ذلك سيتسبب بمشكلات على المدى القريب والبعيد لمدى الجاهزية العسكرية الأمريكية.
ويمثل الحصار الأمريكي المفروض على إيران الآن نحو 15% من إجمالي أسطول البحرية الأمريكية المنتشر، ويشمل الحصار أكثر من 10 آلاف جندي و16 سفينة بحرية، تشمل 11 مدمرة وحاملة طائرات وسفينة قتال سحابة وثلاث سفن هجومية برمائية، مدعومة بأكثر من مائة طائرة مقاتلة وطائرات استطلاع ومراقبة واستخبارات.

آليه الحصار
تنتشر القوات الأمريكية خارج الخليج العربي ومضيق هرمز، حيث تفرض حصارها عن بُعد وتقوم بمراقبة السفن المغادرة للموانئ، دون الحاجة لإرسال سفن داخل المضيق ما يقلل بشكل كبير من مخاطر الاصطدام بلغم، وكذلك تكون في أمان من الوجود في مرمى الصواريخ والمسيرات وزوارق الهجوم السريعة الإيرانية.
ويتم الحصار من خلال عمليات الزيارة والصعود والتفتيش والمصادرة “Visit, Board,Search,Seizure- VBSS”، والتي تنفذها البحرية ومشاة البحرية وخفر السواحل، وبلغ عدد التحذيرات الصادرة للسفن نحو 16 تحذيرًا.
قانونية الحصار
الأساس القانوني للحصار معقد للغاية، وذلك ليس لوجود أنواع عديدة من الحصار فقط، بل لتعدد الأغراض التي يخدمها الحصار والتي تعتمد على أسس قانونية مختلفة، ويُعرف دليل القائد لقانون العمليات البحرية الصادر في العام 2022 “the commander’s handbook on the law of naval operations” الحصار والمعايير التي يجب أن يستوفيها، والتي من بينها أن الدولة التي تفرض الحصار يجب أن تحدد تفاصيل وقت بدء الحصار وموقعه وفترة السماح، وتلتزم الدولة المنفذة للحصار بإخطار جميع الدول المتأثرة، وكذلك يجب أن يكون الحصار محايد ويُفرض على سفن جميع الدول، بما فيها سفن الدولة المنفذة للحصار، وأن يكون هناك حدود واضحة للحصار، منها ألا يقيد الوصول إلى الموانئ والسواحل المحايدة، وألا يكون الغرض الوحيد منه تجويع السكان.
ويلزم القانون الدولي أنه في حالة عانى السكان من نقص الغذاء والإمدادات الطبية أو غيرها، فإن القانون الدولي يلزم الطرف المُحاصر بالسماح بمرور المساعدات الإنسانية بحرية.

فاعلية الحصار
بالعودة للحصار الأمريكي على سواحل إيران، تحول الحصار إلى حصار مزدوج انتقائي قائم على معايير تتبع وتمييز من كلا الجانبين الإيراني والأمريكي، حيث تحول الأمر إلى مصفوفة يسهم فيها العلم والملكية والشحنة والموانئ التي رست فيها السفن مؤخرًا بتحديد مستوى التهديد الذي يواجهها.
فالجانب الإيراني يعتبر مضيق هرمز مياهًا خاضعة لسيطرته الفعلية، وعلى أي سفينة ترغب في المرور من المضيق العمل مع الحرس الثوري، فالمرور من المضيق أصبح مشروط ومؤقت وعرضة للتغيير المفاجئ.
بينما يتعامل الجانب الأمريكي مع الحصار على أنه اعتراض لأي سفينة تُعتبر غير مرغوب فيها في البحر، على مسافة من المضيق، ووصل عدد السفن التي أُمرت بالعودة أو الرجوع إلى ميناء إيراني نحو 50 سفينة، وفق أرقام نشرتها القيادة المركزية الأمريكية في 2 مايو الجاري.
كما حذرت واشنطن عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية “OFAC” شركات الشحن من دفع أي دفعات مالية لإيران مقابل السماح بالعبور من المضيق لأنها قد تؤدي إلى فرض عقوبات، كما نصحت شركات الشحن بعدم تعطيل نظام التعرف الآلي “AIS” عند الاقتراب من مضيق هرمز.
كما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية يوم الجمعة الماضي، فرض عقوبات على 10 أفراد وشركات، من بينهم عدد في الصين وهونغ كونغ، بتهمة مساعدة الجيش الإيراني في الحصول على أسلحة ومواد خام تُستخدم في بناء طائرات “شاهد” الإيرانية المسيّرة.
وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في بيان لها أنها لا تزال على أهبة الاستعداد لاتخاذ إجراءات اقتصادية ضد القاعدة الصناعية العسكرية الإيرانية، لمنع طهران من إعادة بناء قدرتها الإنتاجية وبسط نفوذها في الخارج.
كما أكدت استعدادها لاتخاذ إجراءات ضد أي شركة أجنبية تدعم التجارة الإيرانية غير المشروعة، وإمكانية فرض عقوبات ثانوية على المؤسسات المالية الأجنبية، بما فيها تلك المرتبطة بمصافي النفط الصينية الصغيرة المستقلة، وجاء هذا الإعلان قبل أيام من زيارة “ترامب” المرتقبة إلى الصين للقاء الرئيس شي جين بينغ.

أسباب “ترامب“
يأمل “ترامب” من خلال الحصار، الضغط على إيران من خلال استهداف محركاتها الاقتصادية الأهم وهي عائداتها النفطية والرسوم التي تفرضها على السفن لعبور مضيق هرمز، وصرح “ترامب” أن الهدف من الحصار للمضيق هو السماح بمرور كل شئ أو لا شئ، ما يُعني استسلام إيران ورضوخها لمطالب الولايات المتحدة.
ويعتقد “ترامب” أن الحصار هو الحل السحري الذي سيُخضع إيران نهائيًا، تستند ثقة ترامب في قوة الحصار الأمريكي إلى توقعات متفائلة للغاية بأن إيران ستنفد قريبًا من سعة تخزين النفط الذي لا تستطيع تصديره، وأنه إذا حاولت إغلاق الآبار، فسوف تُلحق ضررًا دائمًا ببنيتها التحتية الإنتاجية، إلا أن معظم خبراء الطاقة يشكّكون في هذه الادعاءات.
ويقول خبير صناعة النفط، في مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، روبن ميلز، إن الحصار الأمريكي المفروض على صادرات النفط الإيرانية لن يُلحق ضررًا كارثيًا، أو حتى بالغ الخطورة، بصناعة النفط الإيرانية، فإذا ما رُفع الحصار، فمن المرجح أن تتمكن إيران من استئناف الإنتاج فورًا بنحو 70%، واستعادة معظم طاقتها الإنتاجية قبل الحرب في غضون أشهر قليلة.
ومن المرجح أن تبدأ إيران بخفض الإنتاج تدريجيًا، وهو ما سيؤدي إلى زيادة الضغط على سعة التخزين، وهو من شأنه أن يعطي إيران مدة تصل إلى 76 يومًا من الصمود أي مدة تتجاوز الشهرين، وتكتفي بالتخزين في الخزانات الأرضية والعائمة، مع تقليل الإنتاج بما يكفي للاستهلاك المحلي، أي لكي يحقق الحصار البحري غرضه في إيران سيستغرق الأمر أسابيع أو شهور.

هل سيصمد وقف إطلاق النار؟
من غير الواضح إن كان سيستمر وقف إطلاق النار، لتبادل الاتهامات بين كلاً من إيران والولايات المتحدة، وقال محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، وكبير المفاوضين الإيرانيين في مفاوضات السلام بإسلام آباد، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي الثلاثاء الماضي، إن تصرفات الولايات المتحدة تعرض الملاحة في المضيق للخطر، محذرًا من تصعيد الموقف، متهمًا الولايات المتحدة بانتهاك وقف إطلاق النار.
بينما امتنع الرئيس “ترامب” عن الإجابة عما إذا كان وقف إطلاق النار قد انتهى في مقابلة مع المذيع هيو هيويت الإثنين الماضي، إلا أن الرئيس ترامب عاد وألمح إلى أن الولايات المتحدة قد يكون من “الأفضل” لها الانسحاب دون اتفاق سلام.
وقال محمد جعفر أسدي، أحد أبرز قادة الحرس الثوري الإيراني، إن عودة القتال تبدو واردة بشكل متزايد، على الرغم من وقف إطلاق النار المؤقت الذي أوقف الأعمال العدائية في وقت سابق من هذا الشهر.

مستقبل الصراع
على الرغم من تصاعد التوترات بين البلدين إلا أن الطرفان مستمران في إجراء المحادثات لإنهاء الحرب، حيث أرسلت واشنطن إلى إيران وثيقة من 14 بندًا في وقت سابق من هذا الأسبوع، وبموجب هذه المقترحات، يُلزم إيران بالموافقة على عدم تطوير سلاح نووي ووقف جميع عمليات تخصيب اليورانيوم لمدة 12 عامًا على الأقل، كما يُلزمها بتسليم ما يُقدر بنحو 440 كيلوغرامًا من مخزون اليورانيوم الذي خُصص بنسبة 60%..
في المقابل سترفع الولايات المتحدة العقوبات تدريجيًا وتفرج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المُجمدة، وتُنهي حصارها البحري للموانئ الإيرانية، ولم ترد إيران رسميًا بعد على الخطة الأمريكية الأخيرة.
مع ذلك، فقد رفضها القادة الإيرانيون، ووصف المتحدث باسم لجنة السياسة الخارجية والأمن القومي في البرلمان، النائب الإيراني إبراهيم رضائي، النص بأنه “أقرب إلى قائمة أمنيات أمريكية منه إلى واقع”.
وسخر رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، من التقارير الأمريكية التي تفيد بأن الجانبين كانا على وشك التوصل إلى اتفاق، فكتب على وسائل التواصل الاجتماعي باللغة الإنجليزية: “عملية ثق بي يا أخي فشلت” “Operation Trust Me Bro failed”.

تجارب الجيش الأمريكي في هرمز
في العام 1987 خلال الحرب العراقية الإيرانية الأولى “1980-1988″، طلبت الكويت من الولايات المتحدة مرافقة ناقلات النفط التابعة لها، فيما عُرف بـ”حرب الناقلات” ، هاجمت كل من العراق وإيران المئات من ناقلات النفط في الخليج العربي ومضيق هرمز، وبلغ عدد ناقلات النفط حوالي 60% من السفن التي هوجمت في حرب الناقلات، حيث غرقت 55 ناقلة نفط من أصل 239 أي نحو 23% إما غرق تام أو أعلن عن فقدانها، وفقًا لتحليل أجراه مركز روبرت شتراوس لأمن والقانون الدوليين.
أدت حرب الناقلات إلى انخفاض حركة الشحن التجاري بنسبة 25%، وارتفع سعر النفط الخام مؤقتًا، إذ خفضت إيران سعر النفط لتعويض ارتفاع أقساط التأمين على الشحنات.
ويأمل “ترامب” في أن تصعيد الضغط على الصين وإيران، سيجبر إيران على قبول الاتفاق الذي عُرض في إسلام آباد والذي يتضمن بحسب التقارير، تخلي إيران عن جميع برامج تخصيب اليورانيوم، وتسليم جميع المواد الانشطارية، وإنهاء دعمها للحلفاء الإقليميين مقابل تخفيف العقوبات، لكن ثمة احتمالات عديدة قد تسوء، على رأسها هل هو الآن مستعد للمخاطرة بمواجهة مع بكين؟ في الوقت الذي يستعد فيه لعقد قمة مع شي جين بينغ، إذا ما أوقفت البحرية الأمريكية ناقلات النفط المتجهة إلى الصين؟.
تخوض إيران والولايات المتحدة مواجهةً حاسمةً لمعرفة من سيتراجع أولاً، وسيتعين على الطرفين إما تقديم تنازلات مؤلمة أو ترك نقاط الخلاف الرئيسية غامضة إذا أرادا التوصل إلى تفاهم إطاري نهائي، ويبقي السؤال الذي يطرح نفسه إلى متى سيستمر “ترامب” في تأجيج أزمة الطاقة قبل أن يُجبر على التراجع عن موقفه؟.






