عبدالغني الحايس
عبدالغني الحايس

التجربة الحزبية المصرية.. المرحلة الثانية “الانتشار”

استعرضنا سريعًا النشاة الحزبية الأولى، والآن مع التجربة الثانية والتي استفادت من التجربة الأولى كثيرًا، حيث كانت ثورة 1919 علامة مهمة في النضال الوطني واتسمت بكونها ثورة شعبية تعبر عن جموع المصريين، وأسفرت عن إلغاء الحماية البريطانية على مصر، وإصدار تصريح 28 فبراير 1922 الذي اعترفت فيه بريطانيا باستقلال مصر من الناحية القانونية، وصدور دستور 1923 ، وكلها ظروف ساعدت على التطور السياسي والاجتماعي.

وامتدت تلك الفترة من صدور تصريح 28 فبراير 1922 وحتى إجراء أول انتخابات برلمانية عام 1924، وعقب تلك الانتخابات أخذ الوفد طابع الحزب بالمعنى التنظيمي، وكان قبل ذلك مجرد تجمع وطني للتصريح للمفاوضين للتفاوض مع الإنجليز عندما جمعوا توكيلات تعطيهم الحق في التفاوض.

يعتبر الوفد أكبر أحزاب هذه المرحلة وأكثرها ارتباطًا بثورة 1919 حتى أصبح ممثلاً للأمة بقيادة سعد باشا زغلول، وكان للوفد شعبية كاسحة تستطيع الفوز بأي انتخابات لكن كره الملك فؤاد ومن بعده فاروق للوفد جعلهما يزيحانه أحيانًا عن الحكم، وقدم حزب الوفد خدمات جليلة أثناء توليه الحكومة.

وللأسف بدأت الانشقاقات مبكرًا بحزب الوفد عندما خرج معظم قادة ومؤيدي اتجاه حزب الأمة الذي تكون عام 1907 وأسسوا حزب الأحرار الدستوريين عام 1922، وكان هذا هو الانشقاق الحزبي الأول في حياة سعد زغلول الذي توفي في أغسطس 1927.
وكانت أهم النتائج التي أسفرت عنها هذه الانشقاقات هو ظهور العديد من الأحزاب التي حرصت بدورها رغم انشقاقها عن الوفد على تأكيد صلتها بثورة 1919 وانتسابها لها.

 فكان حزب الأحرار الدستوريين عام 1922 برئاسة عدلي يكن، وضم الحزب  في عضويته كبار المفكرين والسياسيين أمثال أحمد لطفي السيد، وطه حسين،ومحمد حسين هيكل، وغيرهم.

وكان هناك  انشقاق أخر بسبب توقيع الوفد على معاهدة 1936 التي تصور البعض أنها أنهت النضال من أجل الاستقلال، فقد تشكلت الهيئة السعدية في أواخر عام 1937 بزعامة أحمد ماهر باشا ومحمود فهمي النقراشي الذي حرص على إظهار ارتباطه الوثيق بزعيم تلك الثورة سعد زغلول، ومن هنا كانت تسميته بالهيئة السعدية وتسمية أعضائه بالسعديين.

كما ظهر في نفس السياق حزب الكتلة الوفدية نتيجة انشقاق السكرتير العام لحزب الوفد والرجل الثاني فيه مكرم عبيد، وإصدار “عبيد” الكتاب الأسود الذي اتهم فيه قيادة الوفد وبعض وزرائه بمخالفة القانون والتورط في ممارسات فساد وكان ذلك أثناء حكومة الوفد الحاكمة.
وهناك أحزاب أخرى لم تُنسب إلى الثورة مثل الحزب الوطني الذي استمر من التجربة الأولى، وأحزاب أخرى نشأت في ارتباط مع الملك والقصر مثل حزبي الاتحاد  والشعب، وظهور جماعات وتنظيمات ذات طابع أيديولوجي مثل جماعة الإخوان المسلمين وحركة مصر الفتاة والتنظيمات الشيوعية.

وتعتبر تلك الفترة ثرية بما فيها من نضوج وثراء فكري وسياسي وكان يُطلق عليها العهد الليبرالي، وقد انتهت تلك التجربة بقيام حركة الضباط الأحرار 1952.

نستكمل في المقال القادم التجربة الثالثة.