الأحزاب السياسية وسيلة من وسائل التنمية السياسية، وأحد آليات المشاركة في الحياة السياسية، وأداة وسيطة بين الشعب والسلطة، ومن ضمن أدوات التداول السلمي للسلطة وتدعيم ممارسة الديمقراطية.
وتختلف نشأة الأحزاب في كل دولة عن الأخرى بحكم نشأتها، فالأحزاب تختلف عن جماعات الضغط، فهي تمتلك الكوادر والظهير الشعبي المؤمن بأفكارها، وأيدلوجياتها، وبرامجها، وهدفها الأسمى الوصول للحكم، ولكننا هنا سنتحدث عن نشأة التجربة الحزبية في مصر.
يعتبر محمد علي صانع مصر الحديثة، فقد أرسل البعثات الى أوروبا لينهل من سبل نهضتها، وكان لرفاعة الطهطاوي دورًا بارزًا في نقل تلك الإنجازات النهضوية الى مصر.
أدى تأسيس مجلس شورى النواب 1866، برغم دوره الاستشاري، ومع وزيادة النفوذ الأجنبي، وتدخلاته السافرة في مصر إلى التفكير في تشكيل الأحزاب السياسية.
وتعود بداية التنظيمات السياسية في مصر إلى الجمعيات السرية من نهاية الستينيات من القرن التاسع عشر، مثل الجمعيات السرية في الأزهر، وبعض الجمعيات الماسونية، وجمعية مصر الفتاة التي تأثرت بأفكار جمال الدين الأفغاني، والإمام محمد عبده لوجود بعض المتعلمين بها.
وأعلن عن قيام الحزب الوطني الأول الذي عُرف باسم حزب الفلاحين عام 1879م وهدفه مقاومة النفوذ الأجنبي، وإنقاذ مصر من الإفلاس، وبعض الإصلاحات، وتزعم الحزب محمد حليم باشا سياسيًا، والزعيم أحمد عرابي، ووقع على برنامج الحزب وقتها شيخ الأزهر، وبطريرك الأقباط، وحاخام اليهود، ولكن بعد هزيمة العرابيين ونفي أحمد عرابي واحتلال مصر 1882 تدخل المحتل الإنجليزي مع الخديوي توفيق للقضاء على تلك التجربة.
يعتبر عام 1907 من الأعوام المهمة في نشأة الأحزاب وتطور الحياة السياسية في مصر، فقد شهد هذا العام مولد عدد من الأحزاب لعبت دورًا مهمًا في الحياة المصرية حتى ثورة 1919، وكان يُطلق عليه عام الأحزاب، ومن أهم تلك الأحزاب، حزب الأمة وأُعلن عن تأسيسه يوم 20 سبتمبر 1907، وهو أول حزب سياسي بالمعنى الحديث، حيث قامت مجموعة من الأعيان وكبار الملاك بإصدار صحيفة الجريدة في 9 مارس 1907، والتي تولى رئاسة تحريرها أحمد لطفي السيد، ثم قام حسن باشا عبدالرازق بتحويل شركة الجريدة إلى حزب الأمة.
كان يطلق عليه حزب الصفوة الاجتماعية لأن أعضائه جميعًا من الأثرياء، وقد ضم عددًا من الشخصيات التي كان لها دورًا مهمًا في الحركة الوطنية فيما بعد مثل عبد العزيز فهمي، وعلي شعراوي، وغيرهم، وقد تولى زعامته بعد ذلك أحمد لطفي السيد، وكان الحزب متعاونًا مع الإنجليز، وكان يرى أن سلطة الاحتلال قائمة ويجب العمل على نهضة مصر وتثقيف الشعب حتى تقوى شوكة المصريين للمقاومة.
الحزب الوطني أعاد مصطفى كامل تأسيسه ليصبح أكبر الأحزاب وأهمها، وأعلن عنه في 22 أكتوبر 1907 برئاسته وكان مدعومًا في بداية الأمر من الخديوي عباس حلمي، وعندما فترت العلاقة أيد الخديوي الشيخ علي لتأسيس حزبه وقد خلف مصطفى كامل في الحزب بعد وفاة محمد فريد في 14 فبراير 1908.
كانت قضية الاستقلال وجلاء الإنجليزعن مصر والسودان هي أهم اهتماماته ورفض الوصاية وتحسين أحوال مصر من تعليم وصحة وزراعة وخلافه، وقد لعب الحزب دورًا رئيسيًا في قيادة النضال الوطني حتى ثورة 1919.
حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية أسسه الشيخ علي يوسف، صاحب جريدة المؤيد، وكان مؤيدًا من الخديوي، وحول الجريدة إلى حزب، وقد سعى في برنامجه إلى الدفاع عن الخديوي مدافعًا عن مصالحه ومعبرًا عن آراء القصر في مواجهة حزب الأمة والحزب الوطني، ولم يحظ بتأييد جماهيري وانتهى بوفاة الشيخ علي عام 1911 .
الحزب المصري الحر الذي كان مؤيدًا من الإنجليز إلا أنه لم يحظ بنفوذ أو تأثير كبير في الحياة السياسية المصرية، وكانت ذات تأثير محدود.
حزب النبلاء الذي كان يطلق عليه حزب الأعيان تأسس عام 1908 وسعى للدفاع عن الدولة العثمانية وسلطة الخديوي.
الحزب الوطني الحر والذي سُمى بعد ذلك بحزب الأحرار، وهو حزب موالي للإنجليز، حزب العمال 1909 وهو حزب اشتراكي.
وكذلك الحزب الدستوري الذي كان مؤيدًا لكل من سلطة الخديوي والإنجليز، وهذه الأحزاب لم يكن لها تأثير يعتد به، وتعتبر تلك هي التجربة الأولى للحياة الحزبية في مصر، نستكمل في المقال القادم ….





