نهاد شعبان
نهاد شعبان

رسالة إلى وزير التربية والتعليم.. هل نعلم أبناءنا حقًا أم نرهقهم؟

بصفتي أمًا لطالب في الصف الرابع الابتدائي، أجد نفسي يوميًا أمام تساؤل لا يفارقني هل كل هذا الجهد الذي نبذله اليوم سيصنع مستقبلاً حقيقيًا لأبنائنا غدًا؟ أم أننا فقط ندور في دائرة مغلقة من المناهج العقيمة الثقيلة، والدروس الخصوصية، و”الكورسات” التي لا تنتهي، دون ضمان حقيقي بأن كل هذا سيؤهلهم فعلا لسوق العمل؟.

أستيقظ مع طفلي كل صباح على سباق يبدأ مبكرًا ولا ينتهي إلا مع نهاية اليوم، حقيبة مدرسية مليئة بالكتب، وواجبات لا تُحصى، ودروس خصوصية أصبحت وكأنها جزء أساسي من تفاصيل يومنا، لا رفاهية، ومع كل إجازة دراسية، بدلاً من أن تكون مساحة للراحة أو اللعب أو اكتشاف الذات، تتحول إلى موسم جديد من “الكورسات” ما بين لغة إنجليزية، وحساب ذهني، وبرمجة، ومهارات.. قائمة لا تنتهي، وكأننا نحاول تعويض شيء نشعر داخليًا أنه “ناقص”!، لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه هو ما الهدف من كل هذا؟ هل نحن فعلا نعد أبناءنا لحياة عملية ناجحة؟ أم أننا فقط نراكم معلومات قد لا تستخدم يومًا؟.

بالنظر إلى طبيعة المناهج الحالية، نجد أنها تركز بشكل كبير على الحفظ والتلقين، كم هائل من المعلومات، وتعريفات، وقواعد، ومعادلات، يُطلب من الطفل استيعابها في وقت محدود، لكن أين التفكير النقدي؟ أين مهارات حل المشكلات؟ أين القدرة على التواصل، والعمل الجماعي، واتخاذ القرار؟ هذه هي المهارات التي يتحدث عنها سوق العمل اليوم، والتي يبحث عنها أصحاب الشركات، لكنها لا تزال غائبة أو ضعيفة في نظامنا التعليمي.

كأم، أشعر أحيانًا أنني لا أربي طفلاً، بل أدير مشروعًا تعليميًا معقدًا، أتابع، أراجع، أضغط، أقلق، وكل ذلك بدافع الخوف من المستقبل، أخاف أن يكبر طفلي ويجد نفسه في نفس الدائرة التي نراها حولنا شباب متعلمون، يحملون شهادات، لكنهم لا يجدون فرصًا حقيقية، أو يجدون أنفسهم مضطرين للعمل في مجالات بعيدة تمامًا عن دراستهم.

وهنا يظهر هاجس آخر لا يمكن تجاهله هل الكفاءة وحدها كافية؟ أم أن الواقع لا يزال تحكمه العلاقات، والمحسوبية، والمجاملات؟، كثيرًا ما نسمع قصصًا عن أشخاص لم يحصلوا على فرصتهم بسبب “الواسطة”، في حين يتقدم غيرهم بخطوات سريعة رغم قلة الخبرة أو الكفاءة، هذا الواقع يخلق شعورًا بالإحباط، ويجعلنا نتساءل هل كل هذا التعب الذي نبذله اليوم مع أبنائنا سيُقدر فعلاً في المستقبل؟!.

لا يمكن إنكار أن التعليم هو حجر الأساس لأي نهضة حقيقية، لكن المشكلة ليست في أهمية التعليم، بل في شكله ومضمونه، نحن بحاجة إلى تعليم ينمي  الطفل لا يرهقه، تعليم يزرع الفضول، لا الخوف من الامتحان، تعليم يشجع على التجربة والخطأ، لا يعاقب عليهما، ربما لا نستطيع تغيير النظام بالكامل كأفراد، لكن يمكننا أن نبدأ بخطوات صغيرة، أن نخفف الضغط عن أبنائنا، أن نمنحهم مساحة ليكتشفوا ما يحبونه، أن نركز على المهارات الحياتية بجانب الدراسة، أن نعلمهم أن النجاح ليس فقط في الدرجات، بل في القدرة على التفكير، والتكيف، والإبداع.

وفي الوقت نفسه، يظل الأمل قائمًا في أن تتغير المنظومة بشكل أوسع، وأن يُعاد النظر في أساليب التعليم لتواكب متطلبات العصر، فالعالم يتغير بسرعة، وسوق العمل لم يعد كما كان، والوظائف التقليدية مع تطور وسائل التكنولوجيا في طريقها إلى الاندثار، لتظهر بدائل جديدة تحتاج إلى مهارات مختلفة تمامًا، وبين الخوف من متطلبات سوق العمل ومناهج تصنع درجات على الورق فقط، تظل كل أم مثلي تحاول أن تفعل ما بوسعها، مدفوعة بالأمل والخوف في آن واحد، على أمل أن يجد أبناؤنا مكانهم في عالم يستحق كل هذا العناء.