الدفع بـ”الروبية والجنيه”..هل تتحرر مصر من عبائة الدولار أم التأثير”محدود”؟

التخلص من سيطرة الدولار على كافة التعاملات المالية، لاسيما المعاملات الخاصة بالاستيراد، يجعل الاقتصاد في حالة مرنة مع طرق الدفع دون الاقتصار على الدفع بالدولار وحده، والتخلص من الضغط على الحصيلة الدولارية والاحتياطي النقدي بخزائن البنك المركزي.

ما يمثل ضغط على الاقتصاد في التعامل بالدولار، تكشف عنه الإحصائية الصادرة عن البنك المركزي، بحجم تجارة خارجية في النصف الأول من العام المالي 2024\2025 قُدر بـ 64.9 مليار دولار، منها:18.7  مليار دولار صادرات، في حين بلغت الواردات 46.2 مليار دولار، ما يشير إلى التفاوت الكبير بين قيمة الصادرات في مقابل الواردات.

وتنوع مصادر الدفع بالجنيه بعيدًا عن الدولار، كشف عنه السفير الهندي بالقاهرة، سوريش كيه ريدي، بالتزامن مع قرب التنفيذ الفعلي لاتفاق التبادل التجاري بين مصر والهند باستخدام العملات المحلية، “الروبية والجنيه”، بهدف تقليل الضغط على العملات الأجنبية وتسهيل حركة التجارة بين البلدين.

المفاوضات وصلت إلى مراحل متقدمة

المفاوضات بين البنكين المركزيين في مصر والهند وصلت إلى مراحل تقنية متقدمة، هذا ما أكده السفير الهندي، لافتًا إلى أن الاتفاق سيدعم نمو التبادل التجاري ويمنح الاقتصادين مرونة أكبر في مواجهة التقلبات العالمية.

وأشار إلى أن هذه الخطوة تأتي في إطار توجهات تجمع دول “بريكس”، الذي يضم مصر والهند، نحو تقليل الاعتماد على الدولار في المعاملات التجارية وتعزيز استخدام العملات الوطنية بين الدول الأعضاء.

وانضمت مصر رسميًا لمجموعة دول “بريكس” في 1 يناير 2024، وذلك بعد دعوة وُجهت لها خلال قمة المجموعة الخامسة عشرة التي عُقدت في مدينة جوهانسبرج بجنوب أفريقيا في أغسطس 2023، ويضم تجمع البريكس حاليًا 10 دول بشكل رسمي بأعداد تقارب 40% من سكان العالم.

5 مليار دولار استثمارات..وتوفير 40 ألف فرصة عمل

وعلى صعيد الاستثمارات، أفاد السفير الهندي بأن حجم الاستثمارات الهندية في مصر بلغ قرابة الـ 5 مليارات دولار، عبر إنشاء 70 مصنعًا وتوفير 40 ألف فرصة عمل، مع توسع الشركات الهندية في قطاعات الكيماويات والمنسوجات والصناعات الدوائية والطاقة والغذاء.

وقُدر حجم التبادل التجاري الحالي بين البلدين بـ 6 مليارات دولار، وفقًا للسفير الهندي، وهو رقم لا يعكس الإمكانات الحقيقية للعلاقات الاقتصادية، خاصة في ظل تجاوز حجم تجارة الهند العالمية 1.5 تريليون دولار.

وأوضح اهتمام شركات الأدوية الهندية باتخاذ مصر مركزًا للتصنيع والتصدير إلى الأسواق الأفريقية، مستفيدة من موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية مع دول القارة، منوهًا بأن العام الجاري سيشهد زيادة في الزيارات والوفود التجارية المتبادلة بين القاهرة ونيودلهي، بما يسهم في تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين الجانبين.

تخفيف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي

وفي السياق ذاته، ثمن الدكتور محمد عطية الفيومي، عضو ملجس النواب، ورئيس غرفة القليوبية التجارية، وأمين صندوق الاتحاد العام للغرف التجارية، من اقتراب التنفيذ الفعلي لاتفاق التبادل التجاري بين القاهرة ونيودلهي باستخدام العملات المحلية “الجنيه المصري والروبية الهندية”، كونه يمثل تحولًا مهمًا في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

هذه الخطوة لا تقتصر على كونها تغييرًا إجرائيًا في آليات السداد، كما يرى الفيومي، بل تعكس رؤية استراتيجية تستهدف تخفيف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي، وتقليل الاعتماد على الدولار في المعاملات التجارية، بما يدعم استقلالية القرار الاقتصادي ويفتح المجال أمام آفاق أوسع للتبادل التجاري والاستثمارات المشتركة.

وأضاف أن مصر تمتلك فرصة حقيقية للاستفادة من التوسع في التبادل التجاري بالعملات المحلية مع عدد من الشركاء التجاريين، وفي مقدمتهم الهند، التي أصبحت من أسرع الاقتصادات نموًا على مستوى العالم، مشيرًا إلى أن زيادة استخدام الجنيه المصري في التسويات التجارية من شأنه تعزيز الطلب عليه وتحسين قوته أمام سلة العملات الرئيسية.

ستحتاج وقتًا للتطبيق الفعلي على أرض الواقع

الفيومي يشير إلى أن الجانبين المصري والهندي يستهدفان رفع حجم التبادل التجاري المشترك من 6 مليارات دولار إلى 12 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، بما يعكس قوة العلاقات الاستراتيجية بين البلدين والرغبة المشتركة في توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري.

بدوره، قال هاني الحسيني، الخبير الاقتصادي وعضو اللجنة الاقتصادية لحزب التجمع، إن الاتفاقية المزمع تطبيقها مع الهند للدفع بالعملة المحلية في التعاملات التجارية بين كلا البلدين، أمر إيجابي قطعًا، بهدف التحرر من عبائة الدولار، والتوسع في التبادل التجاري مع ودول البريكس لفتح أسواق جديدة.

لكنها ستحتاج وقتًا لكي تكون جاهزة للتطبيق الفعلي على أرض الواقع بمجرد التوقيع، يضيف الحسيني، معللًا ذلك بأن الأجواء السياسية والعاليمة ستعلب دورًا محوريًا في التنفيذ والتطبيق، بخلاف “سعر الفائدة”، والذي سيكون له كلمة الفصل في قيمة الدفع بالعملة المحلية في مقابل العملات المحلية الأخرى للدول.

فجوة كبيرة في أسعار الفائدة

وتشير الإحصائيات فيما يخص أسعار الفائدة على الإيداع والإقتراض في كلا البلدين إلى فجوة كبيرة، فالبنك المركزي المصري خفض الفائدة في فبراير الماضي بمقدار 1% ثم ثبتها في أبريل 2026 عند 19% للإيداع، و20% للإقراض، في حين قُدر سعر الفائدة بالبنك المركزي الهندي عند 5.25%  للإيداع، و5.5 للإقراض.

كما أشار الحسيبني إلى أن الخطوة عند التطبيق ستكون مفيدة للتقليل من الضغط الاحتياطي النقدي، ولكنها ستكون محدودة ، مرجعًا السبب لأن 95 % من معاملات مصر في الاستيراد أو التصدير بالدولار.

بينما تطبيق الاتفاقية مع الهند وما على غرارها من اتفاقيات مع دول البريكس في المستقبل، كما يوضح الحسيني، ستعزز من نفاذ الصادرات المصرية إلى أسواق دول البريكس التي تضم نحو 40% من سكان العالم، بخلاف الاستفادة من الخبرات التقنية للدول الأعضاء، لنقل المعرفة وتوطين الصناعات المتقدمة في مصر، مثل الاستفادة من الصين في التصنيع بشكل عام وفي أكثر من مجال صناعي، والاستفادة من روسيا في الطاقة، والاستفادة من الهند في التكنولوجيا.