نيفين سمير تفتح النار على معرض الكتاب: الزحام لا يُعني مبيعات.. والناشر الصغير يدفع الثمن
المعرض تحول لـ«فسحة عائلية».. والقارئ الجاد أصبح يهرب من الزحام والضوضاء

-
صاحبة «نظر»: اشتراط 50 عنوانًا للجناح المستقل يحرم الدور الشابة من فرصة الوجود الحقيقي داخل المعرض
-
ارتفاع أسعار الورق لا يبرر الزيادات المبالغ فيها.. وليس من الضروري أن يحقق الناشر أرباحًا تصل إلى ألف بالمائة
-
الكتاب أصبح الضحية الأولى أمام ارتفاع تكاليف المعيشة.. والقارئ يضع الطعام والعلاج قبل شراء الكتب
-
اتجاه القراء إلى تحميل الكتب مجانًا عبر «PDF» نتيجة مباشرة لارتفاع الأسعار وضربة موجعة لصناعة النشر
-
«أفكار عارية وصور محتشمة» لصلاح عيسى وكتاب الحركة الشيوعية أبرز رهانات «نظر» في معرض الكتاب
-
استبعاد الكفاءات صاحبة الخبرة أضر بالمعرض.. وإسناد الإدارة لأهل التخصص هو الطريق لاستعادة الانضباط
-
نحتاج حلولًا تمنح الناشر الصغير فرصة للمشاركة بدلًا من وضع شروط تدفعه خارج المشهد الثقافي
مع اقتراب انطلاق الدورة الجديدة من معرض القاهرة الدولي للكتاب، تعود أزمات صناعة النشر إلى الواجهة، في ظل تحديات اقتصادية وتنظيمية ورقمية كثيرة، وفي حوار يحمل كثيرًا من علامات الاستفهام، تفتح نيفين سمير، صاحبة دار «نظر» للنشر والتوزيع، ملفات الناشر المستقل، وارتفاع أسعار الكتب، وتراجع القوة الشرائية، إلى جانب واقع المعرض وتنظيمه، مطالبةً بحلول أكثر مرونة وإنصافًا للدور الشابة والمستقلة.
وأوضحت «سمير» أن اشتراط إدارة المعرض امتلاك 50 عنوانًا على الأقل للحصول على جناح مستقل يُعد حائلاً يحرم شريحة واسعة من الناشرين الجادين من المشاركة والتواجد الفعال، متسائلةً بعلامة استفهام كبرى: لماذا لا تبتكر إدارة المعرض حلولاً بديلة، مثل تخصيص مساحات مصغرة أو «ستاندات» تجمع الدور التي لم تصل لهذا النصاب الرقمي بدلاً من حرمانها وإقصائها؟.
ولم تتوقف رؤيتها عند تحديات الناشرين فحسب، بل امتدت لتقييم المشهد من منظور الزائر والقارئ، حيث وصفت الوضع داخل الأروقة بـ «الهرجلة والعشوائية التنظيمية» التي تفقد المهرجان الثقافي بريقه وانضباطه، مطالبةً بإعادة نظر شاملة في إدارة المساحات وحركة الجمهور لإعادة الهيبة والجمال لهذا الحدث الثقافي الكبير.

أرباح خيالية وشماعة «أسعار الورق»
فيما يتعلق بأزمة التضخم وتصاعد أسعار الورق ومستلزمات الطباعة وتأثيرها على سعر المنتج النهائي، لم تتوان صاحبة دار «نظر» عن تقديم قراءة نقدية صادمة ومختلفة للشارع الثقافي، ولصناعة النشر نفسها، ورغم اعترافها بأن ارتفاع خامات الطباعة أثر بالفعل على التكلفة، إلا أنها وجهت انتقادًا مباشرًا لسياسات التسعير لدى قطاع واسع من دور النشر، مؤكدة أن الزيادات التي فرضها العديد من الناشرين على أسعار الكتب جاءت بنسب مبالغ فيها وبشكل لا يتناسب مطلقا مع الزيادة الفعلية في أسعار الورق، مشيرةً إلى أن بعض الدور تتعامل برغبة غير مبررة في تحقيق نسب أرباح خيالية تتجاوز الحدود المنطقية.
وأضافت أن:« المعضلة من منظور مستهلك الثقافة، ليس بالضرورة أن يحقق الناشر أرباحًا تصل إلى ألف بالمائة في ظل هذه الظروف، فهذه الزيادات المفرطة هي العائق الأكبر الذي يقف حائلاً بين القارئ وشراء الكتاب، وتدفع بصناعة الثقافة بأكملها نحو الركود».
زحام للفسحة وسقوط القدرة الشرائية
وحول الرهان على الإقبال الجماهيري الضخم لمعرض الكتاب في تعويض تراجع القوة الشرائية، تفكك صاحبة دار “نظر” هذه المعادلة بجرأة، مؤكدةً أن الأرقام المليونية لزوار المعرض خدعة لا تعكس الواقع الاقتصادي لصناعة النشر.
وترى نيفين سمير، أن الظروف الاقتصادية الراهنة غيرت فلسفة الزيارة لدى القطاع الأكبر من الجمهور، حيث تحول المعرض بالنسبة لكثيرين إلى مجرد “تنزه عائلي” وخروج ترفيهي منخفض التكلفة، وليس مقصدًا لشراء الكتب واقتناء الثقافة.
وأوضحت قائلة:« نعم، هناك إقبال وحشد جماهيري كبير داخل الأروقة، لكن هذا الازدحام لا يعني إطلاقا وجود حركة شراء حقيقية، بل على العكس فإن كثرة الزوار وضجيج المكان يزعجان القارئ الشغوف والجاد، ويدفعانه للعزوف عن الذهاب، ليصبح المشهد النهائي زحاما لافتا ومبيعات متراجعة».
وفي ظل هذا المشهد المعقد، ترصد صاحبة دار “نظر” طبيعة الأزمة الحقيقية التي تواجه القارئ اليوم، حيث أكدت أن الضغوط الاقتصادية المترتبة على موجات التضخم جعلت من اقتناء الكتب رفاهية لا يقدر عليها قطاع واسع من الجمهور، مشيرة إلى أن وصول سعر الكتاب إلى أرقام صادمة تقارب أو تتجاوز الألف جنيه في بعض الأحيان، فرض على القارئ إعادة ترتيب أولوياته المعيشية بشكل قهري، ليجد نفسه مضطرا لتقديم الاحتياجات الأساسية اليومية، من مأكل ومشرب وعلاج، على الشغف المعرفي والثقافي.
وتابعت برؤية واقعية مؤلمة قائلة:« تلك البنود الأساسية أصبحت مكلفة للغاية وتلتهم الدخل الأكبر للأسر، وهو ما يدفع القارئ حتمًا للاستغناء عن شراء الكتب، ليبقى الكتاب هو الضحية الأولى في معركة الأولويات المعيشية».

تحديات التحول الرقمي وتهميش الناشر الصغير
وعند التطرق لملف التحول الرقمي وتأثيره على سوق النشر، أوضحت نيفين سمير، أن هذا التحول أصبح سلاحًا ذو حدين، حيث ألقى بظلاله السلبية على حركة انتشار واستقرار الكتاب الورقي، مضيفة أن اتجاه نسبة كبيرة من القراء نحو القراءة الرقمية مجانًا عبر صيغ «بي دي إاف» والمواقع غير المشروعة بسبب الارتفاع الكبير في الأسعار، وجه ضربة موجعة للناشرين وزاد من حجم خسائرهم.
وتابعت:« لم تقف أزمة التحول الرقمي عند حد قرصنة الكتب الورقية فحسب، بل امتدت لتطال علاقة الناشرين بالمنصات الرقمية الشرعية والشركات المزودة لهذه الخدمات، إذ كشفت عن وجود عقبات واشتراطات انتقائية تفرضها تلك المنصات، حيث ترفض قبول أعمال الكثير من دور النشر الشابة أو الصغيرة، وهو ما يؤدي إلى تهميش الناشرين الصغار وحرمانهم من التواجد على الخريطة الرقمية، ليجدوا أنفسهم محاصرين بين تراجع مبيعات الكتاب الورقي وصعوبة دخول سوق النشر الرقمي المنظم».
رهانات «نظر»
وبسؤالها عن أوراق دار “نظر” الرابحة وعناوينها التي تراهن عليها لجذب الجمهور في هذه الدورة، كشفت نيفين سمير عن إصدارين فكريين وتاريخيين بارزين يُنتظر أن يحدثا حراكا ونقاشا واسعين بين القراء والمثقفين.
ويأتي في مقدمة هذه الإصدارات كتاب جديد للكاتب والمفكر الراحل صلاح عيسى بعنوان «أفكار عارية وصور محتشمة»، وهو عبارة عن مجموعة مقالات تمتاز بأسلوب عيسى الفريد في التشريح السياسي والاجتماعي وقراءة التاريخ بنظرة ثاقبة.
أما الرهان الثاني للدار فيتجسد في كتاب تاريخي واستقصائي عميق يوثق «مسار الحركة الشيوعية في مصر خلال الفترة من 1942 إلى 1954» وهو كتاب يسلط الضوء على مرحلة مفصلية ومكتنزة بالتحولات السياسية والتنظيمية في تاريخ مصر الحديث، مشيرةً إلى أن دار “نظر” تعول على تقديم المحتوى الجاد والعميق كمسار أساسي لكسب ثقة القارئ الشغوف والتواجد بقوة في المشهد الثقافي.

«أهل التخصص هم الحل»
وفي ختام حديثها، وجهت نيفين سمير، رسالة مباشرة ومُشبعة بالحرص على مستقبل الحدث الثقافي الأبرز في مصر، مختصرةً مطلبها العاجل للجنة العليا المنظمة للمعرض في ضرورة العودة إلى قواعد الإدارة الاحترافية والاستعانة بأهل الخبرة والتخصص.
وقالت صاحبة دار “نظر” بكلمات حاسمة أن :«التنظيم والنجاح لا يُقاس بالأسماء البراقة ولا بكثرة الأعداد، بل بالإدارة الفعالة المتخصصة، وللأسف تم استبعاد الخبرات والكفاءات التي كانت تقف وراء نجاح الدورات السابقة ولديها دراية حقيقية بكواليس المعرض واحتياجات الناشرين والقراء».
وأنهت حديثها بمطالبة إدارة المعرض بإسناد الأمر لأهله وتجاوز شكليات «الأسماء اللامعة» لإعادة الانضباط والنجاح الفعلي لأروقة المهرجان الثقافي.







