من إعادة الحسابات للحضور الميداني.. هل تتحول أسوان إلى منصة جديدة للسياسة الأفريقية؟
حزب العدل من تنظيم مؤتمر «أفريقيا.. زمن إعادة الحسابات» إلى الحضور الميداني لاحتفالية القنصلية العامة لجمهورية السودان
لم تكن مشاركة حزب العدل في احتفالية القنصلية العامة لجمهورية السودان في أسوان، بمناسبة انتهاء فترة عمل القنصل العام عبد القادر عبد الله محمد، مجرد حضور بروتوكولي في مناسبة دبلوماسية، وإنما جاءت في سياق أوسع يتصل بتزايد أهمية الملف الأفريقي داخل أجندة الحزب، وفي توقيت تفرض فيه الحرب السودانية وتحولات البحر الأحمر والقرن الأفريقي نفسها على حسابات الأمن والسياسة في المنطقة.
وتكتسب المشاركة دلالتها من طبيعة الوفد الذي ترأسه الدكتور أحمد دراج، أمين عام حزب العدل، وضم المهندس أحمد بدره، أمين التنظيم، والدكتور أحمد عبد الوهاب، أمين عام المحافظة، والدكتور نبيل عسكر، أمين المحليات المركزية، والصحفية رندا خالد، المتخصصة في الشأن الأفريقي، إلى جانب حضور الدكتور محمود ملا، وأشرف عطية، عضوي الهيئة العليا بأسوان، وقيادات أمانة أسوان، بما يعكس أن الحضور لم يكن فرديًا أو بروتوكوليًا بقدر ما جاء في إطار مشاركة تنظيمية وسياسية واسعة.
كما أن اختيار أسوان لاستضافة هذا الحضور يحمل دلالة تتجاوز المناسبة ذاتها؛ فالمحافظة تمثل إحدى أهم نقاط الاتصال الجغرافي والتاريخي بين مصر والسودان، وتملك خصوصية تجعلها جزءًا مباشرًا من المجال الأفريقي لمصر، وليس مجرد محافظة حدودية بالمعنى الجغرافي.

من «إعادة الحسابات» إلى الحضور الميداني
قبل أسابيع من احتفالية القنصلية السودانية، نظم حزب العدل في التاسع من سبتمبر مؤتمر «أفريقيا.. زمن إعادة الحسابات: قراءة في تحولات البحر الأحمر والقرن الأفريقي ومستقبل الدور المصري»، وهو مؤتمر جاء في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الحرب السودانية مع تطورات البحر الأحمر، والتنافس على النفوذ في القرن الأفريقي، والتحولات في مواقف القوى الإقليمية والدولية.
وكان السودان حاضرًا بصورة مباشرة في أعمال المؤتمر من خلال جلسة خاصة تناولت القضية السودانية، بمشاركة وزير الخارجية السوداني السابق علي يوسف، بما يعكس وضع الأزمة السودانية داخل إطار أوسع يتصل بمستقبل القضية، وليس باعتبارها أزمة داخلية منفصلة.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى المشاركة اللاحقة في احتفالية القنصلية السودانية بأسوان باعتبارها امتدادًا عمليًا لذلك النقاش؛ فالمؤتمر مثّل مساحة لتحليل التحولات وطرح الأسئلة المتعلقة بمستقبل الدور المصري في أفريقيا، بينما يمثل الحضور في أسوان مستوى آخر من التعامل مع الملف، يقوم على التواصل المباشر مع المؤسسات والشخصيات والفعاليات المرتبطة بالسودان.
وهنا يظهر الانتقال من «إنتاج الرؤية» إلى اختبارها في المجال الميداني، فالاهتمام بالشأن الأفريقي لا يُقاس فقط بحجم المؤتمرات والندوات، وإنما بمدى القدرة على بناء معرفة مستمرة، وفتح قنوات اتصال، وربط التحليل السياسي بالواقع الجغرافي والاجتماعي الذي تتحرك داخله السياسة الأفريقية المصرية.

لماذا أسوان؟
تفرض أسوان نفسها في هذه المعادلة باعتبارها إحدى أكثر المحافظات المصرية اتصالًا بالمجال السوداني والأفريقي، ولا تتوقف أهمية المحافظة عند موقعها الجغرافي، وإنما تمتد إلى تاريخ طويل من العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية مع السودان، فضلًا عن وجود روابط ممتدة بين المجتمعات على جانبي الحدود، وهذا يجعل التعامل مع الملف السوداني من أسوان مختلفًا عن التعامل معه من العاصمة.
ففي القاهرة، يظهر السودان بصورة أساسية في إطار السياسة الخارجية والأمن الإقليمي والعلاقات الرسمية، بينما تسمح أسوان بالاقتراب أكثر من الأبعاد الاجتماعية والإنسانية والثقافية للعلاقة.
ومن هنا تكتسب فكرة تأسيس أمانة للشؤون الأفريقية بأسوان أهمية سياسية وتنظيمية؛ لأنها تنقل الملف من مستوى النشاط المركزي إلى مستوى محلي مرتبط مباشرة بالفضاء الأفريقي.
والتحدي الحقيقي هنا لا يتعلق بمجرد وجود هيكل تنظيمي، وإنما بقدرته على إنتاج نشاط متخصص ومستمر، بحيث تصبح المحافظة مساحة للبحث والحوار والتواصل بشأن قضايا القارة، وليس فقط ساحة لاستضافة فعاليات موسمية.

ويمثل السودان في الحسابات المصرية حالة تتجاوز حدود الأزمة الداخلية، فالحرب المستمرة منذ أبريل 2023 أنتجت تداعيات إنسانية وأمنية وسياسية امتدت إلى دول الجوار، كما جعلت السودان جزءًا من شبكة أوسع من التفاعلات المرتبطة بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وبالنسبة إلى مصر، فإن موقع السودان وحده يجعله جزءًا مباشرًا من بيئتها الأمنية والاستراتيجية، فضلًا عن الروابط التاريخية بين البلدين.
ومن هنا جاءت الإشارة في كلمة الدكتور أحمد دراج إلى أن استقرار السودان يمثل مصلحة للسودان ومصر والمنطقة بأكملها، وتضع هذه الرؤية الأزمة السودانية في إطار الأمن الإقليمي والمصلحة المشتركة، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مجرد صراع داخلي بعيد عن الحسابات المصرية.
كما أن استمرار الحرب يفرض على الفاعلين السياسيين المصريين فهم التحولات داخل السودان، ليس فقط من زاوية أطراف الصراع، وإنما من زاوية انعكاساتها على الحدود والعلاقات الشعبية والاقتصاد الإقليمي والبحر الأحمر.

المعركة الأخرى.. حماية العلاقة بين الشعبين
من أكثر النقاط دلالة في كلمة أمين عام حزب العدل تركيزه على خطاب الكراهية ومحاولات الوقيعة بين المصريين والسودانيين.
فهذه القضية لا يمكن النظر إليها باعتبارها مسألة إعلامية فقط؛ لأن الحروب والأزمات الإقليمية قد تنتج توترات تتجاوز حدودها السياسية لتصل إلى المجتمعات.
وفي الحالة المصرية السودانية، تكتسب المسألة حساسية خاصة بسبب عمق الروابط الشعبية والاجتماعية والتاريخية، ولهذا فإن الفصل بين الخلافات السياسية والعلاقة بين الشعبين يمثل أحد التحديات المهمة في إدارة تداعيات الأزمة.
فخطاب الكراهية يمكن أن يحول أزمة سياسية أو عسكرية إلى توتر اجتماعي طويل المدى، بينما تؤدي المحافظة على مساحات التواصل بين المجتمعات إلى حماية جزء من الرصيد التاريخي للعلاقة.
ومن هنا يمكن قراءة حديث الحزب عن مواجهة محاولات الوقيعة باعتباره جزءًا من رؤية أوسع تقوم على اعتبار العلاقات الشعبية أحد مكونات الأمن السياسي للعلاقات المصرية السودانية.
الدبلوماسية الحزبية.. مساحة موازية لا بديلة
تطرح المشاركة الحزبية في مناسبة للقنصلية السودانية سؤالًا حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه الأحزاب في السياسة الأفريقية.
فالأحزاب لا تحل محل الدولة أو مؤسساتها الدبلوماسية في إدارة العلاقات الخارجية، لكنها تستطيع التحرك في مساحة موازية تتعلق بالحوار السياسي والمجتمعي، وإنتاج الأفكار والدراسات، والتواصل مع القوى السياسية والمجتمعية في الدول الأخرى.
وتزداد أهمية هذه المساحة في الأزمات الممتدة؛ لأن العلاقات بين الشعوب لا تُبنى فقط عبر القنوات الرسمية.
وفي الحالة السودانية، يمكن أن تتيح هذه المساحة للأحزاب المصرية فهمًا أكثر تنوعًا للمشهد السوداني، من خلال الحوار مع شخصيات سياسية وأكاديمية ومجتمعية سودانية، بدلًا من الاقتصار على القراءة الرسمية للأزمة.
لكن نجاح هذا الدور يتوقف على الحفاظ على الفصل بين الدور الحزبي والدور الدبلوماسي الرسمي، بحيث يكون النشاط السياسي عاملًا مساعدًا في بناء التواصل، وليس بديلًا عن مؤسسات الدولة.
من المركز إلى المحافظات
ربما تكمن إحدى أهم دلالات التحرك الحالي في محاولة نقل الملف الأفريقي من المستوى المركزي إلى المحافظات.
فالمؤتمرات المركزية توفر مساحة لإنتاج النقاش السياسي، لكن وجود أمانة متخصصة بالشؤون الأفريقية في أسوان يطرح نموذجًا مختلفًا يقوم على جعل الملف جزءًا من العمل السياسي المحلي.
وهذا التحول يمكن أن تكون له أهمية خاصة إذا ارتبط بإنتاج معرفة محلية حول قضايا الحدود، والعلاقات المصرية السودانية، والتجارة، والثقافة، وحركة الأشخاص، والتطورات السياسية في دول الجوار.
كما يمكن أن يفتح المجال أمام تدريب كوادر سياسية وشبابية لديها معرفة متخصصة بالشأن الأفريقي، بدلًا من أن يظل الملف حكرًا على عدد محدود من المتخصصين في المركز.
وهنا تصبح أسوان مساحة اختبار حقيقية لأي مشروع حزبي يريد أن يضع أفريقيا ضمن أولوياته السياسية.
فوجود أمانة متخصصة لا يكفي وحده، وإنما المطلوب هو تحويلها إلى منصة للبحث والتواصل وإنتاج أوراق السياسات وتنظيم اللقاءات المتخصصة، وربط الكوادر المحلية بمراكز البحث والخبراء والمهتمين بالشأن الأفريقي.

من البحر الأحمر إلى أسوان
يحمل الربط بين مؤتمر «أفريقيا.. زمن إعادة الحسابات» والتحرك في أسوان دلالة أخرى تتعلق بتغير طبيعة النظر إلى الجغرافيا الأفريقية.
فالبحر الأحمر لم يعد مجرد ممر مائي يفصل بين ضفتين، وإنما أصبح ساحة للتنافس الإقليمي والدولي، تتداخل فيها قضايا الأمن والتجارة والطاقة والموانئ والنفوذ السياسي.
والسودان يقع في قلب هذه المعادلة بحكم امتلاكه ساحلًا على البحر الأحمر، وارتباطه الجغرافي بالقرن الأفريقي، وموقعه بين شمال أفريقيا وشرقها.
ومن ثم فإن فهم السودان أصبح مرتبطًا بصورة متزايدة بفهم التحولات في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وهنا تتضح أهمية عنوان مؤتمر الحزب السابق؛ فـ«إعادة الحسابات» لا تعني فقط تغيير المواقف، وإنما تعني إعادة قراءة البيئة المحيطة بمصر، وفهم مراكز القوة الجديدة، وتحديد الأدوات التي يمكن من خلالها تعزيز الحضور المصري في القارة.
وأسوان تمثل إحدى النقاط التي يمكن من خلالها ترجمة هذه القراءة إلى عمل سياسي ومجتمعي أكثر قربًا من الواقع.
أسوان كجسر لا يفصل
العبارة التي وردت في كلمة الدكتور أحمد دراج حول ضرورة أن تكون أسوان «جسرًا لا يفصل وإنما يربط» تختصر جانبًا مهمًا من دلالة المناسبة.
فالحدود في العلاقات الدولية ليست دائمًا خطوطًا للفصل، وإنما يمكن أن تكون أيضًا مناطق للتفاعل والتواصل.
وفي حالة أسوان والسودان، فإن هذا المعنى أكثر وضوحًا بسبب الطبيعة التاريخية للعلاقات بين المجتمعات.
لكن تحويل هذه الفكرة إلى واقع سياسي يتطلب عملًا مؤسسيًا طويل المدى، يتجاوز المناسبات الاحتفالية إلى بناء منصات للحوار، وإنتاج دراسات حول دول الجوار، وتطوير برامج تدريبية للكوادر، واستضافة خبراء وشخصيات أفريقية، وربط النشاط المحلي بالمؤتمرات والمبادرات المركزية، عندها فقط يمكن أن تتحول أسوان من موقع جغرافي قريب من أفريقيا إلى منصة مصرية للحوار الأفريقي.
وفي هذا السياق، تبدو مشاركة حزب العدل في احتفالية القنصلية السودانية حلقة ضمن مسار أوسع بدأ بطرح أسئلة حول التحولات الأفريقية والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، ثم انتقل إلى بناء هياكل متخصصة داخل الحزب، وصولًا إلى اختبار قدرة هذه الرؤية على الحضور في المحافظات الأكثر اتصالًا بالقارة.
ويبقى السودان في قلب هذا الاختبار، ليس فقط بسبب الحرب وتداعياتها، وإنما لأنه يمثل نقطة التقاء بين الأمن المصري، والجغرافيا الأفريقية، والبحر الأحمر، والعلاقات الشعبية والتاريخية بين مصر والسودان.
ومن هنا فإن الانتقال من «زمن إعادة الحسابات» إلى الحضور الميداني في أسوان يفتح نقاشًا أوسع حول مستقبل العمل السياسي الأفريقي في مصر: هل يظل ملفًا للنقاش في المؤتمرات المركزية، أم يتحول إلى ممارسة سياسية مستمرة ترتبط بالمحافظات والكوادر والمجتمعات والحدود، وتنتج معرفة متجددة تستطيع مواكبة التحولات المتسارعة في القارة؟






