«أنا عاوز ألعب».. جملة تكررت في منشورات عديدة على مواقع التواصل الاجتماعي، عبّر خلالها أولياء أمور عن شكاوى أطفالهم في المرحلة الابتدائية من كثرة الواجبات والتقييمات والأنشطة المطلوبة على مدار الأسبوع، وما تفرضه من ساعات إضافية بعد انتهاء اليوم الدراسي، مع غياب وقت الراحة واللعب.
وتبدو طفولة التلاميذ محاصرة بين واجبات ومهام متتالية، ما يطرح تساؤلات حول تحول التعليم إلى ضغط مستمر، وتأثير كثرة الواجبات والتقييمات في دافعية الطفل للتعلم، وقدرته على الاستفادة من العملية التعليمية بصورة متوازنة.
الواجبات والتقييمات الأسبوعية.. كيف صنعت ضغوطًا على الطلاب؟
أوضح الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، أن أعمال السنة تمثل 40% من درجات طلاب المرحلة الابتدائية، بينما يحصل الطالب على 60% من خلال الامتحان النهائي، وتنقسم أعمال السنة إلى واجبات يومية وتقييمات أسبوعية وامتحانات شهرية.
وأضاف «شوقي» أن الطالب أصبح مطالبًا باستمرار بالتقييمات والواجبات، وهو ما يثير إشكالية في الصفوف الأولى، التي تمثل مرحلة تأسيسية في القراءة والكتابة والحساب، وأكد أن هذه الصفوف تحتاج إلى وقت أكبر لبناء المهارات الأساسية، إلا أن تكثيف التقييمات قد يعوق تحقيق التأسيس المطلوب.

وأشار «شوقي» إلى ضرورة تخفيف تقييمات الصفوف الأولى، بحيث تكون أقل كثافة، ثم تزداد تدريجيًا مع انتقال الطالب بين المراحل.
التقييمات ودافعية الطفل للتعلم
وأوضح «شوقي» أن الإفراط في الواجبات والتقييمات يؤثر سلبًا في دافعية الطفل للتعلم، لافتًا إلى أن مطالبته بإنجاز واجبات يومية في أكثر من مادة قد تضع أعباء تتجاوز قدراته، وتجعله يشعر بالضغط، ومن ثم تكوّن لديه اتجاهات سلبية تجاه الدراسة والتعليم.
وأضاف أن انشغال الطفل المستمر بإنجاز المطلوب قد يأتي على حساب اكتساب المهارات والمعارف الأساسية، لافتًا إلى الفرق بين من يتعلم بدافع المعرفة ومن يتعلم فقط لاجتياز التقييمات والحصول على الدرجات.
وأكد أن جعل الدرجات هدفًا أساسيًا قد يدفع بعض الطلاب إلى الغش، كما قد يدفعهم إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ومنها ChatGPT، لإنجاز الواجبات بدلًا من أدائها بأنفسهم.
اللعب والراحة جزء من التعلم
وشدد «شوقي» على أهمية إتاحة وقت كافٍ للعب والراحة والأنشطة غير الدراسية، موضحًا أن الطفل يتعلم من خلال اللعب، وأن الراحة والأنشطة تساعد على النمو.
وأضاف أن الجلوس الطويل للمذاكرة قد يؤدي إلى قلة الحركة والبدانة، مؤكدًا أن النشاط يسهم في النمو الحركي والجسمي والانفعالي والعقلي.
الضغط الدراسي قد يتحول إلى خوف من المدرسة
قال الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، إن الضغط النفسي المرتبط بالدراسة يظهر في دول مختلفة، وقد ينتج عن كثرة الواجبات أو الخوف من المدرس أو شعور الطفل بأن الدراسة تمثل عبئًا عليه.
وضرب «فرويز»، خلال تصريحه لـ«ليبرالي»، مثالًا بواقعة حدثت الأسبوع الماضي في أسكتلندا، لطفلة تبلغ 8 سنوات اتصلت بمركز لهدم المنازل، وأعطتهم عنوان مدرستها وطلبت هدمها، قائلة إنها ستدفع التكاليف، معتبرًا أن الواقعة تعكس حجم العبء الذي قد تشعر به بعض الأطفال تجاه الدراسة.

العاطفة والاحتواء.. طريق جذب الطفل للتعلم
وأضاف «فرويز» أن التعامل مع الطفل في المراحل الدراسية الأولى يحتاج إلى قدر كبير من العاطفة والاحتواء، لأن التعامل القائم على المشاعر الإيجابية يجعل التعليم أكثر قبولًا، بينما قد يؤدي العنف والتخويف إلى نفوره من الدراسة.
وأشار إلى أن العملية التعليمية تحولت أحيانًا إلى اختبارات وامتحانات بصورة مبالغ فيها، وكأن الطفل في الثانوية العامة، ما يزيد الضغط الواقع عليه، وانتقد تعامل بعض المعلمين مع الأمر باعتباره مجرد تنفيذ لمنهج مطلوب، خاصة عندما تتحول العملية التعليمية إلى مسألة مادية بحتة، بينما يكون الأطفال في حالة خوف.
وأوضح أن التقييمات تأتي بقرارات المسؤولين، بينما يقتصر دور المعلمين على تنفيذها، مضيفًا أن التعامل معها يتطلب مساعدة الأطفال على التعايش معها بهدوء دون زيادة الضغط النفسي.
دور الأسرة في تخفيف الضغوط
وأكد «فرويز» أن الأسرة تلعب دورًا أساسيًا في تخفيف الضغط، موضحًا أن تكرار عبارات مثل «الموضوع صعب» أو «الولد متضايق» أو «العيال كده هتنهار» قد يزيد الضغط على الطفل، مضيفًا: «كل ما الأهالي بتخفف من الحِمل ده، كل ما الولاد هتتعامل مع الموقف بصورة هادية»، معتبرًا أن تعامل الأسرة مع الدراسة عامل مهم في استجابة الطفل للضغوط.
كثرة الواجبات.. استنزاف نفسي وحرمان من الحياة الأسرية
قال الدكتور إبراهيم مجدي، استشاري الأمراض العصبية والطب النفسي، إن الأطفال أصبحوا يتربون ضمن سياسة «الثواب والعقاب» المفرطة، حيث ينتظر الطفل مقابلًا أو مكافأة عن كل مهمة أو واجب دراسي، معتبرًا أن هذا مفهوم تربوي خاطئ؛ فالتعليم والواجبات أدوات لتطوره الذاتي ومهاراته المستقبلية، وليست مجرد عبء يكافأ عليه.

وأضاف «مجدي»، في تصريح خاص لـ«ليبرالي»، أن تحميل الطفل واجبات ضخمة واستغراق اليوم بأكمله في حلها يخل بالمنظومة التعليمية والتربوية، ويؤدي الضغط المستمر إلى استنزاف طاقته وحرمانه من التواصل الأسري.
وأوضح أن هذا النمط قد ينعكس مستقبلًا على شخصية الطفل، فيصبح معتمدًا على الحافز الخارجي، أو يعاني من الإنهاك النفسي (Burnout) وقلق الأداء.
من حب التعلم إلى الخوف والنفور
وأكد «مجدي» أن الضغط الدراسي المتكرر يولد مشاعر الخوف والنفور، فعندما تتحول العملية التعليمية إلى درجات وواجبات تراكمية، يصبح التعليم مصدرًا للقلق، ويرتبط في ذهن الطفل بالخوف من المدرسين والنفور من المدرسة.
وشدد على أن النظام التعليمي الذي يراعي احتياجات الطفل يمنحه القدرة على الابتكار واستكشاف أفكار جديدة، بدلًا من تحويله إلى منفذ للمطلوب خوفًا من العقاب أو طمعًا في الدرجات.
وأشار «مجدي» إلى أن المسؤولية والانضباط يرتبطان بالوعي بالهدف وتكييف المسؤولية مع سن الطفل؛ فالهدف من الواجبات ليس إشغال وقته لساعات، بل إكسابه مهارة محددة وشعورًا بالمسؤولية الذاتية.
وحذر من تحول المسؤولية إلى ضغط غير صحي عندما يُلغى وقت الطفل بالكامل، وتتحول الأسرة إلى أداة لضغطه وتوجيهه طوال اليوم.
وأوضح أن الانضباط الحقيقي يتمثل في إدراك الطفل أثر ما يتعلمه على حياته، مع حصوله في الوقت نفسه على مساحة للتعبير عن مشاعره والصعوبات التي يواجهها.
اللعب والراحة.. احتياج أساسي لنمو الطفل
وشدد «مجدي» على أن الطفل يحتاج إلى اللعب والترفيه والراحة والتواصل الأسري، موضحًا أن اللعب والترفيه يؤثران فسيولوجيًا ونفسيًا في إفراز الهرمونات والناقلات العصبية المرتبطة بتحسين المزاج والاسترخاء.
وأضاف أن هذه العمليات تنعكس على النمو الجسدي والعقلي، وتحسن النوم والتركيز، مؤكدًا أن غياب مساحة للعب والاسترخاء قد يؤثر في مزاج الطفل ونموه.
وأشار إلى أن الصحة النفسية للطفل تقوم على تحقيق التوازن بين الالتزام والراحة، بحيث يحصل على الوقت الكافي للتعلم دون أن تتحول الدراسة إلى ضغط يطغى على بقية جوانب حياته.






