تحديث الرئيسيةشريط الأخبارملفات

من اللحوم إلى البطاطس.. كيف غيّرت أسعار السلع مائدة المصريين؟

بـ«القطرة والحبة».. كيف تُدير الأسر المصرية ميزانية الطعام الشهرية أمام قفزات الأسعار الجنونية؟

داخل ممرات السوبر ماركت، وعلى فرش الخضار في السوق، بات الوقوف أمام لافتة الأسعار يحتاج إلى عملية حسابية وتفكير عميق فيما يمكن أن تشتريه الأم، وتضحي بسلعة مقابل شراء أخرى، وكلاهما لا غنى عنهما، إلا أن الميزانية «تُحكم».

حركة الأسعار تفوق قدرات الأسر المالية، وأصبحت ترتفع بسرعة جنونية، واللحوم أصبحت مقترنة بالزيارات والمناسبات، وزجاجة الزيت باتت تُحسب بالقطرة، وحتى البطاطس، التي كانت السند الأساسي والوجبة السريعة للأطفال، أصبحت تلتهم جزءًا – ليس بالقليل – من ميزانية البيت الشهرية.

رحلة صعود أسعار 5 سلع أساسية في مصر

ونرصد أسعار 5 سلع أساسية شهدت زيادة مطَّردة خلال السنوات الأخيرة، والبداية مع اللحوم الحمراء، حيث شهدت ارتفاعات متتالية، مع تزايد تكلفة الأعلاف والاستيراد والنقل، وسجل متوسط كيلو اللحوم الطازجة نحو 369 جنيهًا في فبراير 2024، وفق بوابة أسعار السلع التابعة لمجلس الوزراء، بينما تراوح سعر الكندوز في يوليو 2025 بين 315 جنيهًا، وفي سبتمبر 2026، بلغ متوسط سعر اللحوم 432 جنيهًا للكيلو.

وفيما يخص الدواجن، ارتفعت أسعارها مع زيادة تكاليف الأعلاف، خاصة الذرة الصفراء وفول الصويا، إلى جانب تكاليف التربية والطاقة والنقل، وسجل كيلو الدواجن الطازجة نحو 110 جنيهات في فبراير 2024، وبلغ متوسط سعر الدجاج البلدي 130.14 جنيه في أبريل 2025، وفق نشرة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فيما سجل متوسط الفراخ المنشور في سبتمبر 2026 نحو 98.68 جنيه، ويعكس اختلاف الأرقام تفاوت نوع الدواجن ومصدر التسعير، وليس بالضرورة انخفاضًا مماثلًا في أسعار جميع الأنواع.

أما فيما يخص الأرز وزيت الطعام، فسجل كيلو الأرز المعبأ نحو 33.96 جنيه في فبراير 2024، وبلغ 36.13 جنيه في فبراير من العام نفسه، وفق رصد آخر للأسعار بتاريخ 10 فبراير، بينما سجل المتوسط المنشور في سبتمبر 2026 نحو 34.86 جنيه، أما زيت بذرة القطن المخلوط، فسجل 59.42 جنيه في أبريل 2025، وسجل متوسط الزيت المنشور في سبتمبر 2026 نحو 101.30 جنيه.

تصاعد معدلات التضخم خلال الـ5 سنوات الأخيرة

أما سعر عامود البيت «البطاطس»، فسجل متوسط سعر الكيلو في سبتمبر 2026 قرابة 25 جنيهًا، بعد أن كان سعر الكيلو قبل عامين لا يتعدى 15 جنيهًا.

ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، شهد معدل التضخم في مصر تصاعدًا واضحًا خلال السنوات الخمس الأخيرة، وسجل 4.5% عام 2021، قبل أن يرتفع إلى نحو 13.8% عام 2022، ثم قفز إلى نحو 33.7% عام 2023، بينما سجل 28.3% خلال 2024، ويعني ذلك أن وتيرة زيادة أسعار السلع والخدمات تسارعت بصورة كبيرة خلال هذه الفترة، خصوصًا مع موجات ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وتكاليف الإنتاج والنقل.

ومع بداية 2025، بدأ معدل التضخم السنوي في التراجع مقارنة بمستوياته المرتفعة خلال العامين السابقين، إذ سجل 23.2% في يناير 2025 مقابل 23.4% في ديسمبر 2024، ثم انخفض إلى 12.5% في فبراير، و13.1% في مارس، و13.5% في أبريل، و16.5% في مايو، وفق نشرات الجهاز.

زيادات تتجاوز الارتفاع الفعلي في تكاليف إنتاج السلع

ويؤكد الجهاز أن انخفاض معدل التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، وإنما يعني أن الأسعار ما زالت ترتفع ولكن بوتيرة أبطأ مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وفي قراءة لمشهد الأسعار وتغيرها، قال الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، إن السوق لا ينبغي أن يُترك بالكامل لآليات العرض والطلب، مشددًا على ضرورة وجود آلية واضحة لتحديد هوامش الربح، بما يحقق التوازن بين حقوق المنتجين والتجار من ناحية، وحماية المستهلك من الزيادات غير المبررة من ناحية أخرى.

وأضاف «الشافعي» أن بعض السلع تشهد زيادات تفوق بكثير الارتفاع الفعلي في تكاليف الإنتاج، بما يجعل المواطن في النهاية الطرف الأكثر تحملًا لفاتورة أي زيادة في التكلفة، منوهًا بأن جزءًا من أزمة الأسعار يرتبط بقدرة بعض التجار والمنشآت على تمرير أي زيادة إلى المستهلك بصورة سريعة، مستفيدين من ضعف القدرة على ضبط السوق بصورة لحظية.

وجود تقصير رقابي واضح

وأكد الخبير الاقتصادي أن ارتفاع تكلفة أحد عناصر الإنتاج لا يُبرر قطعًا رفع سعر السلعة بنفس النسبة أو بأكثر منها، لافتًا إلى وجود تقصير رقابي واضح، مع تلاعب بعض التجار والمنتجين والموزعين بأسعار السلع الأساسية، ووجود ممارسات احتكارية تستهدف تحقيق هوامش ربح مرتفعة على حساب المستهلك.

وشدد «الشافعي» على أن مواجهة هذه الظاهرة لا تتحقق بمجرد إعلان أسعار استرشادية، وإنما تحتاج إلى رقابة حقيقية على مراحل تداول السلعة، بدءًا من معرفة تكلفة المنتج وسعر شراء التاجر، وصولًا إلى السعر النهائي الذي يدفعه المواطن.

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن ترك السوق دون أدوات فعالة لضبط هوامش الربح سيسمح بانتقال الزيادات إلى المستهلك بصورة أكبر من تأثيرها الحقيقي، وهو ما يجعل المواطن أمام أسعار تختلف من مكان إلى آخر، بحسب قدرة كل تاجر على فرض السعر الذي يراه مناسبًا للسوق المحيط به.

اختلاف السعر بين المعلن والذي يُحصّل عند «الكاشير».. مخالفة جسيمة

وفيما يتعلق بآليات الرقابة على الأسعار، أكد إبراهيم السجيني، رئيس جهاز حماية المستهلك، أن الإعلان الواضح عن أسعار السلع يمثل التزامًا أساسيًا على التجار والمنشآت، مشددًا على ضرورة أن يكون السعر المعلن للمستهلك واضحًا، سواء على عبوة المنتج أو على الأرفف، بما يمنع التلاعب عند إتمام عملية الشراء.

وأوضح أن اختلاف السعر الذي يواجهه المواطن بين السعر المعلن والسعر الذي يتم تحصيله عند «الكاشير» يُعد مخالفة جسيمة تستوجب اتخاذ الإجراءات القانونية، منوهًا بأن الجهاز يواصل تكثيف الحملات الرقابية على الأسواق، لرصد أي محاولات للتلاعب بالأسعار أو استغلال احتياجات المواطنين، مؤكدًا أن الحملات تشمل متابعة توافر السلع والإعلان عن أسعارها والبيع وفقًا للأسعار المعلنة.

وأفاد «السجيني» بأن اختلاف الأسعار من منطقة إلى أخرى لا يعني في حد ذاته غياب الرقابة، وإنما تتركز الرقابة على التأكد من التزام كل منشأة بالإعلان الواضح عن السعر وعدم تحصيل مبالغ أعلى من السعر المعلن، إلى جانب مواجهة الممارسات التي تضر بحقوق المستهلكين أو تستغل الظروف الاقتصادية لرفع الأسعار دون مبرر.

وشدد «السجيني» على أهمية استمرار التنسيق بين الأجهزة الرقابية والمحافظات، وتكثيف التواجد الميداني لمتابعة حركة تداول السلع والأسعار، مؤكدًا أن ضبط الأسواق يتطلب متابعة مستمرة وتكاملًا بين الجهات المعنية، إلى جانب دعم المنافسة المشروعة والتصدي للممارسات الاحتكارية والسلوكيات التي قد تؤثر على استقرار الأسعار أو تضر بالمستهلك.

زر الذهاب إلى الأعلى