من «سندات الجهاد» لـ «شريان التموين» وسر الـ 400 مليون جنيه ودائع.. كيف أدارت مصر «اقتصاد الحرب»؟
فواتير النصر الصامتة..بالأرقام: كيف مول الجنيه المصري معركة أكتوبر؟

نصر السادس من أكتوبر 1973، لم يكن مجرد عبورٍ عسكري وهدم ساتر ترابي حصين، بل كان عبورًا من ظلمات اليأس إلى نور العزة والكرامة، ففي ظهيرة ذلك اليوم المجيد، التقت إرادة البسالة على جبهة القتال مع صمود وتلاحم شعب أصلب من الحديد في الظهير الخلفي، لتسطر مصر ملحمة تاريخية أثبتت للعالم أن إرادة الشعوب لا تُقهر، وأن الكرامة الوطنية خطٌ أحمر يُفدى بالأرواح.
ولم يكن النصر وليد الصدفة، بل كان نتج استعدادات عسكرية مضنية، بالتوازي مع استعدادات اقتصادية لا تقل عن العسكرية- إن لم تكن أكثر-، ويُطرح السؤال، كيف كان يعيش المصريين في بيوتهم قبل الحرب ووقت النصر؟.

عشنا سنوات قبل الحرب تحت مظلة التقشف
وبعد بحث التقينا الحاج حسن سيد، والبالغ من العمر 71 عامًا، والمقيم بحي المطرية، والذي كان شبابًا ويبلغ من العمر 18 عامًا وقت الحرب، قائلًا:”عشنا سنوات ما قبل الحرب تحت مظلة التقشف، وكانت بطاقة التموين هي شريان الحياة لكل أسرَة، ونقف في طوابير الجمعيات لنحصل على حصصنا المقررة من السكر والزيت والصابون”.
وأضاف الحاج حسن، أن السلع المستوردة اختفت تمامًا، وكان الاعتماد على المنتج المحلي، بل وكان الشباب والموظفون يقتطعون من مرتباتهم المحدودة لشراء “شهادات الجهاد” والمساهمة في المجهود الحربي، في ظل حالة من الصبر والتكافل الاجتماعي الشديد والرضا بما هو متاح من أجل إعداد الدولة ليوم الشرف.

وبنبره لا تخلو من الفخر الممزوج بالدهشة والمفاجأة، قال الحاج حسن:” عندما اندلعت حرب أكتوبر وتصاعدت صيحات التكبير، تحولت حياتنا اليومية إلى ملحمة من الصمود التلقائي، ومع ساعات المساء كنا نلتزم بالإظلام التام “البلاك أوت”، وندهن زجاج النوافذ باللون الأزرق لمنع تسرب الضوء”، وتابع :”على عكس المتوقع في أوقات الأزمات، اختفى الجشع من الأسواق”.
وعلى الصعيد الاقتصادي وقت الحرب، واجه الاقتصاد المصري خسائر فادحة نتيجة لهزيمة 1967، بلغت 11 مليار جنيه مصري “أي ما يُعادل 25 مليار دولار بسعر الصرف المسجل للجنيه في هذه الفترة عند 2.3 دولار”، وفقًا لتقديرات رئيس الوزراء الأسبق، عزيز صدقي، كما خسرت الدولة نحو 80% من معداتها العسكرية، ما ضاعف احتياجاتها المادية لشراء معدات بديلة، إلى جانب الخسائر المسجلة في إيرادات قناة السويس عند قرابة الـ 95.3 مليون جنيه، وخسارة آبار البترول في سيناء، فيما بلغت الخسائر الناجمة عن قصف إسرائيل لمنشآت قناة السويس ما يقرب من مليار جنيه “أي 2.3 مليار دولار”.

زيادة الإنفاق العسكري
ووفقًا لدراسة حديثة، أعدها المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، فقد الاقتصاد المصري جزءًا مهمًا من الإيرادات السياحية، بالإضافة إلى تدمير 17 منشأة صناعية كبرى بخسائر 169.3 مليون جنيه “389.4 مليون دولار”، ونتيجة لتلك الخسائر، كان لا بد وأن تدخل الدولة المصرية مرحلة اقتصاد الحرب خلال الفترة من 1967 حتى 1973.
واعتمدت الدولة المصرية موازنة عام 1973 تحت مسمى “موازنة الحرب” أو “موازنة المعركة”، والتي أعلنها رئيس الوزراء المصري آنذاك “عزيز صدقي” في فبراير من العام نفسه لتستهدف توفير التمويل اللازم لاحتياجات القوات المسلحة من الأدوات الطبية والمواد الغذائية حال قيام الحرب، وتأجيل تنفيذ المشاريع التنموية طويلة المدى، وإجراء تخفيض جديد في أنواع الإنفاق في الدوائر الحكومية والقطاع العام، بما في ذلك تخفيض اعتمادات السفر والمواصلات، ونفقات الأعياد والمواسم.
وفي مارس من العام نسه، اتخذت الحكومة إجراءات جديدة استعدادًا للحرب عبر خفض مخصصات المياه والإنارة والنقل سواء بالسكك الحديدية أو وسائل النقل الأخرى بنسبة 10%، وخفض الاعتمادات المخصصة للأعياد والمواسم بنسبة 75%، ومراجعة مخصصات الصيانة لمرافق وزارات الري والإسكان والبترول وهيئة البريد، وإعادة النظر في مختلف المشروعات الاستثمارية الواردة في موازنة 1973، مع تأجيل أي مشروعات لا تخدم أهداف المعركة.
ومنذ عام 1966 حتى عام 1973، ارتفع الإنفاق العسكري من 481.8 مليون دولار إلى 1.243 مليار دولار بنسبة زيادة تبلغ حوالي 158.4%، كما ارتفعت نسبة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي الإجمالي من 6.68% إلى 13.51%.

السياسات الاقتصادية الانكماشية
كما اتبعت الدولة سياسة اقتصادية انكماشية خلال الأعوام التالية لهزيمة 1967 وحتى نصر أكتوبر 1973، وذلك عبر تطبيق ثلاث أدوات رئيسية، تمثلت الأولى: في رفع أسعار السلع الكمالية وفرض الضرائب غير المباشرة، والثانية: في خفض الدخول بزيادة أو فرص ضرائب مباشرة جديدة إلى جانب الحد من الترقيات في القطاع الحكومي، والثالثة: في خفض الاستثمار المحلي الإجمالي عدا الموارد الادخارية المتاحة.
ونتيجة لذلك، ارتفعت الإيرادات الضريبية من الضرائب غير المباشرة والتعريفات الجمركية من 442.5 مليون جنيه عام 1970 إلى 574.7 مليون جنيه عام 1973، لترتفع نسبتها بذلك من إجمالي الإيرادات الضريبية من 63.4% إلى 69.1%، مقابل تسجيل الضرائب المباشرة مستوى يبلغ حوالي 257.5 مليون جنيه عام 1973، أي ما يعادل 30.9% من الإيرادات الضريبية في ذلك العام.
إلى جانب ذلك، حافظ الشعب المصري على ودائعه في المصارف التجارية خلال فترة ما بين الحربين، ما أسهم في دعم واستقرار القطاع المصرفي، حيث ارتفع إجمالي الودائع بالبنوك إلى 400 مليون جنيه، بينها 27 مليون جنيه شهادات استثمار عائلي.

الدعم الشعبي
وطرح القطاع المصرفي المصري العديد من الأوعية الادخارية الاستثمارية خلال الفترة بين 1967 و1973، حيث ارتفعت قيمة سندات الخزانة من 164 مليون جنيه خلال العام المالي 1959/1960 إلى ما يقرب من 375 مليون جنيه في 1969/1970، ليصل إلى 459 مليون جنيه عام 1972، كما طُرح ما يُعرف باسم “سندات الجهاد”، تحت شعار “شارك في ملحمة النضال الوطني”، بفائدة تبلغ 4.5% سنويًا معفاة من الضرائب لمدة عشر سنوات، وتضمنت فئاتها المالية: 50 قرشًا، جنيهًا واحدًا، 5 جنيهات، 10 جنيهات، 100 جنيه. فيما بلغت حصيلتها نحو 7 ملايين جنيه مصري خصصت لاحتياجات القوات المسلحة والأمن القومي ولتلبية الإنفاق الدفاعي المتزايد بوتيرة مستمرة.
واضطرت الدولة إلى تمويل جزء من إنفاقها العسكري -إلى جانب فرض الضرائب وطرح سندات في الأسواق المالية- من خلال طباعة المزيد من النقود، وهو الأمر الذي أسهم في رفع معدلات التضخم من 0.7% خلال عام 1967 إلى 5.11% خلال عام 1973.
وفي هذا الشأن، حاولت الحكومة مجابهة الموجة التضخمية من خلال تطبيق سياسات التسعير الإجباري للسلع الأساسية حتى عام 1973، حيث أدارت الدولة الأسعار بجميع القطاعات الاقتصادية الرئيسة مثل المنتجات الزراعية والصناعية والسكنية، إلا إنها بدأت بعد انتهاء الحرب في التخلي عنها تدريجيًا ليرتفع معدل التضخم إلى 10.02% خلال 1974، و9.67% خلال 1975.

زيادة الاستهلاك الحكومي
اتخذت الدولة المصرية مجموعة من التدابير والإجراءات الطارئة بغرض الحفاظ على رصيد الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية خلال الفترة من 1967 إلى 1973، وذلك من خلال إعادة النظر في خطط الاستيراد والتصدير لمعالجة العجز في الميزان التجاري، وزيادة الاعتماد على المنتج المحلي، وتطبيق ما يُعرف بـاسم “سياسة الإحلال محل الواردات”.
أدى الدور الأوسع للدولة في النشاط الاقتصادي بين حربي 1967 و1973 إلى زيادة الاستهلاك الحكومي ليسجل معدلات مرتفعة من 488 مليون جنيه عام 1967 ليبلغ نحو 1.077 مليار جنيه عام 1973، بنسبة نمو تبلغ 120.7% أو 20.1% سنويًا خلال تلك الفترة، وذلك مقارنة مع متوسط نمو الاستهلاك الحكومي خلال الفترة 1960-1966 البالغ نحو 18.7%، رغم ما شهدته تلك الفترة من زيادة في مشروعات القطاع العام وإقامة بعض مشروعات البنية الأساسية.

نمو الناتج المحلي بـ 3.5% في 1973..بعد انكماش 1.6% عقب هزيمة 1967
كان المصدر الأساسي للمعونات المقدمة إلى مصر في السنوات التالية لحرب 1967 هو البلاد العربية، حيث استطاعت القاهرة أن تؤمن منح ومساعدات من السعودية والكويت وليبيا قدرت في المتوسط بـ 286 مليون دولار سنويًا، وجاءت تلك المساعدات لتعويض النقص في المعونات الخارجية والغربية في ظل توقف المساعدات الأمريكية تمامًا في فبراير1967.
ونتيجة لزيادة الإنفاق الدفاعي، والحصيلة الضريبية، والاعتماد على المنتج المحلي بدعم من تعزيز القاعدة التصنيعية، استطاع الاقتصاد المصري أن ينتقل من منطقة الانكماش إلى النمو، حيث سجل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي نحو 3.5% خلال عام 1973 مقابل انكماشه بنسبة 1.6% عقب هزيمة 1967 بعامٍ واحدٍ.






