
ظلت الواسطة والمحسوبية حاضرة في تفاصيل مختلفة من الحياة اليومية، من التعيين والترقي إلى إنهاء بعض الإجراءات والحصول على الخدمات حتى بات اللجوء إليها لدى البعض طريقًا مختصرًا للوصول إلى فرصة أو تجاوز عقبة، بينما يراها آخرون أحد أشكال الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص.
ورغم أن الواسطة والمحسوبية ليستا ظاهرتين حديثتين، فإن امتدادهما عبر فترات تاريخية مختلفة لا يعني بالضرورة أنهما أمر حتمي أو ضرورة اجتماعية، بل يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا حول الأسباب التي تسمح باستمرارهما، وما إذا كان اللجوء إلى المعرفة والسند يعكس ثقافة اجتماعية ترسخت بمرور الوقت، أم أنه في بعض الحالات نتيجة مباشرة لشعور الأفراد بأن الفرص لا تتاح للجميع بالقدر نفسه.
وبين من يعتبر الواسطة وسيلة للحصول على حقد يصعب الوصول إليه دون تدخل، ومن يراها بابًا للمحسوبية وإهدارًا للكفاءة، تتباين النظرة إلى الظاهرة ودوافع اللجوء إليها، خاصة في سوق عمل تتزايد فيه المنافسة، وتصبح فيه المهارات والخبرات معيارًا أساسيًا للحصول على الفرص.
فهل أصبحت الواسطة جزءًا من الثقافة الاجتماعية؟ وهل يمثل السند حاجة لدى البعض في ظل ضعف الثقة في تكافؤ الفرص؟
الواسطة ثقافة مرفوضة

قالت الدكتورة هالة يسري، أستاذ علم الاجتماع بمركز بحوث الصحراء، إن الواسطة ليست ضرورة في المجتمع، وإنما أصبحت جزءًا من الثقافة السائدة، موضحة أن هناك أشخاصًا يعلنون رفضهم للواسطة، بينما هم أكثر من يسعون في الوقت نفسه إلى استخدامها، سواء في موضع حق أو بغير حق.
وأضافت “يسري” أن الواسطة من الممارسات التي يجب أن تزول من المجتمع نهائياً، مؤكدة أن كفاءة الإنسان تنبع من علمه ومعرفته وخبراته وعدد سنوات العمل وتنوعها، وهي العناصر التي تمثل سيرته الذاتية الحقيقية، ويمكن أن تؤهله للوصول إلى أبعد مما يتخيل.
المصري يبحث عن سند أم واسطة؟
وأوضحت أن المصري بطبيعته لا يبحث بالضرورة عن الواسطة، وإنما يبحث عمن يسنده، لافتة إلى أن المعظم أصبح يعتمد ا على الشهادة الجامعية وهي وحدها لا تكفي لدخول سوق العمل، في ظل المنافسة الشديدة والحاجة إلى الارتقاء بالسلم المعرفي والمهاراتي.
وأشارت إلى أن التخرج من الجامعة والحصول على شهادة دون امتلاك مهارات ومعارف حقيقية لم يعد مطلوبًا في سوق العمل، موضحة أن استهداف الوظيفة الحكومية لمجرد الحصول على راتب والاستقرار دون تطوير المهارات أصبح توجهًا يتراجع، بينما أصبح القطاع الخاص مفتوحًا أمام المنافسة، باعتباره يستهدف تحقيق الربح ويبحث عن أفضل العمالة القادرة على تحقيق ذلك.
غياب الواسطة وتكافؤ الفرص
وحول تحول الواسطة من مساعدة إلى فساد، أكدت الدكتورة هالة يسري أن وجود تكافؤ حقيقي في الفرص يقلل الحاجة إلى الواسطة، مشددة على أن تمييز شخص في التوظيف لمجرد كونه ابن شخص معين أو حصوله على واسطة أمر مرفوض، لافتة إلى أن الواسطة أصبحت تستخدم حتى في الترقي داخل بعض المؤسسات.
وأكدت أن الواسطة صفة مذمومة وغير مرغوب فيها، وأن استخدامها يمثل إفسادًا في المجتمع، مشددة على ضرورة الحد منها وإفساح المجال أمام المتميزين والمتفوقين القادرين على إحداث فارق في مواقع العمل.
وعن كيفية القضاء على ثقافة الواسطة، قالت: ألا نطبقها، موضحة أن ذلك يتحقق من خلال عدم الأخذ بها، وإعلان معايير الاختيار بشفافية كاملة، بحيث تكون قواعد المفاضلة واضحة ومعلنة للجميع.
وأضافت أن المفاضلة بعد تطبيق المعايير يجب أن تكون على أساس المهارات والتعليم والخبرات والقدرة على المنافسة، خاصة أن المنافسة لم تعد داخل مصر فقط، وإنما أصبحت على المستوى العالمي، مشيرة إلى أن العديد من الشركات العالمية تستعين بالمصريين عندما يكونون مؤهلين ويمتلكون المهارات المطلوبة.
وأكدت أن المصريين المؤهلين بشكل كافٍ أصبحوا محل اهتمام الشركات العالمية، وهو ما يعكس أهمية بناء الكفاءة والمهارات بدلًا من الاعتماد على العلاقات والمعارف في الحصول على فرص العمل.
مؤشر فساد.. وخطر يهدد تكافؤ الفرص

وأكدت الدكتورة منى عويس أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر، أن الوساطة أو المحسوبية تعد بلا شك أحد أهم مؤشرات الفساد ، وهى أكبر خطر مهدد لمبدأ تكافؤ الفرص فى المجتمع ،الذى يعد ركيزة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية .
وأوضحت “عويس” أن الوساطة تعتبر أحد الظواهر الاجتماعية القديمة التى ضربت جذورها عمق التاريخ البشرى ، حيث عرفت فى الحضارة الرومانية القديمة بنظام ( الراعى والعميل ) ، والراعى هو صاحب النفوذ والسلطة الذى كان بدوره يقوم بمنح بعض الفئات الأقل نفوذا بعض المنح والهبات مقابل ضمان ولائهم ودعمهم السياسى له .
وأشارت إلى أن هذا المصطلح ظهر أيضا فى أوروبا فى العصور الوسطى بشكل آخر، ذلك حينما تفاقمت عطاءات البابوات والأساقفة مناصب كنسية رفيعة المستوى لأقاربهم أو لأبنائهم غير الشرعيين ، وذلك لضمان استمرارية تملكهم وسيطرتهم على السلطة ، أما فى عصرنا الحاضر فقد تشكلت الوساطة وتشربها الأفراد من خلال البناء الثقافى الداعم للمصالح غير المستحقة لبعض الأفراد، أو لبعض الأفراد المستحقين ولكنهم لم يتمكنوا من أخذ حقوقهم بدون وسيط.
وشددت على ضرورة التمييز بين ( المساعدة بالمعرفة للحصول على حق مشروع ) وبين اللجوء إلى ( الوساطة أو الشفاعة ) لأخذ حق غير مشروع.
وتابعت هنا يبدو الفرق جليا ، فإن كان الإنسان صاحب حق أصيل ولم يستطيع بإمكاناته وعلاقاته المحدودة إيصال صوته والحصول على حقه ، فإن لجوءه هنا الى من هو أعلى منه منصبا يسمى ( مساعدة ) ، أما إن كان الشخص يأتى من الأبواب الخلفية لاقتناص ما ليس له فيه حق ملتفا على القانون ، ومستقويا بمن يعرف من أصحاب النفوذ فهذا ( وساطة باطلة غير مشروعة عرفا وقانونا ودينا ) .
واختتمت أستاذ علم الاجتماع حديثها بالتأكيد على أن الحل الأمثل للحد من أمثال هذه الظواهر ، هو تفعيل الجهات الرقابية فى كافة المؤسسات ، ونشر الوعى بالقضايا الحقوقية ، تشديد العقوبات لكل مسؤول يستغل سلطاته التى مكنه منها القانون .






