خفض صادرات السيارات الصينية الهجينة.. المحاولة الأخيرة لتجنب صراع تجاري شامل
توصلت الصين والاتحاد الأوروبي إلى تفاهم بشأن 16 نقطة تشمل التجارة والاستثمار وضوابط التصدير وحقوق الملكية الفكرية وإصلاح منظمة التجارة العالمية، في خطوة قد تؤدي إلى خفض صادرات السيارات الصينية الهجينة إلى الاتحاد الأوروبي بأكثر من النصف، وفقًا لما صرح به المفوض الأوروبي للتجارة، ماروش شيفكوفيتش، يوم الجمعة، عقب محادثات في بكين استهدفت تقليص العجز التجاري المتفاقم للاتحاد الأوروبي مع الصين.
وبعد محادثات استمرت يومين، من دون الإعلان عن آلية التنفيذ، أوضح شيفكوفيتش أن التفاهم قد يحد من صادرات الصين من السيارات الكهربائية والهجينة والهجينة القابلة للشحن الخارجي (Plug-in Hybrids) إلى الاتحاد الأوروبي، ويقلص الواردات بمقدار عدة ملايين من السيارات على مدى أربع سنوات، ويستند هذا التقدير إلى توقعات نمو الصادرات الصينية خلال السنوات الأربع المقبلة في حال عدم التوصل إلى الاتفاق.
وجاء التفاهم عقب ثلاثة أشهر من المناقشات بين شيفكوفيتش ومسؤولين صينيين، من بينهم وزير التجارة وانغ وينتاو، في أعقاب سنوات من النزاعات بين بكين وبروكسل بشأن الارتفاع الكبير في الصادرات الصينية، ولا سيما في قطاع السيارات.
ومن المقرر أن يعقد شيفكوفيتش ووانغ اجتماعًا آخر في مارس 2027، على أن يجريا محادثة عبر الفيديو في يناير من العام نفسه.
تأثير الاتفاق على صناعة السيارات في أوروبا
ارتفعت أسهم شركات صناعة السيارات الأوروبية عقب الإعلان عن التفاهم، بعد تراجعها على مدار العامين الماضيين بفعل الرسوم الجمركية الأمريكية وتزايد الصادرات الصينية.
ومن المقرر أن يناقش قادة الاتحاد الأوروبي نتائج المحادثات في مستهل قمتهم المرتقبة في بروكسل يوم الخميس المقبل، لتحديد ما إذا كان الاتفاق يمثل بداية لإعادة التوازن إلى الميزان التجاري للتكتل مع الصين، والذي تجاوز عجزه مليار يورو يوميًا.
وأعرب شيفكوفيتش عن اعتقاده بأن الجانبين حققا «نتيجة جيدة للغاية»، فيما قال رئيس لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي، بيرند لانج، إن الاتفاق المتعلق بالسيارات الهجينة ينبغي أن يمتد إلى قطاعات أخرى، مشددًا على ضرورة تطبيق الاتحاد الأوروبي تدابير الدفاع التجاري بفاعلية أكبر.
وأضاف شيفكوفيتش أن الجانبين توصلا إلى تفاهمات بشأن خفض الرسوم الجمركية الصينية على صادرات أوروبية تبلغ قيمتها نحو 4 مليارات يورو، تشمل قطع غيار السيارات وزيت الزيتون والأحذية، ومن المتوقع أن توفر هذه الخطوة للمصدرين 225 مليون يورو، إلى جانب تسهيل إجراءات حصول الصين على تراخيص تصدير المعادن الأرضية النادرة والمغناطيسات الدائمة.
تسريح العمالة وتزايد واردات السيارات الصينية
يأتي الاتفاق في وقت تتجه فيه شركات صناعة السيارات الأوروبية إلى تسريح العمالة، وفي مقدمتها شركة «فولكس فاجن»، التي تواجه خطر فقدان 100 ألف وظيفة.
وارتفعت واردات الاتحاد الأوروبي من السيارات الهجينة القابلة للشحن الخارجي بنسبة 86% خلال العام المنتهي في سبتمبر، بالتزامن مع انخفاض أسعارها بنسبة 20%، وتأتي أكثر من نصف هذه المركبات حاليًا من الصين، التي بلغت حصتها 30% من إجمالي الواردات من حيث القيمة.
وأدى النزاع بين الصين والاتحاد الأوروبي بشأن صادرات السيارات الكهربائية الصينية منخفضة التكلفة إلى توتر العلاقات بين الجانبين، ودفع الاتحاد إلى فرض رسوم جمركية في عام 2024، ثم اتسع نطاق الخلاف ليشمل تدابير صينية مضادة استهدفت صادرات الاتحاد الأوروبي من البراندي ولحم الخنزير ومنتجات الألبان، فضلًا عن القيود المفروضة على تصدير المعادن الأرضية النادرة والمعادن الحيوية.
وكانت برلين وباريس من بين الأكثر تضررًا من الإجراءات الصينية، الأولى في قطاع الألبان، والثانية في قطاع البراندي.
وشهدت واردات الاتحاد الأوروبي من السيارات الهجينة ارتفاعًا ملحوظًا بعد فرض رسوم جمركية مرتفعة على السيارات الصينية الكهربائية بالكامل، التي تعمل بالبطاريات، وكانت صحيفة «فاينانشال تايمز» قد أفادت بأن الصين رفضت طلبًا أوروبيًا يقضي بقصر صادرات السيارات الهجينة القابلة للشحن الخارجي على نحو 15% من حصة السوق.
اختلال الميزان التجاري بين بروكسل وبكين
بلغت قيمة الصادرات الصينية إلى الاتحاد الأوروبي 560 مليار دولار العام الماضي، وفقًا لقاعدة بيانات الأمم المتحدة لتجارة السلع (UN Comtrade)، مقارنة بـ517 مليار دولار في عام 2023. وارتفعت الصادرات إلى اقتصادات كبرى، من بينها ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وبولندا، بنحو 10% لكل منها مقارنة بالعام السابق، فيما قفزت الشحنات المتجهة إلى المجر بنسبة 43%.
في المقابل، استوردت الصين سلعًا أوروبية بقيمة 268.3 مليار دولار العام الماضي، بانخفاض طفيف عن 269.4 مليار دولار في العام السابق، وتصدرت الدنمارك وأيرلندا وفرنسا قائمة الدول الأوروبية الموردة إلى السوق الصينية.
وتشمل مجالات التفاهم الأخرى بحث سبل تسهيل وصول الأجهزة الطبية الأوروبية إلى السوق الصينية، إلى جانب تعهدات من بكين بتخفيف تدابير مكافحة الأمراض واسعة النطاق التي قيدت صادرات اللحوم والماشية الأوروبية.
وتحتاج الصين إلى أسواق خارجية لتصريف تدفق السلع المدعومة حكوميًا والمنخفضة التكلفة نسبيًا، في ظل عجز المستهلكين المحليين عن استيعابها، وفي المقابل، ينقسم الاتحاد الأوروبي بين الترحيب بهذه الواردات لما توفره من تخفيف لتكاليف المعيشة، والدعوة إلى تقييدها لحماية المصانع المحلية وإعادة بناء القاعدة الصناعية للتكتل.
هل تمثل الاتفاقية بداية نهاية الصراع بين بروكسل وبكين؟
تزايدت المخاوف الأوروبية من تدفق الصادرات الصينية التي يرى مسؤولون في الاتحاد أنها تستفيد من دعم حكومي غير عادل، في وقت تواجه فيه بروكسل صعوبة في الاستجابة السريعة للتهديدات التجارية.
ومع رفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرسوم الجمركية، تتجه مزيد من الصادرات الصينية إلى أوروبا، ما يزيد الضغوط على قطاعات صناعية تعاني بالفعل وتضطر إلى تقليص أنشطتها.
كذلك، يجعل اعتماد أوروبا الكبير على الصين في الحصول على المعادن الأرضية النادرة المعالجة وغيرها من المواد الخام الحيوية، التكتل عرضة لإجراءات انتقامية في حال تدهور العلاقات بين الجانبين.
ورغم إقرار الصين والاتحاد الأوروبي بوجود خلافات بينهما، يبدو أن بكين وافقت على طلب أوروبي لتطوير نموذج جديد لإعادة التوازن التجاري، يبدأ تطبيقه تجريبيًا على السيارات الهجينة.
ومع أن الاتفاق قد يخفف حدة التوترات الأكثر إلحاحًا، فإن التوصل إلى حل شامل للاختلالات الاقتصادية التي أججت الصراع لا يزال بعيد المنال، فقد اقترب العجز التجاري للاتحاد الأوروبي مع الصين من 360 مليار يورو في عام 2025، وسجل ارتفاعًا بنسبة 12% حتى الآن هذا العام.
في المقابل، لم تتجاوز قيمة صادرات السيارات الصينية إلى الاتحاد الأوروبي 15.1 مليار يورو العام الماضي، وهي نسبة محدودة مقارنة بإجمالي العجز التجاري.
وبينما تسعى أوروبا إلى وقف تآكل قاعدتها الصناعية، تظل الصين معتمدة بدرجة كبيرة على الصادرات للحفاظ على نموها الاقتصادي، ما يثير تساؤلًا بشأن مدى استعداد بكين لتطبيق نموذج مماثل من الاتفاقات مع أسواق مهمة لصادراتها، مثل دول رابطة جنوب شرق آسيا «آسيان».






