تحديث الرئيسيةشريط الأخبارملفات

«فن صناعة الفدادين الوهمية».. كيف تحولت الـ14 قيراطًا إلى 25 فدانًا بغمضة عين؟

كواليس أزمة الحيازات الزراعية التي أوقفت بطاقات التموين وقطعت أرزاق أسر

لم تقتصر معاناة حائزي الأراضي الزراعية على ارتفاع أسعار الأسمدة وشح المياه وتقلبات السوق، بل امتدت إلى مطالبات مالية تفرضها بعض الجمعيات الزراعية على المزارعين، لتتحول، بدلًا من أن تكون ملاذًا يوفر الدعم والتسهيلات، إلى مصدر لاستنزاف أموالهم، بما يهدد استقرار آلاف الأسر.

وتكشف واقعة أبو عمرو جواد جانبًا من هذه المعاناة، إذ فوجئ بخطاب من رئيس الجمعية الزراعية في قرية دلجا بمحافظة المنيا ومديرها، يتضمن تغريمه مبلغًا ماليًا كبيرًا بدعوى امتلاكه حيازة زراعية وصفها المسؤولون بأنها «وهمية».

وتساءل «جواد» عن الأساس الذي استندت إليه الجمعية في اتخاذ القرار، وما إذا كانت قد عاينت الأرض قبل إصدار الخطاب، قائلًا: «قبل ما تقرر إن حيازتي وهمية أو حقيقية، هل حضرتك عاينت الأرض أو كلفت أحد موظفي الجمعية بالمعاينة والتأكد من ملكيتي للأرض؟ الإجابة طبعًا لا».

«فن صناعة الفدانات الوهمية».. كيف تحول الـ 14 قيراطًا إلى 25 فدانًا بغمضة عين؟

وأوضح «جواد»، أنه يمتلك أرضًا زراعية موروثة عن أجداده، مؤكدًا وجودها على أرض الواقع، ومشيرًا إلى إقامة منزلين عليها منذ أكثر من 20 عامًا، تزيد مساحة كل منهما على 400 متر مربع، إلى جانب أربعة منازل أخرى لأبناء شقيقاته.

وأضاف أنه يمتلك محلًا مستأجرًا من الجمعية الزراعية منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، وهو ما أتاح له، بحسب قوله، معرفة ما كان يدور داخل الجمعية بشأن ملفات الحيازات الزراعية.

وطالب «جواد» رئيس الجمعية ومديرها بمعاينة الأرض والتحقق من حقيقة ملكيته وحيازته قبل اتخاذ أي إجراءات ضده، مشددًا على ضرورة تطبيق القواعد على جميع الحيازات دون استثناء.

إيقاف بطاقة التموين بسبب بيانات حيازة غير صحيحة

وفي واقعة أخرى، وجّه المواطن صبري علي أحمد غنام، المقيم بقرية الحرية، مركز أبو المطامير بمحافظة البحيرة، استغاثة إلى رئيس الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء والجهات الرقابية، بشأن اكتشاف بيانات حيازة زراعية مسجلة باسمه بمساحات لا تتطابق مع حيازته الفعلية.

وقال «صبري» إنه فوجئ بتسجيل 25 فدانًا باسمه، رغم تأكيده أنه لا يملك على أرض الواقع سوى 14 قيراطًا، موضحًا أن المفاجأة الأخرى تمثلت في إيقاف بطاقة التموين الخاصة بأسرته بسبب بيانات حيازة لا تتطابق، بحسب المستندات والإفادات التي قدمها، مع حقيقة حيازته.

وأضاف أنه لم ينقل ملكية الـ14 قيراطًا رسميًا حتى الآن، قبل أن يفاجأ بتوقف بطاقة التموين، وعند الاستعلام عن السبب، تبيّن وجود حيازة زراعية مسجلة باسمه بمساحة 10 أفدنة، ما دفعه إلى التوجه إلى جمعية الحرية الزراعية للاستفسار، حيث حصل على إفادة تفيد بعدم وجود حيازة زراعية مسجلة باسمه لدى الجمعية.

وأشار «صبري» إلى أنه عند متابعة الأمر مع الجهات المختصة ومنطقة شمال التحرير للتعاونيات، ظهرت بيانات أخرى تفيد بوجود حيازة مسجلة باسمه وبياناته بمساحة 25 فدانًا.

«فن صناعة الفدانات الوهمية».. كيف تحول الـ 14 قيراطًا إلى 25 فدانًا بغمضة عين؟

وتساءل: «25 فدانًا باسم مواطن يقول إن حيازته الفعلية 14 قيراطًا فقط، فمن أين جاءت هذه المساحة؟ ومن قام بتسجيلها؟ وبأي مستند؟ ومتى تم تسجيلها؟ وهل تم صرف أسمدة أو مستلزمات إنتاج مدعمة مرتبطة بهذه المساحة؟ ومن قام باستلامها فعليًا؟».

وأكد أن الواقعة، بحسب قوله، ليست حالة منفردة، مشيرًا إلى ظهور شكاوى أخرى من مواطنين بجمعية الحرية الزراعية، يتحدث أصحابها عن تسجيل مساحات أو بيانات حيازية بأسمائهم لا تتطابق مع حيازاتهم الفعلية، وفقًا لأقوالهم والمستندات التي قدموها.

وطالب بإجراء فحص شامل ومحايد لجميع الحيازات محل الشكاوى، ومطابقة البيانات المسجلة بالواقع الفعلي، ومراجعة أصول المستندات التي أُنشئت الحيازات بناءً عليها، فضلًا عن تدقيق البيانات الورقية والإلكترونية ومطابقتها.

وشدد «صبري» على أن شكواه لا تتضمن اتهامًا نهائيًا لأي شخص أو جهة، وإنما تهدف إلى فتح تحقيق وكشف الحقيقة بالمستندات، مؤكدًا أن من حق المواطن الذي يجد مساحة زراعية كبيرة مسجلة باسمه رغم تأكيده عدم امتلاكها، ثم تتأثر بطاقة التموين الخاصة بأسرته بسبب هذه البيانات، أن يعرف من سجلها، ولماذا، وبأي مستند، ومن استفاد منها، وأين ذهبت مستلزمات الدعم إذا ثبت صرفها.

«فن صناعة الفدانات الوهمية».. كيف تحول الـ 14 قيراطًا إلى 25 فدانًا بغمضة عين؟

وفي واقعة أخرى تكشف عن شبهات مخالفات داخل بعض الجمعيات الزراعية، قرر محافظ المنوفية إحالة شبهة تزوير وتلاعب في سجلات إحدى الجمعيات بمركز تلا إلى النيابة العامة.

وكشفت أعمال الفحص عن إضافة فدان كامل إلى حيازة إحدى المواطنات دون سند قانوني، إلى جانب إخفاء سجلات مرتبطة بصرف الأسمدة المدعمة، ما أثار شبهة صرفها دون وجه حق.

«فن صناعة الفدانات الوهمية».. كيف تحول الـ 14 قيراطًا إلى 25 فدانًا بغمضة عين؟

من جانبه، قال عبد الرحمن حسن، عضو مجلس إدارة الاتحاد التعاوني الزراعي المركزي، إن عددًا كبيرًا من الجمعيات التعاونية الزراعية لا يزال يعاني قصورًا إداريًا واضحًا، رغم الاهتمام الذي يحظى به القطاع الزراعي والخطوات التي تحققت خلال الفترة الأخيرة.

وأوضح «حسن»، أن هذا القصور يظهر في ضعف الكفاءات، وغياب الإدارة الحديثة، ومحدودية التدريب، إلى جانب استمرار بعض مجالس الإدارات في العمل بأساليب تقليدية وفردية، وهو ما انعكس على أداء الجمعيات وقدرتها على مواكبة التطورات التي يشهدها القطاع الزراعي.

«فن صناعة الفدانات الوهمية».. كيف تحول الـ 14 قيراطًا إلى 25 فدانًا بغمضة عين؟

وأشار عضو مجلس إدارة الاتحاد التعاوني الزراعي المركزي إلى أن ضعف المشاركة الديمقراطية للأعضاء يمثل أحد التحديات التي تواجه العمل التعاوني، لافتًا إلى أن استمرار النمط الإداري التقليدي أدى إلى تراجع ثقة عدد من الفلاحين في قدرة التعاونيات على تمثيل مصالحهم بصورة حقيقية.

وأكد أن الجمعيات بحاجة إلى تطوير أساليب إدارتها والانتقال إلى نماذج أكثر حداثة وكفاءة، موضحًا أن الجمعيات العاملة في زمامات محدودة تعاني بدورها ضعف الإمكانات المالية والإدارية، ما يحد من قدرتها على تقديم خدمات فعالة للمزارعين.

«فن صناعة الفدانات الوهمية».. كيف تحول الـ 14 قيراطًا إلى 25 فدانًا بغمضة عين؟

وأضاف أن توسع دور القطاع الخاص في تجارة مستلزمات الإنتاج الزراعي وتسويق المحاصيل أسهم في تراجع الدور التقليدي للتعاونيات الزراعية، مشددًا على أن استعادة هذا الدور تتطلب معالجة أوجه القصور الإداري، وتطوير قدرات الجمعيات، ورفع كفاءتها في تقديم الخدمات التي يحتاج إليها الفلاحون.

زر الذهاب إلى الأعلى