موضة أم إهانة؟.. كيف تحولت الكتابات على الملابس إلى رسائل مسيئة في الشوارع؟
-
من مي كساب إلى الشارع.. مواقف محرجة تكشف ما تخفيه طبعات الملابس
-
أستاذ علم اجتماع: الانبهار بالثقافة الغربية يؤثر في اختيارات الشباب للملابس
-
مؤسس مباردة «اكتب صح»: جمال التصميم لا ينبغي أن يصرف الانتباه عن معاني الكلمات
-
وكيل وزارة بالأزهر الشريف سابقًا: الجهل بمعاني العبارات لا يعفي من مسؤولية التثبت منها
أعادت إطلالة الفنانة مي كساب خلال ظهورها في أحد البرامج التليفزيونية الجدل حول الرسومات والعبارات المطبوعة على الملابس، بعدما ظهرت مرتدية تيشيرت يحمل رسومات اعتبرها بعض المتابعين غير لائقة.
وفي ردها على الانتقادات، أوضحت «كساب» أنها لم تنتبه إلى طبيعة الرسومات، معتقدة أنها لشخصية «سبونج بوب» الكرتونية، مؤكدة أنها لم تكن لترتدي التيشيرت لو أدركت حقيقة ما يحمله من تفاصيل.
وبعيدًا عن الجدل الذي صاحب الواقعة، فإنها تفتح بابًا أوسع للنقاش حول مدى انتباه المستهلكين إلى ما تحمله ملابسهم من رسائل ومعانٍ، خصوصًا عندما تتضمن كلمات أو رموزًا بلغة أجنبية لا يعرفون دلالاتها.
فقد تبدو القطعة أنيقة للوهلة الأولى، بتصميم عصري وألوان جذابة، لكن خلف مظهرها قد تختبئ عبارات بذيئة أو إيحاءات جنسية صريحة، يرتديها صاحبها دون أن يدرك معناها، ليجد نفسه في موقف محرج في الشارع أو الجامعة أو بين الأصدقاء.
وتتجلى هذه المشكلة عندما يكتشف الشخص مصادفةً المعنى الحقيقي لما يرتديه، وهو ما حدث مع منال فهمي، التي روت لـ«ليبرالي» تجربتها الشخصية في هذا الشأن، فمنال، وهي أم لطفلين يدرسان بمدارس لغات، اشترت «بلوزة» لفتها تصميمها وألوانها، وظلت ترتديها بصورة اعتيادية، إلى أن لفت أحد طفليها، البالغ من العمر 14 عامًا، انتباهها إلى العبارة الصغيرة المكتوبة عليها، بعدما قرأها وسألها بدهشة عما إذا كانت تعرف معناها، وحين أوضح لها الترجمة، فوجئت بأنها تحمل إيحاءً غير مقبول، فشعرت بالحرج وقررت التوقف عن ارتدائها، رغم أنها كانت إحدى قطعها المفضلة.
ولا تقتصر هذه المواقف على التجارب الشخصية، بل قد تمتد إلى الأماكن العامة، حيث يلاحظ المارة عبارات لا يعرف مرتدوها بالضرورة معناها، حيث أوضحت رولا فرج، البالغة من العمر 16 عامًا، أنها شاهدت شابًا يرتدي بنطالًا يتماشى تصميمه مع أحدث صيحات الموضة، لكن العبارة الإنجليزية المطبوعة عليه لفتت انتباهها بسبب دلالتها الجنسية الصريحة.
ولا يمكن الجزم بما إذا كان الشاب يعرف معنى العبارة أم لا، لكن الموقف يسلط الضوء على الفارق بين اختيار الملابس وفقًا لمظهرها، والانتباه إلى الرسائل التي قد تحملها.

الانبهار بالغرب قد يصرف الانتباه عن دلالات العبارات
من جانبها، أوضحت الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع، لـ«ليبرالي» أن انتشار هذه الظاهرة يرتبط بولع بعض الشباب والفتيات بتقليد الغرب والانبهار بثقافته، مقابل تراجع الاهتمام بالثقافة العربية، معتبرة أن المسألة تتجاوز اختيار الملابس إلى طريقة تكوين الذوق والصورة الاجتماعية لدى الأجيال الجديدة.
وأضافت «خضر» أن ارتداء الملابس التي تحمل عبارات مكتوبة بلغة أجنبية قد يتحول لدى البعض إلى وسيلة للتعبير عن الانتماء إلى عالم يُنظر إليه باعتباره أكثر تطورًا، أو إلى الإيحاء بالانتماء لطبقة اجتماعية راقية، بصرف النظر عن فهم المعنى الحقيقي للكلمات المطبوعة عليها، وفي ظل هذا التصور، قد تصبح الكتابة الأجنبية عنصرًا من عناصر الوجاهة الاجتماعية، حتى عندما تحمل العبارة دلالات بذيئة أو إيحاءات غير لائقة.
ولفتت أستاذة علم الاجتماع إلى أن ضعف معرفة بعض المستهلكين بمعاني الكلمات الأجنبية قد يجعلهم أقل قدرة على التمييز بين العبارات المقبولة والمسيئة، وهو ما يبرز أهمية الوعي باللغة والرموز المستخدمة في تصميم الملابس، دون افتراض أن كل من يرتدي قطعة تحمل كتابة أجنبية يتبنى بالضرورة مضمونها أو يعرف معناه.
الوعي اللغوي ليس ترفًا ثقافيًا
ومن جانبه، أكد حسام مصطفى إبراهيم، مؤسس مبادرة «اكتب صح» المعنية بتصحيح الأخطاء اللغوية، لـ «ليبرالي» أن الملابس لم تعد مجرد ألوان وتصميمات، بل أصبحت إحدى الوسائل التي تعكس جوانب من شخصية الفرد وثقافته ووعيه، وقد تحمل أحيانًا رسائل ومعاني لا ينتبه إليها مرتديها، ما يستدعي التحقق من دلالات العبارات المكتوبة عليها قبل اختيارها.
وتابع أن الانجذاب إلى جمال التصميم أو شهرة العلامة التجارية لا ينبغي أن يصرف الانتباه عن مضمون الكلمات المطبوعة على الملابس ومدى ملاءمتها للسياق الثقافي والاجتماعي، مشيرًا إلى أن تطور أدوات الترجمة والذكاء الاصطناعي أتاح فرصًا أوسع لفهم معاني اللغات الأجنبية، ولم يعد عدم إتقان لغة معينة مبررًا كافيًا لتجاهل ما تحمله من دلالات.
وأضاف أن الدعوة إلى الوعي بمحتوى الملابس لا تُعني رفض اللغات الأجنبية أو تقييد حرية الأفراد في اختيار ما يرتدونه، وإنما تستهدف تعزيز القدرة على الاختيار الواعي، وإدراك الرسائل التي قد تنقلها الكلمات والعبارات إلى الآخرين، مع التمييز بين الاختيار غير المقصود والاختيار الذي يتعمد صاحبه إثارة الجدل.
كما أشار مصطفى إلى أن القضية تتجاوز عالم الأزياء لتطرح تساؤلات أوسع حول مستوى الوعي اللغوي والثقافي، وتأثير الإعلانات والعلامات التجارية وأنماط الاستهلاك الحديثة في قرارات الأفراد اليومية، في ظل تصاعد الاعتماد على المحتوى السريع ومنصات التواصل الاجتماعي.
وتابع أن ثقافة التصفح السريع قد تدفع البعض إلى استهلاك المنتجات والمحتوى دون التوقف لفحص مضمونهما أو التحقق من دلالاتهما، وهو ما يجعل استعادة التركيز والتأني والتمحيص ضرورة لا تقتصر على اختيار الملابس، بل تمتد إلى مختلف تفاصيل الحياة اليومية، من المنتجات التي نشتريها إلى الرسائل التي نتداولها.
واختتم بالتأكيد على أهمية ترسيخ ثقافة السؤال والتحقق قبل الاستهلاك أو إعادة نشر الرسائل، معتبرًا أن الوعي باللغة والمعنى ليس ترفًا ثقافيًا، بل عنصر أساسي في بناء اختيارات أكثر مسؤولية وإدراكًا لتأثيرها في الفرد والمجتمع.

التثبت من المعاني مسؤولية دينية وأخلاقية
وعلى الصعيد الديني، أوضح الشيخ عبد العزيز النجار، وكيل وزارة بالأزهر الشريف سابقًا، أن التعامل مع الملابس التي تحمل عبارات أو رموزًا مكتوبة بلغة أجنبية يستلزم التثبت من معانيها قبل شرائها أو ارتدائها، مشيرًا إلى أهمية ألا يقتصر الاختيار على المظهر الجذاب أو مواكبة الموضة.
ودعا «النجار» المستهلكين إلى سؤال أهل الاختصاص عند الجهل بمعنى الكلمات أو الرموز المطبوعة على الملابس، استنادًا إلى قوله تعالى: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»، مشددًا على ضرورة التحقق من مضمون العبارة ودلالاتها قبل اتخاذ قرار الشراء أو ارتداء القطعة.
كما لفت إلى أن الجهل بالأحكام الشرعية لا ينبغي أن يكون مبررًا للتهاون في الالتزام بها، فيما تظل المسؤولية القانونية مسألة تخضع للقواعد القانونية المنطبقة وظروف كل حالة، ولا يصح افتراض وقوع عقوبة لمجرد ارتداء قطعة تحمل كتابة أجنبية دون النظر إلى مضمونها والظروف المحيطة بها.
سوق الملابس.. تعدد المصادر وصعوبة تتبع المحتوى
وتأتي هذه الوقائع في ظل اتساع حركة استيراد المنسوجات والملابس إلى مصر، حيث بلغت قيمة واردات هذه المنتجات بمختلف فئاتها نحو 3.77 مليار دولار عام 2023، وفقًا لبيانات قاعدة التجارة الدولية التابعة للبنك الدولي.
ويشمل هذا الرقم فئات متنوعة من المنتجات النسيجية والملابس، ولا يقتصر على الملابس الجاهزة المطروحة للبيع للمستهلكين مباشرة، كما لا يكشف بمفرده عن حجم انتشار الملابس التي تحمل عبارات أو رسومات مسيئة.
وفي المقابل، تزداد صعوبة تتبع مصادر بعض المنتجات المطروحة في الأسواق مع وجود مصانع وورش غير مرخصة تعمل خارج المنظومة الرسمية، وتنتج ملابس جاهزة أو منتجات مقلدة بعيدًا عن إجراءات التسجيل والرقابة المعتادة.
ومع ذلك، لا تتوافر بيانات موثوقة تحدد حجم حصة هذه المنشآت من تجارة الملابس في مصر أو نسبة مساهمتها في طباعة عبارات مسيئة على المنتجات، وهو ما يجعل الربط المباشر بينها وبين هذه الظاهرة بحاجة إلى أدلة إضافية.
شهادات العاملين بقطاع الملابس والطباعة
وكشفت شهادات العاملين في قطاع الملابس والطباعة، الذين التقت بهم «ليبرالي»، عن تعدد مراحل إنتاج هذه القطع، وتوزع الأدوار بين المصنع والمحل ومكتب الطباعة، حيث أوضحت فاطمة عثمان، إحدى مالكات مصانع الملابس بمنطقة حدائق المعادي بالقاهرة، أن التعامل مع المحلات التجارية يقوم على الاتفاق بشأن الموديلات والكميات المطلوبة والعبارات المراد طباعتها عليها، وفقًا لاحتياجات كل محل.
وأضافت أنها لا تتوقف عادةً عند معاني الكلمات الأجنبية المطبوعة على الملابس، اعتمادًا على ثقتها في التصميمات التي يختارها أصحاب المحلات ويتفقون معها على تنفيذها، وتعكس هذه الشهادة إحدى آليات العمل في القطاع، حيث أنه قد يركز المصنع على تنفيذ الطلب المتفق عليه، بينما يختار طرف آخر التصميم والعبارات التي ستظهر على المنتج.
وفي السياق نفسه، أوضح سيد عبد العاطي، صاحب مكتب لطباعة التيشيرتات بمنطقة شبرا، أن عمله يعتمد على طباعة التصميم الذي يختاره العميل؛ إذ يرسل الصورة أو التصميم والعبارات التي يرغب في طباعتها عبر تطبيق «واتساب»، ليتولى المكتب تنفيذ الطلب وفقًا للمواصفات المحددة، مشيرًا إلى أن دوره يقتصر على تنفيذ التصميم الذي يرسله العميل، دون التدخل في اختيار محتواه.
وتطرح هذه الشهادات تساؤلات حول مدى مراجعة معاني العبارات والرسومات خلال مراحل التصميم والإنتاج والطباعة والبيع، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد المسؤولية عن كل منتج أو إثبات أن جميع العاملين في القطاع يتبعون الآلية نفسها، كما تبرز الحاجة إلى فهم دور كل طرف في مراجعة المحتوى الذي يصل إلى المستهلك، خاصة عندما تكون دلالته مسيئة أو غير واضحة.


