عربي ودولي

المجلس الوطني الإريتري يحذر من حرب جديدة مع إثيوبيا.. البحر الأحمر والسيادة في قلب التصعيد

تضع التطورات المتسارعة في القرن الأفريقي إريتريا أمام معادلة أمنية وسياسية معقدة، تتداخل فيها التحركات العسكرية في شمال إثيوبيا، والتوتر بين أسمرة وأديس أبابا، وتداعيات الحرب السودانية، والتنافس الإقليمي والدولي على البحر الأحمر.

وفي هذا السياق، أصدر المجلس الوطني الإريتري للتغيير الديمقراطي بيانًا في 16 أكتوبر 2026، عرض فيه رؤيته للمخاطر المحيطة بإريتريا، محذرًا من احتمال اندلاع حرب جديدة، ومؤكدًا ضرورة حماية السيادة الوطنية ورفض التدخلات العسكرية المتبادلة.

ولا يقتصر البيان على التحذير من الحرب، بل يطرح تصورًا سياسيًا يميز بين الدفاع عن الدولة الإريترية والدفاع عن النظام الحاكم في أسمرة، ويربط مستقبل البلاد بالتغيير الديمقراطي والإرادة الحرة للشعب الإريتري.

وتعكس هذه المقاربة محاولة لطرح بديل سياسي يجمع بين رفض أي اعتداء خارجي على إريتريا وانتقاد سياسات حكومتها الإقليمية.

أولًا: تجدد الصراع في تيجراي يعيد فتح جبهة التوتر بين أسمرة وأديس أبابا

تتجاوز أهمية التطورات العسكرية في شمال إثيوبيا حدود الصراع الداخلي، إذ ترتبط بصورة مباشرة بالعلاقات الإثيوبية الإريترية واحتمالات اتساع المواجهة إلى نطاق إقليمي أوسع، وقد أعادت عودة القتال بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي في أواخر سبتمبر 2026، بعد اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب السابقة عام 2022، المخاوف من انهيار الترتيبات الأمنية الهشة خلال السنوات الماضية.

ووفقًا للبيان الإريتري، حققت القوات الفيدرالية الإثيوبية وحلفاؤها تقدمًا في تيجراي، بينما انسحبت قوات الجبهة من مدن رئيسية، بالتزامن مع ورود تقارير عن هجمات مضادة واستعادة بعض المواقع.

ويعكس تباين هذه الروايات صعوبة اختزال المشهد الميداني في إعلان أحد الأطراف تحقيق تقدم، خصوصًا مع استمرار تضارب المعلومات بشأن السيطرة على المواقع وحجم الخسائر.

لكن العامل الأكثر حساسية يتمثل في اقتراب العمليات العسكرية من الحدود الإريترية، ولا سيما محيط زالامبيسا، فقد تناولت تقارير صحفية دولية مزاعم بوجود قوات إريترية داخل الأراضي الإثيوبية، فيما رفضت أسمرة هذه الاتهامات، لتصبح التحركات العسكرية الحدودية محورًا رئيسيًا للتوتر بين البلدين.

وتكمن خطورة هذا التطور في احتمال انتقال الصراع من مواجهة داخلية إثيوبية إلى مواجهة مباشرة بين دولتين سبق أن خاضتا حربًا طويلة، ثم تعاونتا عسكريًا خلال حرب تيجراي بين عامي 2020 و2022.

ولم تستقر العلاقات بين الطرفين على أساس مؤسسي قادر على احتواء الخلافات، كما يجعل انعدام الثقة المتبادل أي تحرك عسكري قرب الحدود قابلًا للتفسير باعتباره تهديدًا مباشرًا.

ومن هنا، لا يتعلق تحذير المجلس الوطني الإريتري للتغيير الديمقراطي باحتمال اندلاع حرب جديدة فحسب، بل يمتد إلى تداعياتها المحتملة على المدنيين واللاجئين واستقرار القرن الأفريقي بأكمله.

ثانيًا: أزمة الثقة المتبادلة ومأزق التدخل العسكري

يتبنى المجلس في بيانه موقفًا يقوم على رفض التدخل العسكري الإريتري في الصراعات الداخلية الإثيوبية، بالتوازي مع رفض أي عمل عسكري إثيوبي يستهدف إريتريا أو يمس سيادتها وسلامة أراضيها.

ويستند هذا الموقف إلى مبدأ السيادة المتبادلة، الذي يفترض أن معارضة سياسات حكومة دولة مجاورة لا تمنح أي طرف الحق في التدخل العسكري داخل أراضيها.

في المقابل، تثير الاتهامات الإثيوبية بوجود قوات إريترية في تيجراي وعفار تساؤلات بشأن تأثير التحركات العسكرية عبر الحدود في موازين الصراع الداخلي الإثيوبي.

ويقول المجلس إن لديه معلومات من مصادره الخاصة عن مشاركة وحدات إريترية في العمليات الأخيرة، إلا أن هذا الادعاء يحتاج إلى تحقق مستقل، لا سيما أن الحكومة الإريترية تنفي الاتهامات المتعلقة بتدخل قواتها في إثيوبيا.

وتكمن أهمية هذا التناقض في أن استمرار الاتهامات المتبادلة قد يحول الشكوك الأمنية إلى مبررات للتصعيد، فإثيوبيا تنظر إلى أي وجود عسكري أجنبي داخل أراضيها باعتباره تهديدًا لأمنها، بينما ترى إريتريا أن التحركات الإثيوبية قرب حدودها، إلى جانب الخطاب المتعلق بالحصول على منفذ بحري، تثير مخاوف بشأن أمنها القومي.

وبذلك، لا تبدو الأزمة مجرد خلاف حدودي أو نزاع بشأن دعم أطراف داخلية، بل تعكس أزمة ثقة متراكمة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والمصالح الاستراتيجية والتصورات المتعارضة للأمن القومي.

ويحذر التاريخ القريب من خطورة هذا المسار؛ فالتعاون العسكري السابق بين أسمرة وأديس أبابا خلال حرب تيجراي لم يمنع عودة التوتر بينهما، وهو ما يوضح أن التنسيق العسكري المؤقت لا يكفي لبناء سلام مستدام ما لم تصاحبه تفاهمات سياسية واضحة وآليات فعالة لحل النزاعات.

ثالثًا: البحر الأحمر وميناء عصب في قلب الحسابات الاستراتيجية

يمثل الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين البلدين، فمنذ استقلال إريتريا عام 1993، أصبحت إثيوبيا دولة غير ساحلية، ما دفعها إلى الاعتماد على موانئ الدول المجاورة في حركة تجارتها الخارجية.

وتؤكد أديس أبابا أهمية تأمين وصول موثوق ومستدام إلى البحر، بينما تنظر أسمرة إلى أي محاولة لربط هذا الوصول بمطالب سيادية في أراضيها أو موانئها باعتبارها تهديدًا لاستقلالها.

ويؤكد المجلس في بيانه أن حاجة إثيوبيا إلى الوصول البحري لا تمنحها حق المطالبة بالسيادة على الأراضي أو الموانئ الإريترية، مشيرًا إلى إمكانية إقامة تعاون اقتصادي وتجاري عبر اتفاقيات متبادلة تحترم سيادة الطرفين، بما في ذلك استخدام مينائي مصوع وعصب.

وتكتسب الإشارة إلى ميناء عصب أهمية خاصة، نظرًا إلى موقعه الاستراتيجي في حسابات التجارة والأمن البحري في البحر الأحمر. لكن هذه الأهمية لا تعني أن استخدام الميناء أو تنظيم الوصول إليه ينبغي أن يتحول إلى قضية تتعلق بالسيادة الإقليمية.

وتوفر اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 إطارًا قانونيًا لحقوق الدول غير الساحلية في الوصول إلى البحر والعبور، مع مراعاة الاتفاقات والترتيبات بين الدول المعنية والقواعد ذات الصلة، ولا تعني هذه الحقوق منح الدولة غير الساحلية سيادة على أراضي دولة ساحلية أو موانئها.

وعليه، يشكل الفصل بين حق الوصول التجاري إلى البحر والحق السيادي في الأرض والميناء نقطة محورية في أي تسوية مستدامة بين إثيوبيا وإريتريا.

وقد يؤدي توظيف ملف البحر الأحمر في الخطاب السياسي الداخلي إلى زيادة صعوبة التوصل إلى تسوية، خصوصًا إذا تحولت المطالب الاقتصادية إلى قضية مرتبطة بالهيبة الوطنية أو التعبئة الشعبية.

لذلك، تمثل الاتفاقات الثنائية والضمانات القانونية والتعاون الاقتصادي الإقليمي مسارات يمكن أن تخفف التوتر بدلًا من توسيعه.

المجلس الوطني الإريتري يحذر من حرب جديدة مع إثيوبيا .. البحر الأحمر والسيادة في قلب التصعيد

المجلس الوطني الإريتري يحذر من حرب جديدة مع إثيوبيا .. البحر الأحمر والسيادة في قلب التصعيد

المجلس الوطني الإريتري يحذر من حرب جديدة مع إثيوبيا .. البحر الأحمر والسيادة في قلب التصعيد

رابعًا: الموقف الأمريكي وحدود التأثير الدبلوماسي

يمثل التحرك الأمريكي عنصرًا مهمًا في جهود احتواء التصعيد. فقد أجرى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اتصالًا هاتفيًا برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في 14 أكتوبر 2026، شدد خلاله، وفقًا لبيان وزارة الخارجية الأمريكية، على خفض التصعيد، واحترام سيادة دول المنطقة وسلامة أراضيها، وتجنب التوغلات عبر الحدود، والعودة إلى الحوار في إطار اتفاق السلام الإثيوبي الإريتري لعام 2018.

وتنبع أهمية الموقف الأمريكي من وضع الأزمة في إطار إقليمي يتجاوز العلاقات الثنائية، وربط منع الحرب باحترام الحدود والسيادة والعودة إلى المسار الدبلوماسي.

لكن هذا الموقف لا يعني بالضرورة امتلاك واشنطن أدوات كافية لفرض تسوية على الطرفين، كما لا يثبت موافقة الحكومة الإثيوبية على جميع المطالب الأمريكية أو التوصل إلى تفاهم عملي لخفض التصعيد.

ولا تزال هناك فجوة بين الدعوة الدبلوماسية إلى التهدئة والإجراءات الميدانية اللازمة لتنفيذها. إذ يتطلب خفض التصعيد خطوات قابلة للتحقق، من بينها تجنب التحركات العسكرية الاستفزازية، وتوضيح المواقف عبر قنوات الاتصال، والاتفاق على آلية للتعامل مع الحوادث الحدودية، إلى جانب استئناف الحوار السياسي.

كما سيظل نجاح أي تحرك أمريكي مرتبطًا بمدى استعداد الطرفين لقبول تسوية لا تُفسر داخليًا باعتبارها تنازلًا عن السيادة أو المصالح الوطنية.

ومن ثم، يمثل الدور الأمريكي عامل ضغط دبلوماسيًا مهمًا، لكنه لا يغني عن التفاهم المباشر بين أسمرة وأديس أبابا أو معالجة جذور الخلافات الأمنية والسياسية.

خامسًا: المدنيون واللاجئون الإريتريون في دائرة المخاطر

يفرد البيان مساحة لحماية المدنيين واللاجئين الإريتريين المقيمين في إثيوبيا، داعيًا الأطراف المعنية والمنظمات الدولية إلى ضمان سلامتهم، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ومنع النزوح القسري والاستغلال وإشراك اللاجئين في النزاعات المسلحة.

وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة مع تجدد القتال في تيجراي، إذ قد يؤدي التصعيد إلى تدهور الخدمات الأساسية، وتعطيل وصول المساعدات، وزيادة حركة النزوح.

ولا تقتصر المخاطر الإنسانية على مناطق الاشتباكات المباشرة، بل قد تمتد إلى المناطق الحدودية وممرات الحركة والتجمعات التي تستضيف النازحين واللاجئين.

وفي هذا السياق، يؤكد المجلس أن المهمة الأساسية للجيش الإريتري هي حماية استقلال البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها وأمن مواطنيها، لا المشاركة في الحروب الداخلية للدول المجاورة.

ويحاول هذا الطرح الفصل بين الدفاع المشروع عن الدولة واستخدام القوة العسكرية في إطار الحسابات السياسية الإقليمية، وهو تمييز مهم في النقاش بشأن الأمن القومي، إذ إن حماية السيادة لا تتعارض مع الالتزام بعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.

غير أن حماية المدنيين تتطلب أيضًا تعاونًا عمليًا بين السلطات المعنية والمنظمات الإنسانية، وضمان عدم استخدام اللاجئين أداةً في الصراعات السياسية والعسكرية.

المجلس الوطني الإريتري يحذر من حرب جديدة مع إثيوبيا .. البحر الأحمر والسيادة في قلب التصعيد

المجلس الوطني الإريتري يحذر من حرب جديدة مع إثيوبيا .. البحر الأحمر والسيادة في قلب التصعيد

المجلس الوطني الإريتري يحذر من حرب جديدة مع إثيوبيا .. البحر الأحمر والسيادة في قلب التصعيد

سادسًا: المعارضة الإريترية ومحاولة الفصل بين الدولة والنظام

يتجاوز بيان المجلس الوطني الإريتري للتغيير الديمقراطي التحذير من التصعيد العسكري إلى طرح رؤية سياسية لمستقبل إريتريا، إذ يؤكد أن الدفاع عن استقلال البلاد لا يعني الدفاع عن النظام الحاكم، كما أن معارضة النظام لا تعني قبول التدخل الأجنبي أو المساس بالسيادة الوطنية.

وتعكس هذه الصياغة محاولة للفصل بين ثلاثة مستويات غالبًا ما تختلط في الخطاب الإقليمي، الدولة بوصفها كيانًا سياديًا، والحكومة بوصفها سلطة سياسية، والشعب بوصفه صاحب الحق في تحديد مستقبل البلاد.

ويؤكد المجلس أن تغيير النظام السياسي مسؤولية الشعب الإريتري وقواه الوطنية، وأن مستقبل البلاد يجب أن يتحدد بإرادة الإريتريين الحرة، بعيدًا عن الهيمنة الخارجية.

كما يدعو إلى تعزيز التنسيق السياسي والدبلوماسي مع إثيوبيا والسودان وجيبوتي، والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والشركاء الدوليين، بهدف منع التصعيد وتشجيع الحلول السلمية.

ويطالب المجلس الدول المجاورة بالانخراط مع القوى الوطنية والديمقراطية الإريترية، بما فيها الجبهة الوطنية الإريترية، وإقامة حوار جاد معها.

وتقوم هذه الرؤية على أن استقرار إريتريا لا ينبغي أن يُختزل في بقاء النظام السياسي القائم، بل يرتبط أيضًا ببناء مؤسسات دستورية وديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان والتنوع، وإقامة علاقات قائمة على التعاون مع دول الجوار.

لكن تحقيق هذه الأهداف يواجه تحديات سياسية وعملية، من بينها تباين مواقف القوى المعارضة، والحاجة إلى بناء توافق داخلي، وضمان ألا تتحول الدعوات إلى التغيير الديمقراطي إلى مبرر للتدخل الخارجي.

لذلك، يتمثل الاختبار الأساسي أمام القوى الوطنية والديمقراطية الإريترية في قدرتها على الجمع بين المطالبة بالتغيير السياسي والحفاظ على استقلال البلاد، وتقديم مسار سياسي واضح يحظى بقبول داخلي واسع.

سابعًا: مسؤولية دول الجوار في منع الحرب

يؤكد المجلس أن شعوب المنطقة عانت طويلًا من الحروب والتوترات والتدخلات المتبادلة، وأن هذه التجربة تفرض مسؤولية مشتركة لإعادة بناء العلاقات على أساس احترام السيادة وعدم التدخل والتعاون.

وتكتسب هذه الدعوة أهمية بالنظر إلى الترابط بين أزمات القرن الأفريقي؛ فالتوتر بين إثيوبيا وإريتريا لا ينفصل عن الحرب السودانية، أو المنافسة على الموانئ والممرات البحرية، أو حسابات القوى الإقليمية والدولية في البحر الأحمر.

ومن شأن أي مواجهة جديدة بين أسمرة وأديس أبابا أن تزيد الضغوط على دول الجوار، وتربك التجارة وحركة السكان، وتوسع نطاق المخاطر الأمنية والإنسانية.

وفي المقابل، يتيح احتواء الأزمة فرصة لإعادة تفعيل الأطر الدبلوماسية الإقليمية، وتعزيز دور الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في تشجيع الحوار، وتطوير ترتيبات عملية لتخفيف التوتر على الحدود.

ولا يكفي في هذا السياق تبادل الدعوات العامة إلى السلام، بل ينبغي ترجمتها إلى التزامات واضحة وآليات للمتابعة، بما يضمن عدم استخدام الأراضي أو الجماعات المسلحة في تهديد الدول المجاورة.

وفي ظل تداخل المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية، يبقى منع الحرب مرهونًا بقدرة الأطراف المعنية على احتواء الخلافات عبر الحوار، واحترام السيادة، والتوصل إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، بما يحول دون انزلاق القرن الأفريقي إلى مواجهة إقليمية جديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى