عربي ودولي

العاشرة في قائمة الدول.. كولومبيا تفتتح سفارتها في القدس وسط انتقادات

في انحراف خطير عن مسار القانون الدولي والعدالة التاريخية، أقدمت كولومبيا على افتتاح سفارتها رسميًا في مدينة القدس المحتلة، في خطوة تمثل سقطة دبلوماسية كبرى وتحديًا سافرًا لكل القرارات الأممية التي تحظر المساس بالوضع القانوني والتاريخي للمدينة، هذا القرار المشؤوم لا يعكس فقط خروجًا عن الإجماع الدولي، بل يترجم انحيازًا فاضحًا لسياسة الاحتلال، متجاهلًا الحق الفلسطيني الثابت والمدعوم بموجب المواثيق والأعراف الدولية.

شرعنة للاحتلال وتجاوز لقرارات الأمم المتحدة

تأتي هذه الخطوة لتمنح الاحتلال غطاءً سياسيًا مجانيًا للتمادي في انتهاكاته، وتضرب عرض الحائط بقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة التي تؤكد أن القدس الشرقية أرض محتلة لا يجوز الاعتراف بسيادة الاحتلال عليها أو نقل البعثات الدبلوماسية إليها.

وافتتاح السفارة في قلب المدينة المحتلة هو محاولة باطلة لفرض واقع قسري على الأرض، وتكريس لمنطق القوة الغاشمة على حساب قواعد القانون الدولي ومبادئ العدالة التي تنصف الشعب الفلسطيني في حقه الأصيل بتقرير مصيره.

قائمة الدول السابقة.. نادي المعزولين خارج سرب الشرعية الدولية

بانضمامها لهذه الخطوة، تحولت كولومبيا لتصبح الدولة العاشرة عالميًا التي تقدم على نقل أو افتتاح سفارتها في القدس، ملتحقةً بقائمة محدودة للغاية من الدول التي خالفت الإجماع الدبلوماسي الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

وتضم هذه القائمة التاريخية كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية، التي نقلت سفارتها إلى المدينة في مايو 2018، بعد اعتراف إدارة دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل في ديسمبر 2017، وجواتيمالا التي نقلت سفارتها في مايو 2018، وهندوراس التي افتتحت سفارتها عام 2021، وباراجواي التي نقلت سفارتها عام 2018، ثم أعادتها إلى تل أبيب في العام نفسه، قبل إعادة افتتاحها في القدس في ديسمبر 2024، وكوسوفو التي افتتحت سفارتها عام 2021، وبابوا غينيا الجديدة التي افتتحت سفارتها عام 2023، وفيجي وناورو اللتين افتتحتا سفارتيهما عام 2025، إلى جانب صوماليلاند التي افتتحت بعثة وصفتها بأنها سفارة في القدس عام 2026، رغم أن وضعها يختلف عن بقية الجهات المذكورة، إذ لا تحظى باعتراف دولي واسع باستقلالها، بينما تعترف بها إسرائيل دولة مستقلة.

بهذا القرار، تضع كولومبيا نفسها في مواجهة مباشرة مع إرادة الأغلبية الساحقة من دول العالم التي ترفض توريط بعثاتها الدبلوماسية في انتهاك صارخ للشرعية الدولية، كما أن الالتحاق بهذه القائمة الضيقة يعزل بوجوتا عن محيطها الدولي والأمريكي اللاتيني الداعم للحقوق العربية، ويجعلها في صف المتواطئين سياسيًا مع ممارسات تزيد من تعقيد الصراع وتقوض أي فرصة لتحقيق سلام عادل وشامل يستند إلى قرارات الشرعية الدولية.

اللواء عمرو الزيات: اختراق اللوبيات الإسرائيلية لعمق أمريكا اللاتينية يفسر الانحرافات الدبلوماسية الأخيرة

في سياق قراءة الأبعاد الأمنية والجيوسياسية للتحولات الدبلوماسية في أمريكا اللاتينية، أكد الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء عمرو الزيات، في تصريحات خاصة لـ«ليبرالي»، أن اتخاذ بعض دول المنطقة قرارات مثيرة للجدل، مثل نقل السفارات أو افتتاح بعثات دبلوماسية في القدس، لا يأتي بمعزل عن سياق أوسع من الضغوط والترتيبات الاستخباراتية والسياسية.

وأوضح الزيات أن إسرائيل لطالما اعتبرت دول أمريكا اللاتينية ساحة حيوية لتعزيز نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي، من خلال شبكات ضغط ولوبيات صهيونية منظمة تستهدف التأثير في القرار السياسي ببعض عواصم القارة، لا سيما خلال فترات التغيير في الحكومات والأنظمة الحاكمة، واعتبر أن ذلك يفسر بعض التحولات الدبلوماسية المفاجئة التي تتعارض مع تاريخ الشعوب اللاتينية الداعمة للحقوق العادلة.

وبيّن الخبير الاستراتيجي أن إسرائيل تسعى، من خلال هذه التحركات، إلى تحقيق مكاسب معنوية محدودة وتخفيف عزلتها الدولية، مستغلةً الارتباطات الاقتصادية أو الأمنية لبعض النخب الحاكمة في تلك الدول.

وشدد الزيات على أن هذه التحركات الدبلوماسية لا تغير الحقائق على الأرض، بل تعكس، بحسب تقديره، سعي إسرائيل إلى اكتساب شرعية لموقفها من مدينة محتلة.

وأكد أن شعوب أمريكا اللاتينية تظل، في مجملها، بعيدة عن دائرة هذا التواطؤ الرسمي، وأن القضية الفلسطينية ستبقى حاضرة بقوة في ضمير الأحرار، بعيدًا عن المناورات السياسية المؤقتة.

اللواء سمير فرج: محاولات يائسة لتهويد القدس ومخطط لإسقاط القيم القانونية للقضية الفلسطينية

وتعليقًا على الأبعاد العسكرية والجيوسياسية للقرار، أكد الخبير الاستراتيجي اللواء سمير فرج، في تصريحات خاصة لـ«ليبرالي»، أن مثل هذه الخطوات الدبلوماسية تصب في إطار المحاولات الإسرائيلية لفرض أمر واقع وتهويد مدينة القدس، مشيرًا إلى أن تل أبيب تبذل جهودًا مكثفة لكسر العزلة الدولية وتغيير الهوية التاريخية للمدينة المقدسة.

وأوضح اللواء سمير فرج، أن اتخاذ دول مثل كولومبيا قرارات من هذا النوع يخدم، بحسب تقديره، الأجندة الإسرائيلية الرامية إلى الإيحاء بأن القضية الفلسطينية بدأت تفقد زخمها ومكانتها الاستراتيجية على الساحة الدولية، مؤكدًا أن هذه الرهانات فاشلة ولا تعكس الواقع.

وشدد الخبير الاستراتيجي على أن القضية الفلسطينية ستظل راسخة في الضمير الإنساني والعربي، رغم المخاطر والجهود الدبلوماسية التي تبذلها إسرائيل لتمرير هذه المخططات.

وأضاف أن محاولات تجاوز الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني عبر صفقات أو مواقف سياسية مؤقتة لن تنجح في طمس الحقيقة أو إسقاط حقوق أصحابها، مؤكدًا أن القدس ستظل جوهر القضية الفلسطينية، مهما تعاظمت التحديات والمؤامرات.

إدانات قاطعة.. الحق الفلسطيني لا يسقط بالتقادم

وعلى الصعيدين الرسمي والشعبي، قوبل القرار الكولومبي، بحسب النص، بموجة من الاستنكار، إذ شددت جهات فلسطينية وعربية، من بينها مصر، على أن هذه الخطوة لن تغير الوضع القانوني والتاريخي للقدس، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وأكدت هذه المواقف أن محاولات الالتفاف على الحقوق الفلسطينية عبر تحركات دبلوماسية لن تضفي شرعية على تغيير وضع المدينة، وأن القدس ستظل عنوانًا للحق الفلسطيني الذي لا يسقط بالتقادم، في مواجهة محاولات التزييف والتآمر.

زر الذهاب إلى الأعلى