«رمضان في أكتوبر».. خرافة «التقويم المحمدي» بين ثوابت الشريعة والمرجعيات الدينية
بين الحين والآخر، تطل علينا طروحات غريبة وأفكار شاذة تسعى لإثارة البلبلة والتشكيك في ثوابت العبادات ومواقيتها المعتمدة، وهو ما حدث مؤخرًا عندما أثارت صفحة تتبع جماعة عراقية تحمل اسم «طلبة السيد فرقد الحسيني القزويني» جدلًا واسعًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما زعمت أن شهر رمضان قد بدأ يوم الجمعة الموافق السادس عشر من أكتوبر لعام ألفين وستة وعشرين، وفق ما أطلقوا عليه «التقويم المحمدي».
و يبرز هنا التساؤل عبر منصة «ليبرالي» لبيان حقيقة هذا التقويم المزعوم، فما هو «التقويم المحمدي»؟ ومتى ظهر؟ وما هي حقيقة علاقته بالدين والشريعة الإسلامية؟
الدكتور أحمد كريمة لـ«ليبرالي»: «التقويم المحمدي» بدعة منكرة ومحاولة فاشلة لهدم المرجعيات الدينية
الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر في حديثه لـ«ليبرالي» يؤكد بوضوح قاطع أن ما يُسمى بـ«التقويم المحمدي» هو بدعة منكرة لا أصل لها في الدين الحنيف، محذرًا من أن هذا الطرح يمثل محاولة فاشلة ومضللة لهدم المرجعيات الدينية وتجاوز نصوص القرآن والسنة، ومشددًا على أن يؤدي تعدد المرجعيات المزعومة إلى زيادة الفرقة والتناحر بين المسلمين وشق صف الأمة.
وأوضح كريمة مستندًا إلى قوله تعالى في سورة التوبة «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا»، مشيرًا إلى أن عدد الشهور ثابت لا يقبل التغيير ولا العبث، وأن الزمن لا يتغير بتبدل الأهواء، وشدد على أن ترويج مثل هذه الأفكار يتجاهل الآيات البينات التي جعلت من الأهلة وحدها علامة وميقاتًا شرعيًا للعبادات، مستشهدًا بقول الله عز وجل في سورة البقرة «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ».
ويتابع متصديًا لهذه الادعاءات بقوله أن الشريعة الإسلامية ربطت العبادات الكبرى كالصيام والحج برؤية الهلال والدورة القمرية حصرًا، لا بحسابات شمسية أو نجمية مستحدثة لا سند لها في الشرع الحنيف، وأن هذا الطمس المتعمد للحقائق تقف خلفه أهواء تهدف لإحداث الفتن.
كما أشار إلى أن التقويم الهجري القمري، الذي أرسى قواعده الصحابة الكرام وفي مقدمتهم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب واتخذوا من الهجرة النبوية أساسًا له، يظل هو المرجعية الشرعية الوحيدة المعتبرة لتحديد المواسم والمناسبات الدينية.
الشيخ عبد العزيز النجار: تناقضات الطوائف ووحدة المرجعية الزمنية
من جانبه، طرح الشيخ عبد العزيز النجار، وكيل وزارة بالأزهر الشريف سابقًا، تساؤلات بشأن الطروحات التي تدعو إلى اعتماد تقاويم مختلفة للمناسبات الدينية، مشيرًا إلى أن بعض الطوائف الشيعية تحتفل بعاشوراء وفق التقويم الهجري المتعارف عليه.
كما أشار النجار إلى وجود طوائف أخرى تنتشر في بعض المناطق وتزعم أنها تتبع أهل السنة لكنها تعتمد تقويمًا مرتبطًا بميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، معتبرًا أن ذلك يمثل مخالفة صريحة للتقويم الصحيح والمعتمد تاريخيًا وشرعيًا.
وشدد على أن مثل هذه الممارسات تضع مسألة توحيد المرجعية الزمنية للمناسبات الدينية في صلب النقاش، خصوصًا أن المناسبات الكبرى مثل عاشوراء ترتبط بتاريخ العاشر من المحرم في التقويم الهجري، بينما يرتبط تحديد بداية رمضان بثبوت دخول الشهر وفق الضوابط الشرعية المعتمدة، مؤكدًا ضرورة الحذر التام من محاولات التشتت وإحداث الاضطراب في المرجعيات الدينية للأمة.
من هو فرقد القزويني؟
فرقد الحسيني القزويني رجل دين وخطيب حسيني عراقي، وُلد في 3 نوفمبر 1963 بقضاء الهندية في محافظة كربلاء، وحصل على بكالوريوس الآداب من جامعة بغداد عام 1986، كما درس العلوم الشرعية والفقهية في حوزة النجف.
وينتمي القزويني إلى عائلة القزويني المعروفة بمكانتها الدينية والعلمية في العراق، وله محاضرات ومؤلفات في التاريخ الإسلامي والشؤون الدينية، من أبرزها كتابا «فيض السماء في معرفة ملحمة كربلاء» و«فيض العليم في معرفة التقويم».
ووفقًا للمعلومات الواردة بشأن الكتاب، طرح القزويني رؤيته المتعلقة بـ«التقويم المحمدي» في كتاب «فيض العليم في معرفة التقويم»، الصادر عام 2023، متبنيًا رؤية نقدية للتقويم الهجري القمري، ومقدمًا تصورًا بديلًا يقوم على نظام شمسي نجمي يعتمد على حركة الشمس ومنازلها في تحديد الشهور ومواقعها داخل الفصول.






