«خروج آمن» في الصدارة.. هل ترسم جوائز الجونة ملامح جديدة لمستقبل السينما المصرية؟

لم تكن المفاجأة الأهم في ختام الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي مجرد إعلان أسماء الفائزين، بل ما حملته النتائج من إشارات حول موقع السينما المصرية في المشهد العربي والفرص المتاحة أمام الأفلام التي تبحث عن طريقها إلى الشاشة.
ففي الوقت الذي حصد فيه فيلم «خروج آمن» للمخرج محمد حماد جائزة نجمة الجونة الذهبية لأفضل فيلم روائي طويل، كشفت نتائج منصة «سيني جونة» عن مشروعات مصرية أخرى تحاول تجاوز واحدة من أصعب مراحل الصناعة الانتقال من الفكرة إلى فيلم مكتمل قادر على الوصول إلى الجمهور.
وبين جائزة تحتفي بعمل أُنجز بالفعل، وتمويل يساعد مشروعات أخرى على استكمال رحلتها، يظهر السؤال الأهم: هل تتحول النجاحات التي تشهدها المهرجانات إلى حركة إنتاج مستمرة تمنح السينما المصرية فرصًا أكبر للتجدد والمنافسة؟.
«خروج آمن».. جائزة تضع السينما المصرية في الواجهة
حمل فوز «خروج آمن» الجائزة الذهبية لأفضل فيلم روائي طويل دلالة فنية مهمة في حصاد الدورة التاسعة خصوصًا أن الفيلم، الذي أخرجه محمد حماد، جاء إنتاجًا مشتركًا بين مصر وليبيا وتونس وقطر وألمانيا في نموذج يعكس دور الشراكات العربية والدولية في تنفيذ المشروعات السينمائية.
وحصل الفيلم على جائزة تبلغ قيمتها 50 ألف دولار، بعدما أشادت لجنة التحكيم بصدق حكايته وقدرته على تناول انتقال الحزن والصدمات بين الأجيال بأسلوب سينمائي متزن.
ولا تتوقف أهمية هذا الفوز عند قيمة الجائزة أو مكانة المهرجان، بل تمتد إلى النقاش حول طبيعة الأفلام التي تستطيع الوصول إلى منصات التقدير السينمائي، والفرص التي تتيحها هذه المنصات أمام الأعمال المصرية للتواصل مع جمهور أوسع.
لكن الجائزة، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها للحكم على مستقبل الصناعة فالمنافسة تحتاج إلى إنتاج مستمر، وتنوع في الموضوعات، ومسارات توزيع تضمن ألا يتوقف حضور الفيلم عند حدود المهرجان.
«سيني جونة».. ماذا تقول الأرقام عن فرص السينما المصرية؟
على الجانب الآخر، جاءت نتائج منصة «سيني جونة لدعم إنتاج الأفلام» لتكشف عن جانب أكثر ارتباطًا بمستقبل الصناعة. فقد أعلنت المنصة تقديم 40 جائزة مالية وخدمية تجاوزت قيمتها الإجمالية 350 ألف دولار، استفاد منها 16 مشروعًا من أصل 19 مشروعًا شاركت في المنافسة.
ومن بين المشروعات المصرية التي حصلت على دعم، مشروع «عندما أغمض عيني أرى عينيك» للمخرج سامح علاء، ومشروع «بعيدًا عن القطيع» للمخرج عادل أحمد يحيى، إلى جانب مشروع «عرب المعادي» للمخرجة آيتن أمين، وتنوع الدعم المقدم بين منح مالية وخدمات فنية وتسويقية تساعد المشروعات في مراحل مختلفة من رحلتها.
وتكشف هذه الأسماء عن أهمية وجود منصات لا تكتفي بعرض الأفلام بعد اكتمالها وإنما تتيح مساحة لمشروعات لا تزال تعمل على تطوير أفكارها أو استكمال مراحل إنتاجها.
كما عقد أصحاب المشروعات المشاركة أكثر من 140 اجتماعًا مع شركات ومؤسسات ومهرجانات دولية، وفقًا لما أعلنه البرنامج، وهو ما يبرز أهمية التشبيك المهني في فتح أبواب جديدة أمام صناع الأفلام.
وهنا تظهر النقطة التي تستحق التوقف أمامها التمويل ليس مجرد رقم يُعلن خلال حفل الختام، بل فرصة قد تساعد فيلمًا على استكمال إنتاجه، أو تحسين جودته الفنية، أو الاستعداد للتوزيع، ومع ذلك، تظل النتيجة النهائية مرتبطة بقدرة كل مشروع على استثمار الدعم وتحويله إلى عمل يصل إلى المشاهدين.
هل أصبحت الشراكات الدولية ضرورة لصناعة الفيلم؟
تقدم تجربة «خروج آمن» إلى جانب المشروعات التي استفادت من دعم «سيني جونة» مدخلًا مهمًا لمناقشة الإنتاج المشترك بوصفه أحد المسارات المتاحة أمام صناع السينما.
فالشراكات الدولية قد تفتح المجال أمام مصادر تمويل متعددة، وتتيح الاستفادة من خبرات إنتاجية وفنية مختلفة، كما يمكن أن تساعد على بناء علاقات مع جهات توزيع ومهرجانات خارج المنطقة العربية.
لكن هذا المسار لا يخلو من التحديات؛ إذ يحتاج إلى توافق في الرؤية الفنية، وترتيبات إنتاجية واضحة، وقدرة على إدارة المشروع بما يحافظ على خصوصيته، كما أن المشاركة في إنتاج دولي لا تعني تلقائيًا ضمان التوزيع أو النجاح التجاري.
وبالنسبة إلى السينما المصرية، فإن أهمية هذه الشراكات تكمن في إمكان توسيع خيارات الإنتاج، مع الاحتفاظ بالحكايات المحلية والموضوعات التي تعبر عن المجتمع المصري وتفاصيله.
من المهرجان إلى الجمهور.. الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الجوائز
إذا كانت المهرجانات تمنح الأفلام مساحة للظهور والنقاش، فإن وصولها إلى الجمهور يظل مرحلة مختلفة تحتاج إلى خطط توزيع وتسويق، وفرص عرض مناسبة، وقدرة على المنافسة في سوق تتعدد فيه اختيارات المشاهد.
وهذا ما يجعل مستقبل السينما المصرية مرتبطًا بأكثر من عنصر في الوقت نفسه، فهناك حاجة إلى تمويل المشروعات، وتطوير السيناريوهات، وتوفير فرص للمواهب الجديدة، إلى جانب بناء جسور بين صناع الأفلام والمنتجين والموزعين.
كما أن استمرار هذه المنظومة يتطلب النظر إلى ما يحدث بعد انتهاء الفعاليا، كم مشروعًا سينتقل إلى الإنتاج؟، وما الأعمال التي ستكتمل وتصل إلى شاشات العرض؟، وهل ستجد الأفلام المستقلة مساحة مناسبة للوصول إلى جمهورها؟،هذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية الجوائز أو مبادرات الدعم، لكنها تضعها في سياقها الأوسع، باعتبارها جزءًا من عملية تحتاج إلى متابعة واستمرارية.
الدورة التاسعة تفتح الباب.. والنتائج المقبلة هي الفيصل
مع إسدال الستار على الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، تتجاوز حصيلة المهرجان حدود الجوائز والتكريمات إلى ملف أوسع يتعلق بقدرة الصناعة على تحويل الفرص المتاحة إلى مشروعات مكتملة.
ففوز «خروج آمن» يمنح السينما المصرية لحظة تقدير فني، بينما تقدم نتائج «سيني جونة» نموذجًا للدعم الذي يمكن أن تستفيد منه مشروعات في مراحل مختلفة من الإنتاج. وبين المسارين، تتضح أهمية الجمع بين الاعتراف بقيمة الفيلم بعد إنجازه، والاستثمار في الأفكار التي لا تزال تبحث عن طريقها إلى الشاشة.
لكن مستقبل السينما المصرية لن تحسمه دورة مهرجان واحدة، ولا جائزة مهما كانت قيمتها، بل ستحدده قدرة صناع الأفلام على الاستمرار في تقديم أعمال متنوعة، وإيجاد مصادر إنتاج مناسبة وبناء قنوات توزيع تمنح الأفلام فرصة حقيقية للوصول إلى الجمهور.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم الذي تتركه الدورة التاسعة ليس فقط من فاز بجوائز الجونة؟ بل كم فيلمًا جديدًا ستساعد هذه الفرص على ولادته، وكم حكاية مصرية ستتمكن من الانتقال من الورق إلى الشاشة خلال المرحلة المقبلة؟.






