
لم تعد قضية السكن في مصر مجرد بحث عن مأوى، بل تحولت إلى معضلة اقتصادية واجتماعية تؤرق مئات الآلاف من الأسر التي تعتمد على نظام “الإيجار الجديد”.
ومع تصاعد موجات الغلاء وتآكل القيمة الشرائية للعملة، برزت الزيادات السنوية في عقود الإيجار ككابوس يداهم المستأجرين كل عام، حيث يجد المواطن نفسه مجبراً على دفع مبالغ تقتطع الجزء الأكبر من دخله الشهري المحدود أصلاً.
هذه الوضع خلق حالة من عدم الاستقرار النفسي والمادي، إذ أصبح الانتقال من سكن إلى آخر رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر المالية، في ظل غياب التوازن بين مستويات الدخول والقفزات الجنونية في أسعار الإيجارات، مما يطرح تساؤلات ملحة حول مصير الأسر التي باتت تنفق أكثر من نصف دخلها لمجرد الحفاظ على سقف يحميها، وسط صراع مكتوم بين رغبة الملاك في التحوط ضد التضخم وعجز المستأجرين عن الملاحقة.
رحلة البحث عن سكن في خريف العمر
وفي هذا السياق، يروي إبراهيم مصطفى، وهو موظف سابق خرج على المعاش ليجد نفسه في مواجهة واقع لا يرحم، معاناته مع التجديد السنوي لعقد إيجار شقته.
يوضح إبراهيم أن معاشه الذي كان يوماً ما كافياً لتغطية احتياجاته الأساسية، أصبح الآن يذهب جله لسداد الإيجار والزيادة السنوية التي يصر عليها صاحب العقار، مشيراً إلى أنه يضطر في كل عام لتقليص نفقات الطعام والدواء حتى لا يجد نفسه في الشارع.
ويصف إبراهيم وضعه بالقول إن المستأجر على المعاش يشعر وكأنه يسير في حلقة مفرغة، حيث تلتهم الجدران تعب العمر، مؤكداً أن الاستقرار الذي كان ينشده في سنواته الأخيرة بات مهدداً بقرار من المالك بزيادة تفوق قدرته، مما يجعله يعيش في قلق دائم من أن يأتي اليوم الذي لا يستطيع فيه توفير هذه المبالغ المتزايدة.
ميزانية البيت بين جشع الأسعار وحق السكن
ومن زاوية أخرى، تتحدث إيمان بيومي، وهي ربة منزل وأم لثلاثة أطفال، عن الضغوط الهائلة التي تفرضها أزمة الإيجار على تدبير شئون بيتها اليومية. تقول إيمان إن الزيادة السنوية في الإيجار أصبحت تمثل لها أزمة وطوارئ سنوية تستلزم إلغاء الكثير من الالتزامات الأخرى، مثل الدروس الخصوصية أو حتى شراء ملابس جديدة للأطفال.
وترى إيمان أن نظام الإيجار الجديد يفتقر إلى الرحمة في التعامل مع الظروف الطارئة للأسر، فصاحب العقار لا ينظر إلا لمكسبه ومواكبة السوق، بينما تظل هي وزوجها في صراع دائم لتوفير مبلغ الإيجار قبل الموعد المحدد.
وتؤكد أن فكرة السكن لم تعد تعني الأمان بالنسبة لها، بل أصبحت مرادفاً للتوتر والمطالبات المالية التي لا تنتهي، معتبرة أن غياب الرقابة على تسعير الإيجارات يترك الأسر البسيطة فريسة لتقلبات السوق.
جدوى الاستثمار العقاري
وفي ذلك يقدم خبير الاستثمار العقاري، الدكتور ماجد عبد العظيم، رؤية شاملة حول التحديات الراهنة في سوق العقارات مقارنة بالأوعية الادخارية الأخرى.
ويرى عبد العظيم أن العقار يظل “الأبن البار” والملاذ الآمن للاستثمار على المدى الطويل كونه يحفظ القيمة الرأسمالية للأصول، إلا أنه يشير في الوقت ذاته إلى المنافسة الشرسة التي تفرضها الشهادات البنكية ذات العائد المرتفع في الوقت الحالي.
ويوضح أن الاستثمار في العقار يتطلب نفساً طويلاً وقدرة على إدارة الأصول، خاصة في ظل ضعف القوة الشرائية التي قد تؤدي إلى ركود في حركة البيع، بينما توفر الشهادات البنكية سيولة سريعة وعائداً ثابتاً دون مخاطر الصيانة أو مشاكل المستأجرين.
ومع ذلك، يؤكد أن من يمتلك السيولة الكافية يفضل دائماً العقار كونه استثماراً عينياً يزداد سعره مع ارتفاع تكلفة مواد البناء، ناصحاً بضرورة الموازنة بين الحاجة للسيولة النقدية وبين الرغبة في تعظيم الثروة عبر الأصول العقارية.
وأوضح إن ما يواجهه المواطن اليوم من زيادات سنوية في الإيجار هو انعكاس طبيعي لمحاولة الملاك التحوط ضد التضخم، لكنه في الوقت ذاته يضع ميزانيات الأسر تحت ضغط غير مسبوق يتجاوز حدود طاقتهم الشرائية الحقيقية.







