
شهدت الآونة الأخيرة تحولاً جذرياً في ثقافة العمل داخل المجتمع المصري، حيث لم يعد “المكتب” هو المصدر الوحيد للدخل.
ومع التحديات الاقتصادية الراهنة وفجوة الرواتب مقابل ارتفاع تكاليف المعيشة، اتجه قطاع عريض من الموظفين بوعي كامل نحو “اقتصاد المنصات” أو ما يعرف بالعمل الحر (Freelancing).
حيث أن هذا التوجه لم يعد مجرد رفاهية أو شغفاً جانبياً، بل تحول إلى استراتيجية دفاعية لتأمين العملة الصعبة ومواكبة التضخم.
وبينما يجد البعض في هذا المسار فرصة لتعظيم قيمة مهاراتهم بعيداً عن قيود الوظيفة التقليدية، يواجه آخرون تحديات لوجستية تتعلق بالتحويلات البنكية والمنظومة الضريبية، مما يفتح الباب للتساؤل حول مستقبل هذا القطاع وتأثيره على خارطة التوظيف في مصر.
البحث عن استقرار إضافي خلف الشاشات
يعمل أحمد حسين موظفاً في إحدى الجهات الإدارية، ورغم استقرار وظيفته الحكومية، إلا أن الراتب لم يعد يكفي لمتطلبات أسرته الأساسية، قرر أحمد استغلال مهاراته في الترجمة والتدقيق اللغوي للعمل عبر المنصات الدولية بعد انتهاء ساعات عمله الرسمية.
يقول أحمد، العمل الحر منحني فرصة لقبض مجهودي بالدولار، وهو ما أحدث فارقاً كبيراً في قدرتي على سداد الالتزامات، لكن الطريق ليس مفروشاً بالورود، فأكبر عائق يواجهني هو تعقيدات سحب الأموال من المواقع العالمية والبحث دائماً عن حلول تقنية أو بطاقات بنكية تدعم الاستقبال من الخارج، فضلاً عن القلق المستمر من ضوابط الضرائب على الدخل الحر التي لا تزال غير واضحة لبعضنا بشكل كافي.
المهارة تتفوق على الشهادة في سوق “الفري لانس”
من زاوية أخرى، يقدم أيمن سليمان، وهو فني يعمل في القطاع الخاص وحاصل على مؤهل “دبلوم”، نموذجاً مختلفاً للنجاح.
أيمن لم يكتفي بعمله الصباحي بل تعلم “الجرافيك ديزاين” عبر الإنترنت وبدأ في تقديم خدماته لشركات ناشئة داخل وخارج مصر.
يوضح أيمن تجربته قائلاً: “السوق لا يسألني عن شهادتي، بل يسألني عما يمكنني تنفيذه، والعمل الحر فتح لي باباً لم أكن أحلم به فهو يوفر لي دخلاً يوازي أحياناً ضعف راتبي الأساسي.”
أن التحدي الحقيقي بالنسبة لي هو الموازنة بين وقت الوظيفة والعمل الحر، بالإضافة إلى عدم وجود تأمين صحي أو اجتماعي يغطي عملي كمستقل، فنحن نعمل بمبدأ اليومية، واليوم الذي لا أنتج فيه لا أتقاضى عنه أجر.
تشريعات اقتصاد المنصات كضرورة وطنية
وفي ذلك أكد الخبير الاقتصادي أحمد عبد الفتاح، أن اقتصاد المنصات بات ركيزة أساسية في خفض معدلات البطالة المقنعة وتخفيف الضغط على الجهاز الإداري للدولة، حيث يساهم في دمج طاقات شابة قادرة على جلب العملة الصعبة بطريقة شرعية ومنتجة.
ويرى عبد الفتاح أن هذا القطاع يحتاج إلى إطار قانوني مرن، قائلاً، يتوجب على الجهات التشريعية صياغة قوانين تحمي حقوق المستقلين ليس فقط من الناحية الضريبية، بل بإنشاء مظلة تأمينية اختيارية تضمن لهم معاشاً وحماية اجتماعية.
مؤكدًا، أن تيسير إجراءات التحويلات البنكية للمستقلين ووضع تعريفات واضحة للعمل الحر سيسهم في تحويل هذا النشاط من اقتصاد موازي إلى جزء أصيل وفعال في هيكل الاقتصاد القومي، مما يزيد من جاذبية السوق المصري في تصدير الخدمات التكنولوجية والبرمجية.







