
بعيدًا عن لغة التقارير السنوية المعقدة التي لا تمس اهتمامات المواطن اليومية، يظل السؤال الجوهري في الشارع المصري، كيف يمكن تحويل استقرار المؤشرات الكلية في الاقتصاد إلى واقع ملموس في ميزانية الأسرة؟ والحقيقة إن التجربة الحالية تؤكد أن وفرة السلع في الأسواق لم تكن وحدها كافية لخفض الأسعار، مما يشير إلى وجود خلل في آليات المنافسة وحلقات التداول، وهو ما يضع القطاع الخاص أمام مسئولية تاريخية ليكون المحرك الرئيسي لخلق التوازن بين تكلفة الإنتاج والقدرة الشرائية.
تفكيك حلقات الاحتكار وكفاءة التسعير
وفي ذلك أشار الخبير الاقتصادي، الدكتور أحمد سمير، إلى أن المشكلة الراهنة لا تكمن في نقص السلع، فالأسواق تشهد وفرة ملحوظة في مختلف القطاعات، ومع ذلك تظل الأسعار عند مستويات مرتفعة لا تتناسب مع استقرار سعر الصرف. ويرى سمير أن الحل يكمن في تعزيز دور القطاع الخاص لكسر الهياكل الاحتكارية التي تسيطر على بعض السلع الحيوية.
وأوضح أن المواطن لا يلمس أثر تراجع التضخم بسبب جمود آليات التسعير لدى بعض كبار الموردين، موضحًا أن الحل الجذري هو تشجيع دخول فاعلين جدد في قطاعات التصنيع والتوزيع، فالمنافسة الحقيقية هي الأداة الوحيدة القادرة على إجبار الشركات على مراجعة هوامش أرباحها وتقديم سعر عادل يتوافق مع القوى الشرائية الحالية، وليس مجرد التسعير بناءً على توقعات تضخمية سابقة.
الاستثمار الهيكلي وبناء قاعدة الأمان الوظيفي
من جهته، يحلل الخبير الاقتصادي، الدكتور أحمد خلاف، دور القطاع الخاص باعتباره الضمانة الوحيدة لتحقيق نمو “احتوائي” يشعر به الفرد في دخله الشهري.
ويرى خلاف أن الاقتصاد لا يمكن أن ينهض من خلال المسكنات المالية، بل من خلال توسيع قاعدة الإنتاج التي تستوعب الطاقات البشرية بإنتاجية عالية.
أضاف إن تمكين الاستثمار الخاص يتجاوز مجرد ضخ رؤوس الأموال؛ إنه يتعلق بخلق منظومة عمل مستدامة قادرة على امتصاص الصدمات السعرية من خلال رفع كفاءة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على المكون المستورد.
مضيفًا أنه عندما تتاح للقطاع الخاص بيئة عمل مستقرة، يتحول من مجرد موفر للوظائف إلى صانع للقيمة المضافة، مما يسمح بتحسين مستويات الأجور بشكل هيكلي وليس اضطراريًا، وهو ما ينعكس في النهاية على قدرة الأسرة على مواجهة أعباء المعيشة دون استنزاف مدخراتها.
الإنتاج كبديل للاستهلاك المعتمد على الاستيراد
ولفت إلى أن إن تفعيل دور القطاع الخاص في هذه المرحلة يتطلب صياغة علاقة جديدة تضمن شفافية الأسواق وعدالة المنافسة، لافتًا الى أن الهدف النهائي ليس مجرد زيادة عدد الشركات، بل خلق بيئة اقتصادية تضمن وصول السلعة للمستهلك بسعرها الحقيقي دون تشوهات، وتوفر فرص عمل تضمن للمواطن دخلاً يتوازن مع متطلبات الحياة الكريمة.







