نهاد شعبان

لم تعد الأسرة وحدها العنصر الرئيسي في تشكيل وعي الأبناء، بل دخلت السوشيال ميديا بقوة لتشارك-وأحيانًا تنافس-هذا الدور، ففي كل بيت تقريبًا، هناك شاشة مفتوحة على عالم بلا حدود، تُقدم أفكارًا وقيمًا وأنماط حياة مختلفة، وهذا التغير لم يحدث فجأة، بل تسلل تدريجيًا حتى أصبح واقعًا يوميًا، ومع هذا التحول، بدأ السؤال يفرض نفسه، هل ما زال الآباء قادرين على التوجيه كما كان الحال من قبل؟ أم أن هناك مصادر جديدة أصبحت أكثر تأثيرًا؟ وفي ظل هذا المشهد، لم تعد التربية عملية مغلقة داخل جدران المنزل، بل أصبحت مفتوحة على فضاء رقمي واسع يصعب السيطرة عليه.

الطفولة المبكرة.. حين يبدأ التشكل
في السنوات الأولى من عمر الطفل، تتشكل ملامح شخصيته من خلال ما يراه ويقلده، وهنا يظهر تأثير السوشيال ميديا بوضوح، حيث لم يعد الطفل ينتظر قصة قبل النوم، بل ينتظر فيديو جديدًا على الهاتف، حيث تقول منى عمران، أم لطفل في السادسة من عمره: “بقيت ألاحظ إن ابني بيقلد طريقة كلام اليوتيوبرز، حتى انفعالاته بقت مش شبهنا”، مضيفة: “مرة قال لي جملة غريبة جدًا، اكتشفت بعد كده إنها من فيديو بيسمعه باستمرار”، أما رانيا محمود، أم لطفل في العاشرة من عمره، فتقول: “ابني بقى يرفض يلعب ألعاب عادية، عايز كل حاجة زي إللي بيشوفها أونلاين وبيرفض نشتري له أي ألعاب عادية وذكاؤه بدأ يقل جدا “، وفي هذه المرحلة، لا يملك الطفل القدرة على التمييز، فيتحول المحتوى إلى سلوك مباشر، وتصبح الشاشة معلمًا خفيًا يشارك الأسرة دورها.

المراهقة.. صراع الهوية والقبول
مع دخول مرحلة المراهقة، يتغير شكل التأثير ليصبح أكثر تعقيدًا، وهنا لا يكتفي الأبناء بالمشاهدة، بل يبدأون في المقارنة والسعي للتشبه، حيث يقول أحمد عاطف، والد فتاة في الخامسة عشرة:” بنتي بقت تقف قدام المراية كتير، وتسألني هل شكلها حلو زي البنات إللي على إنستجرام؟”، مضيفًا:” في مرة زعلت يومين علشان صورة نزلتها جابت لايكات أقل من صاحبتها، ومشاكلها من النوعية دي بدأت تتكرر كل يوم”، أما هبة عادل، فتروي قائلة: “ابني بقى مهتم بالمظاهر بشكل مبالغ فيه، عايز موبايل معين ولبس معين علشان يحس إنه زي أصحابه، ومع ضغوط الحياة مبقتش أقدر أجيب له كل إللي هو عاوزه ودا بيخلق مشاكل كتيرة بينا”، حيث أن هذا الضغط المستمر يخلق شعورًا بالنقص، ويجعل التقدير الذاتي مرتبطًا برأي الآخرين، حتى لو كانوا غرباء خلف الشاشة.

الشباب.. وعي سريع أم سطحي؟
في مرحلة الشباب، يبدو الأبناء أكثر استقلالا، لكن تأثير السوشيال ميديا يصبح أعمق في تشكيل آرائهم، حيث تقول سمر محمود، أم لشاب جامعي:” ابني بقي عنده رأي في كل حاجة، سياسة، اقتصاد، علاقات، لكن لما أناقشه ألاقي الكلام كله جاي من فيديوهات قصيرة على الفيسبوك أو مقاطع بيشوفها على اليوتيوب”، مضيفة:” بحس إنه واثق جدًا، بس من غير ما يكون فاهم بعمق”، أما وليد عبدالله، فيقول:” ابني بيجادلني بمصطلحات أنا نفسي معرفهاش، بس لما ندخل في التفاصيل يلاقي نفسه مش عارف يكمل باقي الحوار معايا لأن معلوماته كلها سطحية”، وهذا النوع من المعرفة السريعة قد يعطي انطباعًا بالوعي، لكنه أحيانًا يكون سطحيًا، يعتمد على الانطباع أكثر من الفهم، ويصعب معه تكوين رؤية متماسكة.

الأسرة.. بين التراجع ومحاولة اللحاق
مع هذا التغير، يجد كثير من الآباء أنفسهم في موقف جديد، فهم ليسوا المصدر الوحيد، بل مجرد طرف في معادلة أكبر، حيث يقول خالد أحمد، أب لثلاثة أبناء:” زمان كنا بنحدد الصح والغلط بسهولة، لكن دلوقتي هما بيشوفوا آراء كتير وبيختاروا بنفسهم من غير ما يرجعوا لينا أو حتى ياخدوا رأينا في كل إللي بيسمعوه وبيشوفوه في الموبايلات”، أما نهى جمال، فتقول:” بحاول أراقب، بس حاسة إني متأخرة خطوة دايمًا، في حاجات أولادي بيعرفوها قبلي، وده مخليني مش قادرة أوجه زي زمان”، هذه الفجوة لا تُعني اختفاء دور الأسرة، لكنها تُعني أنه لم يعد كافيًا بالشكل التقليدي، بل يحتاج إلى أساليب جديدة تقوم على الحوار والفهم.

القيم.. تغيرات صامتة
التأثير الأخطر للسوشيال ميديا لا يكون مباشرًا، بل يظهر في تغير القيم بشكل تدريجي، وهنا تحكي دينا محسن عن تجربتها مع ابنتها البالغة من العمر 14 عامًا فتقول:” بنتي بقت شايفة إن الخصوصية مش مهمة، بتحكي كل حاجة أونلاين، من غير ما تعرف إيه الصح اللي يتقال وإيه الغلط ودا بيتسبب في مشاكل كتير ليها”، ويوضح محمود جمال أب لشاب في الثالثة والعشرين من عمره :” ابني بقى شايف إن النجاح يعني شهرة وسرعة، مش تعب ومجهود، وكمان بقى يقيم الناس بعدد المتابعين مش بأخلاقهم”، هذه التغيرات لا تحدث فجأة، لكنها تتراكم مع الوقت، لتعيد تشكيل مفاهيم أساسية مثل النجاح، العلاقات، وحتى معنى الذات، دون أن يشعر الأبناء أو الآباء بحجم التحول في بدايته.

هل المشكلة في السوشيال ميديا؟
رغم كل هذه المخاوف، لا يمكن تجاهل الجانب الإيجابي للسوشيال ميديا، تقول نجلاء عزت أم لفتاة 15 عامًا:” بنتي اتعلمت مهارات كتير من الإنترنت، حاجات أنا مكنتش أعرف أعلمها لها، وأخدت كورسات كتير ودا ساعدها في دراستها وطور عندها اللغة بشكل كبير”، فالمشكلة إذًا ليست في وجود السوشيال ميديا، بل في كيفية استخدامها، كما أن غياب التوجيه والوعي هو ما يحولها من أداة مفيدة إلى مصدر ضغط وتأثير سلبي، التحدي الحقيقي ليس المنع، بل خلق توازن يسمح بالاستفادة دون فقدان السيطرة، حيث لم تعد التربية مسئولية سهلة أو أحادية المصدر، ولكن الأبناء اليوم يعيشون بين عالمين بيت يحاول التوجيه، وشاشة تقدم بدائل لا تنتهي، وبين هذا وذاك، تتشكل شخصياتهم، ربما لا يمكن استعادة السيطرة الكاملة كما كان في الماضي، لكن يمكن بناء نوع جديد من العلاقة يقوم على الثقة والحوار، لأن السؤال لم يعد فقط: من يربي الأبناء؟ بل كيف نعيد تعريف التربية نفسها، في زمن أصبحت فيه الشاشة شريكًا دائمًا في تشكيل كل شيء؟.







