
أثار ما شيد من مبانٍ ومنشآت حديثة بمحيط معبد كلابشة جنوب أسوان حالة من الجدل والاستياء بين المهتمين بالآثار والتراث، وسط تحذيرات من تأثير تلك الأعمال على المشهد الحضاري والبصري لأحد أهم المعابد الأثرية بمنطقة النوبة، فيما شهدت الواقعة تحرك برلماني بتقديم طلب إحاطة من النائب مدحت المنصراوي بشأن الواقعة.
وقال الخبير في ترميم الآثار تامر مرزوق، إن ما يحدث بمحيط معبد كلابشة يمثل “جريمة في حق الآثار المصرية والتراث المصري”، مؤكدًا أن هذه الأعمال لا يمكن وصفها بأنها تطوير، بل تعد تشويهًا صريحًا للهوية البصرية للموقع الأثري، مضيفًا أن إقامة مبانٍ حديثة أمام واجهة المعبد تؤدي إلى طمس البانوراما التاريخية التي تميز المكان منذ آلاف السنين، مشيرًا إلى أن المنطقة المواجهة للمعبد تُعد الأكثر أهمية من الناحية البصرية والسياحية.
وأكد “مرزوق” على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن إنشاء خدمات أو مبانٍ إدارية كان يمكن تنفيذه عبر بدائل أخرى تحافظ على قدسية الموقع وعظمته الحضاري، دون التأثير على المشهد الأثري العام، مشددًا على أن الآثار ليست مجرد مبانٍ قديمة، بل تمثل تاريخ وهوية مصر أمام العالم، مطالبًا بضرورة وقف ما وصفه بالتشويه ومحاسبة المسؤولين عن الموافقة على هذه الأعمال، مؤكدًا أن الحفاظ على الأثر لا يكون بالبناء أمامه، وإنما بحماية قيمته التاريخية واحترام طابعه الحضاري الفريد.

ومن جانبه، أعرب نقيب المرشدين السياحيين بمحافظة أسوان، شكري سيف، عن استيائه من الشكل الحالي للإنشاءات المقامة أمام المعبد، مؤكدًا أنها تمثل تشويهًا لمدخل أثر عظيم كان يجب الحفاظ على طابعه البصري والحضاري، موضحًا أن أي مبانٍ خدمية كان من المفترض أن تُقام على مستوى أقل حتى لا تحجب رؤية المعبد أو تؤثر على المشهد العام، متسائلًا عن الجهة التي منحت تصاريح إقامة تلك المنشآت، مطالبًا بضرورة الرجوع إلى المختصين والخبراء قبل تنفيذ أي أعمال بالمناطق الأثرية.
وأشار نقيب المرشدين السياحيين بأسوان إلى أن معابد النوبة القديمة تعاني من احتياجات أساسية تتعلق بأعمال الترميم وتوصيل الكهرباء وتحسين الخدمات، موضحًا أن بعض المعابد البعيدة عن المدينة أصبحت مأوى للخفافيش بسبب ضعف الاهتمام بها، مقترحًا الاعتماد على الطاقة الشمسية لتوفير الكهرباء داخل المواقع الأثرية، بدلاً من استخدام مولدات الديزل، بما يضمن الحفاظ على البيئة والطابع الحضاري للمكان.

وفي السياق ذاته، أوضح النائب مدحت المنصراوي، عضو مجلس النواب عن حزب المصري الديمقراطي الاجتماعي بمحافظة أسوان، أنه تقدم بطلب إحاطة إلى الحكومة بشأن ما وصفه بتشويه المشهد الحضاري والبصري بمحيط معبد كلابشة نتيجة إقامة منشآت لا تتناسب مع القيمة التاريخية والأثرية للموقع، مؤكدًا أن معابد النوبة تمثل جزءًا أصيلاً من الهوية المصرية والتراث الإنساني، مشددًا على أن الحفاظ عليها ليس رفاهية، بل مسؤولية وطنية تتطلب رقابة صارمة على أي تدخلات عمرانية أو إنشائية قد تؤثر على قيمتها الحضارية والسياحية.
وأوضح المنصراوي لـ”ليبرالي” أن طلب الإحاطة يهدف إلى كشف الجهات التي أصدرت تصاريح هذه المنشآت، ومدى التزامها بالاشتراطات المنظمة للبناء في المناطق الأثرية، بالإضافة إلى مطالبة وزارة السياحة والآثار بوضع خطة واضحة للحفاظ على الهوية البصرية لمحيط المعابد الأثرية بأسوان، مشيرًا إلى أن تطوير المناطق الأثرية يجب أن يتم وفق رؤية تحافظ على التراث والطابع البيئي والحضاري للمكان، داعيًا إلى التوسع في استخدام حلول حديثة وصديقة للبيئة، مثل الطاقة الشمسية، داخل المناطق الأثرية بدلاً من الوسائل التقليدية التي قد تضر بالمشهد الحضاري.

ومن جانبها، قالت رئيسة نادي اليونسكو للتعليم التكنولوجي وحماية التراث بأسوان الدكتورة ميرفت السمان، إن الشعور بالحزن يتزايد كلما تم التعامل مع التراث والآثار المصرية دون إدراك حقيقي لقيمتها الحضارية والإنسانية الفريدة، مؤكدة أن التراث المصري ليس مجرد ماضٍ تاريخي، بل هو رأس المال الحقيقي الذي تقوم عليه قوة مصر الناعمة وصناعة السياحة والثقافة والإبداع.
وأضافت أن الحفاظ على التراث والآثار مسئولية وطنية مشتركة، تبدأ من الجهات الحكومية والمؤسسات المعنية، لكنها لا تكتمل إلا بوجود دور فعال للمجتمع المدني والباحثين والمتخصصين، من أجل نشر الوعي المجتمعي بأهمية حماية الهوية الحضارية المصرية وصونها للأجيال القادمة.
وأشارت إلى أن نادي اليونسكو للتعليم التكنولوجي وحماية التراث بأسوان يضع كل خبراته وإمكاناته العلمية والاستشارية في خدمة هذا الملف المهم، من خلال التعاون مع أساتذة الجامعات والخبراء والمتخصصين في مجالات التراث والثقافة والآثار والحفاظ المعماري، مؤكدة أن ذلك يأتي في إطار الواجب الوطني للحفاظ على التراث المصري الذي لا يُقدر بثمن، باعتباره جزءًا أصيلاً من هوية مصر وتاريخها الإنساني العريق.




